قارئ في منتصف الليل: الفصل الثاني
قارئ في منتصف الليل: الفصل الثاني
بين صرير الصفير الحاد ودقات قلبه المتسارعة، وجد القارئ نفسه سجينًا في غرفته أمام 'الكاتب الساخط' الذي لم يعد مجرد اسم على غلاف رواية، بل كيانًا ملثمًا يطارد أنفاسه. في محاولة يائسة للنجاة، حشد البطل أثاثه وكتبه كحصون واهية أمام الباب، قبل أن يلقي بجسده عبر زجاج النافذة المحطم في هروب انتحاري مزق ثيابه وجسده. وبينما كان يرتطم بالأسفلت البارد والدماء تنزف من كتفه، لم يمنحه الألم فرصة للراحة؛ إذ لمح في بركة ماء صغيرة انعكاس القناع الأبيض الملطخ بالدماء يقترب منه، ليدرك أن حبر الكاتب قد غادر الورق ليخط فصل نهايته على أرض الواقع.
ربما أنت السبب..***
نظرت للشخص الملثم أمامي، كان يرتدي قناع وجه أبيض ملطخ ببقع دماء.
ارتفعت وتيرة أنفاسي ولم أفكر لدقيقة أخرى؛ اندفعت باتجاه غرفتي الصغيرة، دفعتُ بابها بقدمي فأُغلق بعنف كاد أن يُخلع من مفصله، أقفلتُ مزلاجه النحاسي بيأس.
ألتصقت بالباب، وصدري يرتفع وينخفض بسرعة وكأنني ركضتُ أميالًا!!
بللتُ شفتاي بلساني،ورأسي يستحضر الصور الأخيرة: القناع الأبيض المُلطخ بالدماء، وقلم الحبر العملاق الذي ثقب الورقة!
تذكرت ذلك التوقيع الذهبي على جسم القلم
"الكاتب الساخط"
أكان ذلك المقنع كاتبين المفضل؟!
همست بلا تصديق:
" لا..لا هذا ليس صحيحًا!"
لم تمضِ ثانية واخترق الصمت المُخيف صفير خافت ولكنه حاد، مستمتع! يصدر من الجهة الأخرى من الباب...
لم يكن هذا وقت تحليل الأحداث! بل الهروب.
بدأت يداي تتحركان بشكل أخرق ومحموم، تدفع كل ما تلتقطه باتجاه الباب بقوة وعقلي يصيح
ضع أي شيء! أي شيء يُعطل القاتل ولو لثانية!
دفعتُ كرسي مكتبي الخشبي ليصطدم بالباب، سمعت صوت احتكاك الخشب بالأرضية ثم دوي خفيف عندما لامس الكرسي اللوح الخشبي.
عيناي جالت الغرفة بحثًا عن أي شيء ثقيل؛ فسقطت على خزانة الكتب بجوار سريري.
كانت ثقيلة ولكن خوفي من صاحب الصفير أجج بداخلي قوة كبيرة، دفعتها بيدين مرتجفتين وأسناني تعض شفتاي بقسوة حتى أدمتها.
زحف الخشب على البلاط البني بصرير قبيح، وسقطت الكتب من رفوفها، متناثرة على الأرض بلا ترتيب.
لم أهتم وواصلت دفعها حتى استقرت أمام الباب بميل خفيف.
حتى الوسائد والمفارش لم تسلم من محاولاتي البائسة، سحبتها من على السرير ووضعتها على الأرض كحاجز.
حركات عبثية وغير فعالة ولكنها كانت محاولة.. للنجاة!
فكلما زادت محاولاتي الخرقاء وارتفعت الضوضاء؛ ازداد صوت الصفير في الخارج حدة وثباتًا!
تدفقت الدموع لعيناي وشعرت برغبة عارمة في البكاء والنواح. ولكن جذب نظري نافذة غرفتي حيث كانت هذه فرصتي الوحيدة للهرب، لكن لسوء الحظ كانت مُغلقة باحكام.
هرعت باتجاهها محاولًا سحب مزلاجها الصدئ الذي كان يُثبت إطارها. صوت الصفير ارتفع فجاءة وتحول إلى نغمة ثقيلة وبطيئة.
سمعتُ صوت المزلاج وهو يتحرك، ولكنه توقف.
كان عالقًا؛ دفعتُ النافذة بكتفي بكل قوتي مرارًا وتكرارًا حتى تحطمت الضلفة اليُمنى، واخترق الزجاج المُحطم كتفي.
كان الجزء المكسور صغيرًا جدًا مقارنة بجثتي! ولكن لم يكن هناك وقت لفتحها، أو لتدميرها بالكامل. كانت خياراتي تُغلق واحدة تلو الأخرى.
انسحبت من النافذة بسرعة، عائداً إلى الباب الذي تحصنته بقطع الأثاث. كانت تلك الفوضى الخرقاء هي الشيء الوحيد الذي يفصلني عن المُقنع.
قبضت على خصلاتي وشدتها بقوة قبل أن ينطلق لساني بالسباب اللاذع. سمعتُ صوت تحريك الأثاث، كان القاتل يُحركه بلا عناء وبكل قوته.
التفتُ إلى النافذة مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الهروب مُختلفًا، قفزتُ عبر الفتحة الضيقة، ضاغطًا على جسدي في المساحة المُتاحة، وببطش دفعت نفسي للخارج مُتجاهلًا صوت تمزق القماش والألم المنتشر في حنايا جسدي.
ارتطم جسدي بالأرضية الأسفلتية المبللة، انقطع الهواء عن صدري لحظة الاصطدام، وانتشر ألم ساحق في جميع أنحاء جسدي خاصة كتفي وأسفل ظهري، همست بصوت متألم ساخط:
"سُحقًا.."
لم يكن هناك وقت لاستيعاب الإصابة، وفي أقل من ثانية ناشدتني غريزة البقاء. ارتكزتُ على يداي وركبتاي، ودفعت نفسي للوقوف قسرًا، كانت عظامي تئن من الألم، لكن صوت الصفير اقترب كثيرًا.
ولمحتُ بطرف عيني انعكاس القناع في بركة صغيرة على الأسفلت.
***
قارئ في منتصف الليل
سلوى طارق-salwa tarek
قصة قصيرة
رأيكم في الأحداث حتى الآن؟
وما الذي تتوقعونه؟
هل سينجو القارئ؟