اللعنة المدفونة الفصل الثاني: سر الكهف
الفصل الثاني: سر الكهف
.........
خطت ليلى إلى داخل الكهف ببطء شديد، كأنها تخشى أن توقظ المكان من سباته الطويل. كان الهواء في الداخل باردًا ورطبًا، يحمل رائحة التراب القديم والحجر المبتل، رائحة توحي بأن هذا المكان لم تطأه قدم بشرية منذ زمن بعيد. رفعت المصباح الصغير الذي تحمله بيد مرتجفة قليلًا، فارتعش الضوء الأصفر فوق الجدران الصخرية الملساء، وكشف عن قطرات ماء تتساقط ببطء من السقف. كانت كل قطرة تصطدم بالأرض بصوت واضح يتردد في أرجاء الكهف، فيخلق صدى خافتًا يشبه نبضًا بطيئًا في قلب الظلام. تقدمت خطوة أخرى، ثم توقفت للحظة تستمع. لم يكن هناك شيء سوى صوت الماء وصوت أنفاسها المتسارعة. ومع ذلك، لم تستطع التخلص من الشعور الذي بدأ يسيطر عليها منذ أن دخلت هذا المكان؛ شعور بأن الكهف يراقبها، وأن الظلام المحيط بها ليس مجرد ظلام، بل حضور صامت يحيط بها من كل جانب. مر الضوء على الجدار القريب، فتوقفت ليلى فجأة عندما لاحظت شيئًا غريبًا محفورًا في الصخر. اقتربت ببطء، ورفعت المصباح أكثر، لتكتشف أن الجدار مغطى بنقوش قديمة. لم تكن مجرد خدوش عشوائية، بل رموز معقدة متشابكة، خطوط ملتوية تتفرع كالجذور، وأشكال تشبه العيون المفتوحة تحدق في الفراغ. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها عندما أدركت أن هذه النقوش لم تكن طبيعية، بل تبدو كأنها لغة قديمة تركها أشخاص عاشوا هنا منذ زمن بعيد. مدت يدها بتردد ولمست أحد الرموز، فشعرت ببرودة شديدة في الحجر، برودة غريبة لم تكن تشبه برودة الصخور العادية. وفي اللحظة التي لامست فيها الرمز، سمعت همسة خافتة جدًا خلفها، همسة بالكاد تُسمع، لكنها كانت كافية لتجعل قلبها يقفز في صدرها.
استدارت بسرعة ورفعت المصباح نحو مدخل الكهف، لكن لم يكن هناك أحد. كان المدخل مجرد بقعة ضوء رمادي بعيدة، والظلال حولها ساكنة تمامًا. حاولت أن تقنع نفسها بأن الصوت كان مجرد صدى أو خدعة من خيالها، لكنها لم تستطع تجاهل الشعور المتزايد بأن هذا المكان يخفي شيئًا ما، شيئًا يراقب كل حركة تقوم بها. أخذت نفسًا عميقًا لتجمع شجاعتها، ثم واصلت السير إلى داخل الكهف. بعد عدة خطوات انحنى الممر قليلًا واتسع، وأصبحت الأرض مغطاة بطبقة رقيقة من الطين الرطب. وبينما كانت تسلط الضوء على الأرض لتتجنب الانزلاق، لاحظت شيئًا جعلها تتجمد في مكانها.
كانت هناك آثار أقدام واضحة في الطين.
انحنت ببطء لتتفحصها، وقلبها يخفق بعنف. لم تكن هذه آثار قدميها، كانت أعمق قليلًا وأكبر حجمًا. بدا وكأن شخصًا آخر مرّ من هنا قبلها بفترة قصيرة. رفعت رأسها ببطء ونظرت حولها في الظلام، محاولِة أن تلتقط أي حركة أو صوت يدل على وجود شخص آخر. لكن الكهف كان صامتًا بشكل مخيف. ومع ذلك، لم تستطع التخلص من فكرة واحدة بدأت تتسلل إلى ذهنها: إذا لم تكن هذه آثارها… فلمن تكون؟ حاولت أن تتذكر إن كان أحد يعرف عن الخريطة أو عن رحلتها إلى الغابة، لكن لم يخطر ببالها أي شخص يمكن أن يكون هنا.
تابعت السير رغم القلق الذي بدأ يتسلل إلى صدرها، وكأن الفضول الذي قادها إلى هذا المكان كان أقوى من خوفها. وبعد مسافة قصيرة انفتح الممر أمامها ليكشف عن قاعة حجرية واسعة في قلب الكهف. كان السقف مرتفعًا، تتدلى منه تشكيلات صخرية طويلة تشبه الأسنان الحادة لمخلوق عملاق نائم في الظلام. في وسط القاعة كان هناك شيء ضخم يقف بصمت منذ زمن طويل. اقتربت ليلى ببطء، حتى أصبح الضوء يكشف معالمه بوضوح أكبر، وعندها أدركت ما تراه.
كان بابًا حجريًا ضخمًا.
وقف أمامها شامخًا، مغطى بطبقة من الطحالب والغبار، كأنه لم يُفتح منذ مئات السنين. في منتصف الباب كانت هناك دائرة كبيرة محفورة بعناية في الحجر، وداخلها ثلاثة رموز واضحة: عين مفتوحة، مفتاح قديم، وشجرة ذات جذور طويلة تمتد في كل اتجاه. حدقت ليلى في الرموز طويلاً، محاولة أن تفهم معناها. ثم لاحظت كلمات محفورة أسفل الدائرة، حروفها باهتة لكنها لا تزال مقروءة: "من يفهم العلامات… يُفتح له الطريق." شعرت بقشعريرة تمر في جسدها، وأخرجت الخريطة القديمة التي ورثتها عن جدها. عندما فتحتها تحت الضوء الضعيف، لاحظت شيئًا جعلها تحبس أنفاسها.
في زاوية الخريطة كان هناك رسم صغير لنفس الرموز الثلاثة.
العين… المفتاح… الشجرة.
لكن تحتها كانت هناك جملة كتبها جدها بخط غير مستقر: "إذا وصلتِ إلى الباب، تذكري أن الغابة هي الإجابة." نظرت ليلى إلى الباب مرة أخرى، ولاحظت أن أسفل الرموز الثلاثة توجد تجاويف صغيرة في الحجر، كأن الباب ينتظر أن يوضع فيه شيء معين. شعرت بأن اللغز يقترب منها، لكنه لا يزال غامضًا. ماذا قصد جدها بأن الغابة هي الإجابة؟ وهل يجب أن تجد شيئًا من الغابة لفتح هذا الباب؟
وبينما كانت غارقة في التفكير، سمعت صوتًا واضحًا خلفها.
خطوة.
استدارت بسرعة ورفعت المصباح، لكن الظلام كان كثيفًا ولم يظهر أحد. عندما نظرت إلى الأرض، شعرت بالرعب يتسلل إلى قلبها. آثار الأقدام التي رأتها سابقًا في الطين لم تعد في مكانها القديم… لقد اقتربت أكثر. بدا وكأن صاحبها تحرك خطوة أخرى نحوها، رغم أنها لم ترَ أي شخص. أصبح تنفسها سريعًا وثقيلاً، وبدأ الخوف يسيطر عليها. حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خرج ضعيفًا عندما قالت: "هل هناك أحد هنا؟" لم يأتِ أي رد. لكن فجأة اهتز الهواء داخل الكهف، وخرج صوت عميق من الجدران نفسها، صوت قديم وثقيل كأنه يأتي من زمن بعيد.
قال الصوت ببطء: "من يبحث عن السر… يجب أن يجيب."
وفي اللحظة التالية بدأت كلمات جديدة تظهر على سطح الباب الحجري، كأن قوة خفية تنحتها أمام عينيها. تشكلت جملة ببطء: "اللغز الأول." ثم ظهرت الكلمات التالية: "أنا بلا فم لكني أتكلم، بلا أذنين لكني أسمع، أعيش مع الريح، وإذا اختفيت يعود الصمت. من أنا؟" حدقت ليلى في الكلمات، محاولة أن تفكر في الإجابة، لكن التوتر والخوف جعلا عقلها مضطربًا. وقبل أن تتمكن من قول أي شيء، بدأ الضوء في مصباحها يضعف تدريجيًا. ارتعش الضوء، ثم خفت أكثر فأكثر، حتى انطفأ فجأة، وغرق الكهف كله في ظلام مطلق.
في ذلك الظلام، لم ترَ شيئًا… لكنها سمعت شيئًا بوضوح.
صوت تنفس بطيء وقريب جدًا منها.
لم يكن تنفسها.
كان هناك شخص… أو شيء… يقف خلفها مباشرة.
وعاد الصوت العميق يهمس من الظلام: "أجيبي… قبل أن يجيب الظلام بدلك."
تجمدت ليلى في مكانها، غير متأكدة إن كانت على وشك حل لغز قديم… أم على وشك إيقاظ لعنة لم يكن من المفترض أن تستيقظ أبدًا.