سوريسوس: المشعوذة
المشعوذة
.........
لم تكن سارة في أحسن حالاتها لكنها أحست بنوع من الراحة بعد مقابلتها لهدى، فحديثها معها أزال عن صدرها بعض الألم المكبوت و جعلها تشعر بأنها ليست وحيدة، و رغم أنها لم تخبرها بكل شيء فإن ما باحت به كان كافيا ليجعلها تشعر بالطمأنينة لعدة أيام أخرى، و بالفعل فقد قضت ثلاثة أيام في هدوء و سكينة، دون أن يراودها ذلك الكابوس مجددا، و دون أن تستيقظ مفجوعة في منتصف الليل على صوت المنبه، و دون أن يجول بعقلها كل تلك الذكريات السيئة التي عاشتها في الفترة الأخيرة، لكنها لم تكن لتدرك بأن الأمور ستسوء أكثر مرة أخرى، و بالتأكيد لم تكن لتدرك أن الأيام القادمة ستكون أسوأ بكثير مما كانت عليه آخر مرة.في صباح اليوم الرابع كان والداها قد غادرا المنزل لزيارة أحد الأقارب، و ذلك بعد أن تلقيا إتصالا هاتفيا ليلة البارحة من عائلته بأنهم أخذوه للمستشفى بعد تعكر حالته الصحية المفاجئة، تاركين سارة التي لم ترغب بمرافقتهما بمفردها في المنزل. فلم تمضي ساعة واحدة على مغادرتهما حتى رن جرس الباب، و خلال دقائق قليلة كانت سارة قد توجهت بسرعة نحو الباب لتفتحه، فهي قد أدركت بأنها قد انشغلت بمشاهدة التلفاز و لم تسمع صوت الجرس في المرة الأولى، و ربما أيضا في المرة الثانية، لأنه إن لم يكن كذلك لما لجأ هذا الزائر إلى دق الباب بقوة و رن الجرس في نفس الوقت، و ما أن فتحت الباب حتى رأت امرأة لا تعرفها، إمرأة غريبة لم ترها من قبل، و بالتالي لا يمكن أن تكون من سكان هذا الحي الذي تعيش فيه.
كانت امرأة في منتصف العمر، ذو جسم شبه ممتلئ، لها شعر قصير و مموج، ، و لم تبدو من ذلك النوع من النساء اللاتي يهتممن بمظهرهن الخارجي، فقد كانت قليلة الزينة جافة البشرة، و ترتدي ملابس بسيطة و غير متناسقة، و بالنسبة لوجهها فقد كانت بريئة الملامح ماكرة النظرات.
قالت المرأة بنبرة لطيفة متصنعة:
- أنت سارة، أليس كذلك؟
أجابت سارة باستغراب:
- أجل، لكن من أنت؟.. و كيف تعرفين إسمي.
- إنها قصة طويلة، لكن أولا أخبريني.. هل والداك بالمنزل؟
- لا، أنا بمفردي.
- هذا أفضل، لا حاجة لتوريطهما في هذا، يجب أن يقتصر الأمر علينا نحن الإثنان فقط.
- أمر.. أي أمر؟
- هناك الكثير من الأشياء التي يجب مناقشتها لذلك لماذا لا نكمل حديثنا في الداخل؟، فربما أنت بحاجة للجلوس لما أنت على وشك أن تسمعيه.
- أنا لم أفهم شيئا، ما الذي تتحدثين عنه؟. أنا لا أستطيع إداخلك حتى أعرف ماذا تريدين مني، أو على الأقل حتى أعرف من تكونين.
عندئذ ابتسمت المراة و تراجعت خطوة للوراء، ثم قالت بثقة مبالغ فيها:
- أنا أدعى ياسمين و أنا مشعوذة.
فقالت سارة بتعجب و كأنها أرادت التأكد مما سمعته:
- هل قلت.. مشعوذة؟
- أجل، و لقد أتيت من مكان بعيد لأتحدث إليك، و لأساعدك في إيجاد حل لمشكلتك؟
- مشكلة.. أي مشكلة؟
فقالت ياسمين و قد تغير صوتها ليصبح أكثر جدية، و تغيرت تعابير وجهها لتتناسب مع المكر الظاهر بوضوح في عينيها:
- إن الموت يتبعك أينما تذهبين، ألست محقة؟.. أليس هذا فعلا ما تشعرين به؟
قالت سارة بإرتياب و قد فوجئت بما سمعته:
- كيف عرفت أنني؟..
فقاطعتها ياسمين:
- و الكوابيس.. هل مازالت تروادك؟، و تلك العينين الحمراويتين، و اليدين الباردتين، و الصوت الهامس.. إنهم لا يزالون يوقظوك في منتصف الليل.
قالت سارة بصعوبة و قد تسارعت دقات قلبها و أصبحت غير قادرة على التنفس بشكل طبيعي:
- و لكن كيف عرفت؟.. أنا لم أخبر أي أحد..
فقاطعتها ياسمين مجددا:
- أعتقد بأنه من الأفضل لنا أن نكمل حديثنا بالداخل، فأنت بلا شك بحاجة للجلوس الآن.
لم تشعر سارة أنها بخير، و لوهلة بدت أنها على وشك أن يغمى عليها، فسارعت ياسمين نحوها فوضعت يدها اليسرى حول خصرها بينما أمسكت جيدا بذراعها التي رفعتها و وضعتها حول رقبتها، و بخطوات بطيئة و حذرة سارتا نحو غرفة الجلوس حيث ساعدتها في الإستلقاء على أريكة وثيرة لترتاح و تستعيد وتيرة تنفسها الطبيعية.
جلست ياسمين بجانب سارة و انتظرتها حتى هدأت و بدأت تشعر بأنها أفضل، كانت تشعر بدوار خفيف لكنها رغم ذلك حركت جسدها و جلست معتدلة، متكئة بذراعها على حافة الأريكة، ثم نظرت نحو ياسمين الجالسة في المقعد المحاذي لها و قالت:
- إذن.. هل ستخبرينني ما الذي يحدث معي بالتحديد؟
أجابت ياسمين:
- لقد أصابتك لعنة.. لعنة الموت.
رغم أن سارة كانت تشك بالفعل بأنها ملعونة إلا أنها وقفت مفجوعة و صاحت:
- لعنة؟.. أي لعنة؟
- في ذلك اليوم الذي صدمتك فيه السيارة.. كان من المفترض أن تموتي لكن لسبب ما بقيت حية.
- مازلت لم أفهم شيئا.
- أنا أعني أنه من المفترض أن تنتهي حياتك في ذلك اليوم لكن بسبب أن الموت فشل في حصد روحك فقد تحول إلى حصد الأرواح المحيطة بك.
- لكن.. لماذا أنا؟.. و لماذا من المفترض أن أكون ميتة؟
- هكذا تعمل اللعنة التي أصابتك.
- كيف عرفت ذلك.. بأنني ملعونة؟
- لأنني أنا من وضعت هذه اللعنة عليك.
صاحت سارة:
- ماذا؟.. أنت؟.. لماذا تفعلين شيئا فضيعا كهذا؟
قامت ياسمين بإخراج صورة من جيبها و قدمتها لسارة، و عندما أخذتها و نظرت إليها تفاجئت، فقد كانت تلك الصورة تخصها و كانت قد التقطتها في سنتها الجامعية الأولى، و إن كانت تتذكر جيدا فهذه الصورة من المفترض أن تكون مخبأة بين مجموعة من الأوراق في الدرج السفلي من درج مكتبها. فعادت للجلوس مرة أخرى و قالت:
- كيف حصلت عليها؟
- هناك فتاة تدعى فرح، هي من أعطتني إياها.
- فرح؟.. لماذا تفعل فرح أمرا كهذا؟
- لأنها زبونتي، و بيننا عقد عمل.
- أي عمل؟
فقالت ياسمين بتردد، متجنبة النظر في عينيها:
- حسنا.. لقد طلبت مني أن أتخلص منك.
فوقفت سارة مصدومة، و قالت:
- فرح صديقتي و لا يمكن أن تفعل أمرا سيئا كهذا، أنت.. أنت تكذبين. فرح؟.. تريد قتلي؟؟.. هذا أسخف شيء سمعت به.
- أنا لا أعرف طبيعة علاقتكما لكن هذا ما حدث.
- لو كنت بالفعل تقولين الحقيقة فأخبريني إذن لماذا؟.. لماذا قد تفعل فرح شيئا فضيعا كهذا؟
- أنا لا أعرف، ففي عملي أنا لا أسأل.. أنا فقط أنفذ.
فتراجعت سارة للوراء في خوف و هي تقول:
- إذن أنت هنا لقتلي.. لتكملي مهمتك التي فشلت في تنفيذها.
عندئذ وقفت ياسمين و قالت فيما كانت تقترب ببطء من سارة:
- لا.. بالطبع لا. أنا مشعوذة، و أنا أقوم بوضع اللعنات و هي التي تتسب بالموت، أما أنا فلست بقاتلة.. أعني أنا لا أحمل سكينا و أركض من مكان لآخر و أقوم بقتل الناس.
فقالت سارة و قد توقفت عن السير:
- لماذا أنت هنا إذن؟.. ماذا تريدين مني؟
أجابت ياسمين و قد توقفت عن السير هي الأخرى:
- لقد أتيت لتخليصك من اللعنة التي وضعتها عليك.
- لماذا؟.. ما الفائدة التي ستعود عليك بفعل هذا؟
- لأنني إن لم أتخلص من هذه اللعنة فأنا أيضا سأموت، إنها مرتبطة بي مثلما هي مرتبطة بك.
ثم مدت يدها و قالت:
- تعالي و اجلسي، و أنا سأشرح لك كل شيء. كما أعدك بأنني لن أؤذيك، ثقي بي عندما أخبرك بأنني هنا لمساعدة كلتانا على النجاة قبل فوات الأوان.
كانت سارة قد تراجعت خطوة أخرى للوراء و قالت فيما كانت نظراتها ضائعة بين الشك و الخوف:
- سأبقى واقفة هنا حتى تشرحي لي ما تريدين فعله حقا.
أدركت ياسمين بأنها لن تنجح في اقناع سارة بالعودة نحو الأريكة و الجلوس، فهي خائفة و مرتبكة، و الأهم من هذا هي ملعونة و يجب أن تخلصها من اللعنة في أقرب وقت ممكن. فبقيت واقفة في مكانها، و قالت بعد أن تنهدت بعمق:
- هذه اللعنة التي أخبرتك عنها.. حسنا، إنها تحتاج لثلاثة أشخاص لتنفيذها، الشخص الذي سيستدعي اللعنة و هي أنا، الشخص الذي سيربط بين اللعنة و الضحية و هي فرح، و الشخص الذي سيكون الوعاء لهذه اللعنة و هي أنت، أي أن اللعنة ستمر من خلالي إلى فرح ثم من خلال فرح إليك أنت، أي أن كل واحدة منا تحمل بداخلها جزءا من اللعنة و لكن الجزء الأكبر و المهم متواجد داخلك أنت، و هذه اللعنة تتطلب سبعة أيام لتنمو داخلك حتى تتمكن من سلب حياتك، و في هذه الأثناء فهي تستمد طاقتها مني أنا و فرح، و مادامت اللعنة لم تنتهي فهي ستظل تتغذى منا حتى تستهلك آخر قطرة من أرواحنا حتى ينتهي الأمر بموتنا. لقد نفذت هذه اللعنة العديد من المرات و هي تنتهي في كل مرة بموت الضحية في اليوم السابع، لكن معك أنت.. الأمر كان مختلفا، فلسبب ما لم تتمكن اللعنة من قتلك، و الأغرب من ذلك أنها استمرت بالعيش داخلك و بدل أن تؤذيك أنت أصبحت تؤذي الأشخاص من حولك. و هي على ما يبدو لن تتوقف في أي وقت قريب، ليس على الأقل قبل أن تستهلك مني حياتي، و دعيني أخبرك أنه في اللحظة التي أموت فيها أنا ستضطر هذه اللعنة اللجوء إليك أنت كمصدر تغذيتها الرئيسي، و بالتالي سيكون مصيرك مثل مصيري. أنا بالفعل أشعر بضعف شديد، و ربما لم يبقى لي سوى أسابيع قليلة لأعيشها، و أنت لا أعتقد أنك تريدين حمل ذنب موت المزيد من الأشخاص، خاصة و أنه بقي يوم واحد حتى تقوم اللعنة باختيار ضحيتها التالية.
قالت سارة بحيرة، و كأنها لا تزال تستوعب ما سمعته:
- و ما أدراك بأنها ستقتل شخصا آخر بعد يوم واحد بالتحديد؟
أجابت ياسمين بعد أن تنهدت مرة أخرى، و كأنها تعبت من الشرح:
- إن عدت بذاكرتك للوراء و قمت بالحساب كما يجب فستجدين أن الوقت الفاصل بين تعرضك للحادث و موت خطيبك سبعة أيام، و بين موت خطيبك و موت فرح سبعة أيام، ثم إن فرح ماتت قبل ستة أيام، مما يعني أن ليلة غد سيراودك الكابوس و تستيقظين في منتصف الليل، و في تلك اللحظة ستستيقظ اللعنة من جديد لتقوم بالقتل، ثم ستنقضي سبعة أيام أخرى ليتكرر الأمر من جديد.. هذه اللعنة لن تتوقف أبدا ما لم نوقفها نحن بأنفسنا.
صمتت سارة لوهلة محاولة أن تحسب الأيام الفاصلة بين كل كابوس راودها و كل ضحية شهدت على موتها، و من خلال تعابير وجهها التي تغيرت و نظرات عينيها المتذبذبة التي رمقت بها ياسمين بدت و كأنها تصدقها الآن. فقالت مستفسرة، و كأن هناك شيء آخر تريد معرفته:
- الإبتسامة التي ترتسم على وجهي، و السعادة التي أشعر بها عند رؤيتهم يموتون، هل هي بسبب تأثير اللعنة أيضا؟
- أجل، هكذا تعمل اللعنة، تماما كإسمها: (سوريسوس)
قالت سارة بإستغراب:
- (سوريسوس)؟
فقالت ياسمين:
- (سوريسوس).. إنها كلمة قديمة تعني الإبتسامة.
ثم أكملت قائلة بعد أن لاحظت أن سارة لا تزال تنظر نحوها باستغراب:
- حسنا، أنا لم أرى ذلك بنفسي، لكن المرأة التي علمتني كل ما أعرفه أخبرتني ببعض القصص حول كائن غامض يستمتع بقتل ضحاياه و يضحك بشكل غريب عندما يقوم بتعذيبهم حتى الموت، و أخبرتني أيضا بأن هذه اللعنة سميت تمينا به، لأنه هو الأصل الذي صنعت منه هذه التعويذة.
عندئذ قالت سارة بصوت يائس و متعب، و قد انهار جسدها فجثت على ركبتيها ببطء و جلست على الأرض:
- أنا فقط أريد من كل شيء أن ينتهي.. أنا .. أنا لا أستطيع تحمل المزيد.
فاقتربت منها ياسمين و قالت فيما كانت تساعدها على الوقوف:
- لماذا لا تدعيني أساعدك إذن؟.. فأنت لا يجب أن تتحملي كل هذا الألم بمفردك، أنت لست مجبرة على ذلك.
كانت قد أخذت بيدها و ساعدتها على قطع تلك المسافة القصيرة نحو الأريكة حيث طلبت منها أن تجلس و تنتظرها قليلا، ثم غادرت غرفة الجلوس و نظرت حولها، و ما أن وجدت طريقها نحو المطبخ حتى اتجهت هناك بخطى سريعة و مستعجلة، و لم تمضي لحظات قليلة حتى عادت لغرفة الجلوس و هي تحمل في يدها كيسا صغيرا من الدقيق. كانت قد وقفت في منتصف الغرفة و هي تنظر حولها و كأنها تبحث عن شيء ما، ثم بدأت في تحريك الأثاث بعيدا.
قالت سارة بإستغراب:
- ماذا تفعلين؟
فأجابت ياسمين :
نحن بحاجة للمساحة.
ثم وقفت في مكانها لترتاح و قالت، و قد انتهت لتوها من تحريك أحد المقاعد:
- أعتقد بأن هذا كاف.
لم تسترح كثيرا و سرعان ما أخذت كيس الدقيق فأحدثت فيه فتحة صغيرة ثم بدأت بسكبه في تلك المساحة الخالية على شكل خطوط و دوائر، و في هذه الأثناء كانت سارة قد وقفت و اقتربت ببطء لترى ما الذي تقوم ياسمين برسمه، فرأت دائرة كبيرة يتوسطها مثلث، و في مركز الدائرة نجمة صغيرة يمر من خلالها خط طويل يقسم الدائرة لنصفين متساويين.
قالت سارة و هي تتابع بفضول كل تحركات ياسمين:
- ما الذي ترسمينه؟
كانت ياسمين في هذه الأثناء تقوم بإستعمال الدقيق لكتابة بعض الكلمات و الأشكال الغريبة حول المحيط الخارجي للدائرة، فقالت دون أن تلتفت:
- هذه ليست مجرد رسمة بل هي بوابة، و من خلال هذه البوابة نحن سنكسر اللعنة و نضع نهاية لها.
كانت سارة ستقول شيئا ما لكن ياسمين قاطعتها و أخبرتها بأنها ستشرح لها كل شيء ما أن تنتهي من الكتابة، و بعد دقائق قليلة كانت قد وقفت و نظرت لما رسمته و قد علت وجهها علامة الرضا، فتراجعت للخلف و نظرت لنفسها، كانت قد بدت و الدقيق يغطي جسدها و ملابسها و كأنها طفل صغير يلعب بالتراب، و بعد أن نفظت ملابسها جيدا و أزالت ما تستطيع إزالته اقتربت من سارة و قالت:
- إن اللعنات بصفة عامة ليست شيئا ملموسا لنستطيع التحكم بها في العالم الواقعي الذي نعيش فيه، فنحن لا نستطيع التفاعل معها بصفة مباشرة، و لا نستطيع رؤيتها أو لمسها في شكلها الأصلي الخام، أي أنه لا يسعنا فعل أي شيء سوى إنتظار التأثير الذي تقوم به، و نحن في هذه الحالة مهما فعلنا لن نكون قادرين على إيقافها حتى تنتهي من عملها. لكن من ناحية أخرى يمكننا الغوص إلى صلب هذه التعويذة و تفكيكها من مصدرها، و بالتالي إبطال تأثيرها في عالمها الخاص حيث تعيش.
لم تكن سارة قد فهمت أي كلمة مما قالته ياسمين، و إن كانت هذه الأخيرة قد لاحظت حيرتها و أحست بارتباكها، فقد أدركت بأنها تتحدث بطريقة غامضة و تستعمل كلمات صعبة لشرح ما تريد قوله، فصمتت لوهلة ثم ابتسمت و قالت:
- ببساطة نحن سنقتحم عقلك و سنغوص بين أفكارك حتى نصل لللاوعي الخاص بك حيث تتواجد اللعنة، و من هناك سنكون قادرتان على إيقافها مرة واحدة و للأبد. و هذه الرسمة التي أمامك هي البوابة التي سنعبر من خلالها نحو اللاوعي الخاص بك. كل ما علينا فعله هو أن نجلس داخلها حتى نستطيع العبور، ليس بالمعنى الحرفي للكلمة بطبيعة الحال فإن أجسادنا.. كشيء مادي، فهي ستبقى هنا في العالم الواقعي، بينما ذواتنا.. كشيء حسي ، فهي ستنتقل بطريقة منفصلة و سلسة للعالم الروحي.
قالت سارة بنبرة مترددة و عيون قلقة:
- هل أنت متأكدة بأن هذا آمن؟.. هل.. هل قمت بمثل هذا الشيء من قبل؟
أجابت ياسمين و قد علت وجهها نظرات غريبة:
- أجل.. أجل بالطبع، لا داعي للقلق.
لم تكن سارة متأكدة مما تفعله لكن لم يكن أمامها اختيار آخر، أما ياسمين فقد بدت قلقة بعض الشيء و كأنها كانت مجبرة على المضي قدما فيما تفعله، و مهما كانت الأفكار و الأحاسيس التي تراود كل واحدة منهما فهما قد اقتربتا من الرسمة، و بعد أن عبرتا بحذر إلى الداخل جلستا متقابلتان، كل واحدة داخل نصفها الخاص من الدائرة، و بعد أن أمسكتا بأيدي بعضهما البعض و أغمضتا أعينهما متتبعين تعليمات ياسمين، نطقت ياسمين ببعض الكلمات الغريبة و الغير مفهومة:
- ترانسيتيس.. بورتا.. آبرتيس..إنترنيس..
فلم تمضي لحظات قليلة حتى تحول الظلام الذي تراه سارة بعينيها المغمضتان إلى وميض ساطع مزعج، فرفعت يديها بسرعة و غطت عينيها، و ما أن أحست بأن الوميض قد تلاشى أنزلت يديها و فتحت عينيها ببطء.