اللعنة المدفونة | الفصل السادس: مذكرات الرجل الذي لم يخرج
الفصل السادس: مذكرات الرجل الذي لم يخرج
.........
الفصل السادس: مذكرات الرجل الذي لم يخرج
تجمدت ليلى في مكانها عندما سمعت الهمسة قرب أذنها. كان الظلام كاملاً بعد أن انطفأ المصباح، حتى أنها لم تعد ترى يدها الممدودة أمامها. للحظة لم تستطع أن تتحرك، وكأن جسدها رفض الاستجابة. قلبها كان يخفق بقوة حتى شعرت بأن صوته قد يفضحها لأي شيء يختبئ في الظلام.
لكن الغرفة بقيت صامتة.
لم يتكرر الصوت.
ابتلعت ريقها ببطء ومدّت يدها المرتجفة تتحسس الطاولة الحجرية أمامها حتى لمست سطحها البارد. أصابعها انزلقت فوق الغبار المتراكم، ثم اصطدمت بشيء صلب… الكتاب.
تنفست ببطء محاولة أن تهدئ نفسها.
"لا بد أني تخيلت الصوت…" همست لنفسها.
لكنها لم تكن مقتنعة.
أخرجت المصباح الصغير من جيبها وهزته قليلًا. بعد عدة محاولات عاد الضوء الضعيف للعمل مرة أخرى، فانكشف المكان حولها تدريجيًا.
كانت الغرفة صغيرة دائرية الجدران، سقفها منخفض قليلًا، وكأنها غرفة مخفية في عمق الكهف. النقوش على الجدران هنا كانت مختلفة؛ لم تكن مجرد رموز غامضة، بل رسومات واضحة.
أشخاص.
شجرة ضخمة.
دوائر مرسومة على الأرض.
وكيانات طويلة مظلمة تحيط بهم.
لكن أكثر ما جذب انتباهها كان الطاولة الحجرية في الوسط… والكتاب فوقها.
اقتربت ليلى أكثر.
الغلاف الجلدي كان قديمًا جدًا ومتشقّقًا، لكن الاسم المحفور عليه كان واضحًا رغم الغبار.
حسن الربعي.
اسم جدها.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
إذا كان الكتاب هنا… فهذا يعني أن جدها وصل إلى هذا المكان بالفعل.
لكن ماذا حدث له بعد ذلك؟
مدّت يدها ببطء وفتحت الكتاب.
صرير خفيف صدر من الصفحات القديمة عندما انقلب الغلاف، وكأن الورق نفسه يشتكي من مرور الزمن.
الصفحة الأولى كانت مليئة بخط يد جدها.
بدأت تقرأ بصوت منخفض:
"إذا وجدتِ هذا الكتاب يا ليلى… فهذا يعني أنكِ وصلتِ أبعد مما كنت أتمنى."
تجمدت للحظة.
كيف… كيف عرف أنها قد تصل إلى هنا؟
واصلت القراءة.
"الغابة ليست مجرد غابة. الكهف ليس مجرد كهف. ما يوجد هنا أقدم بكثير من القرية… وأقدم حتى من الخرائط التي نعرفها. منذ مئات السنين، كانت هذه الأرض موطنًا لحضارة صغيرة اختفت فجأة. تركوا خلفهم شيئًا… شيئًا لم يكن من المفترض أن يُكتشف."
رفعت ليلى رأسها ببطء.
نظرت حولها إلى الجدران المليئة بالنقوش.
ثم عادت إلى الكتاب.
"في قلب الكهف توجد بوابة، لكن هذه البوابة ليست بابًا عاديًا. إنها ختم. ختم لشيء تم حبسه منذ زمن بعيد. الحارس الذي رأيته ليس سوى واحد من الكائنات التي بقيت هنا لحراسة المكان."
شعرت ليلى ببرودة في أطرافها.
الحارس…
ذلك المخلوق الذي كاد يمسك بها في الممر.
قلبت الصفحة التالية بسرعة.
"لكن الحارس ليس أخطر ما في هذا المكان. هناك شيء آخر… شيء لم أره بالكامل، لكنني سمعت حركته في الظلام. إذا كنتِ تقرئين هذا الآن، فربما تكونين أقرب إليه مما كنت أنا."
توقفت ليلى عن القراءة.
ببطء شديد رفعت رأسها ونظرت نحو مدخل الغرفة الحجرية.
الممر الذي دخلت منه كان مظلمًا تمامًا.
لكن للحظة… ظنت أنها سمعت صوتًا بعيدًا.
كأنه احتكاك حجر بحجر.
عادت بسرعة إلى الكتاب.
"إذا أردتِ الخروج من هذا المكان، عليكِ أن تجدي المفتاح الحقيقي. ليس المفتاح الذي رأيتِه في الألغاز… بل المفتاح الذي تركوه في القاعة السفلى. لكن الوصول إليها لن يكون سهلًا. الطريق مليء بالألغاز… وبعضها لا يقتل الجسد فقط."
توقفت يدها.
"بل يقتل ماذا؟" همست.
قلبت الصفحة التالية.
لكنها لم تجد كلمات.
كانت الصفحة الأخيرة تحتوي على رسم فقط.
رسم لخريطة صغيرة للممرات داخل الكهف.
وفي أسفلها علامة X مرسومة قرب مكان مكتوب تحته:
القاعة السفلى.
لكن هناك شيء آخر كان مكتوبًا أسفل الخريطة بخط مهتز.
"لا تثقي بكل ما ترينه."
تجمدت ليلى.
"ماذا يعني ذلك…؟"
في تلك اللحظة تحديدًا…
سمعت صوتًا خلفها.
خطوة.
بطيئة.
وثقيلة.
استدارت بسرعة ورفعت المصباح نحو الجدار الخلفي للغرفة.
الضوء كشف شيئًا جعل أنفاسها تتوقف.
لم تكن وحدها.
كان هناك ممر آخر في الجدار لم تره من قبل.
وكان يقف عند مدخله…
شخص.
أو شيء يشبه الشخص.
كان طويل القامة، يرتدي ملابس قديمة ممزقة، وشعره طويل يغطي جزءًا من وجهه. وقف بلا حركة لثوانٍ، كأنه يراقبها بصمت.
"من أنت؟!" قالت ليلى بارتجاف.
لم يرد.
لكن عندما رفع رأسه قليلًا… رأت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
عيناه.
لم تكونا طبيعيّتين.
كانتا شاحبتين باهتتين، كأنهما لم تريا الضوء منذ سنوات طويلة.
ثم تحرك خطوة واحدة نحوها.
وقال بصوت أجش خافت:
"أخيرًا… شخص آخر وصل."
تراجعت ليلى خطوة.
"هل… هل أنت إنسان؟"
ابتسم ابتسامة بطيئة غريبة.
ثم قال جملة جعلت قلبها يقفز بقوة:
"كنتُ كذلك… عندما دخلت هذا الكهف."
ساد الصمت الثقيل في الغرفة.
ثم أضاف بهدوء مخيف:
"لكن المكان هنا… يغيّر الناس."
في تلك اللحظة سمعت ليلى صوتًا آخر يأتي من الممر البعيد.
الصوت الذي كانت تخشاه منذ البداية.
احتكاك بطيء…
خطوات ثقيلة…
وشيء ضخم يتحرك في أعماق الكهف.
الشخص الغريب التفت نحو الظلام للحظة.
ثم نظر إليها مرة أخرى وقال بهدوء:
"أعتقد أنه استيقظ."
اتسعت عينا ليلى.
"من؟"
لكن الرجل لم يبتسم هذه المرة.
بل قال بصوت منخفض:
"الشيء الذي حبسه أجدادك هنا."