وجوه مستعارة - غريبةٌ في مرآتي
وجوه مستعارة
.........
لم يكن النوم هروبًا كافيًا، بل كان ساحة معركة أخرى. طوال الليل، كانت نايا تطارد طيفًا في ممرات مظلمة تشبه أروقة الجامعة، وكلما اقتربت من الإمساك بكتف ذلك الطيف، التفت إليها ليظهر وجهها هي، لكن بعينين غريبتين تمامًا.
استيقظت نايا وقلبها يقرع طبول الذعر. كانت الغرفة تغرق في الظلام وضوء الفجر الشاحب يتسلل إليها. أول ما فعلته هو الهرع نحو مكتبها، كانت تبحث عن تلك الورقة.. الورقة التي كُتبت بخط يدها الليلة الماضية. لكن، لم يكن هناك شيء. المكتب مرتب بعناية فائقة، الكتب مصفوفة حسب ألوان أغلفتها، ومذكراتها مغلقة بإحكام.
"هل تخيلتُ كل شيء؟" همست لنفسها وهي تفتش بين الأوراق بهستيريا. بحثت في سلة المهملات، تحت السرير، خلف الستائر.. لا أثر للورقة. شعرت ببرودة تتسلل إلى أطرافها. إن كانت الورقة قد اختفت، فهذا يعني أحد أمرين: إما أنها لم توجد أصلاً وهذا يعني أنها بدأت تفقد صوابها فعليًا، أو أن شخصًا ما دخل غرفتها وأخذها.. وكان الاحتمال الأخير كان أكثر رعبًا.
في الجامعة، كان اليوم يبدو طبيعيًا بشكل مستفز. وجوه الطلاب العابرة، أصوات المحاضرين الرتيبة، ورائحة الورق القديم في المكتبة. قررت نايا أن تنسحب من ضجيج أصدقائها اليوم. أرادت أن تختلي بنفسها، أن تستعيد سلطتها على عقلها بعيدًا عن نظرات سيلين الفاحصة وضحكات رامي الواثقة.
توجهت إلى أبعد زاوية في المكتبة المركزية، حيث الرفوف العالية التي نادرًا ما يقصدها أحد. جلست خلف طاولة خشبية قديمة، وفتحت حاسوبها المحمول. بدأت تكتب في محرك البحث اسمًا واحدًا: "سما الرفاعي".
ظهرت لها مئات النتائج. كانت سما أيقونة اجتماعية في الجامعة. صورها في كل مكان؛ في الحفلات الخيرية، في مسابقات القاعة الكبرى، وحتى في المنشورات القديمة لاتحاد الطلاب. كانت تتمتع بجمال آسر، وحضور طاغٍ، وشيء آخر لم تستطع نايا وصفه في البداية.. ثم أدركت. في كل صورة، كانت سما تبدو وكأنها تملك المكان ومن فيه.
وبينما كانت تقلب في الصور، شعرت بظل يسقط على شاشتها. انتفضت نايا وأغلقت الحاسوب بسرعة البرق. كان ياسين يقف خلفها، ممسكًا بقدح من القهوة، وعلى وجهه ذلك التعبير الذي لا يُقرأ.
"البحث عن الموتى لا يعيدهم يا نايا، بل يجعلنا نلحق بهم في متاهات الذكريات"، قال ياسين بنبرة هادئة، ثم جلس على المقعد المقابل لها دون استئذان.
ابتلعت نايا ريقها بصعوبة: "أنا فقط.. كنتُ أشعر بالفضول. الجميع يتحدث عنها وكأنها كانت ملاكًا أو أسطورة."
ابتسم ياسين ابتسامة باهتة: "لم تكن ملاكًا. كانت فقط تعرف كيف تجعل الجميع يرى ما تريده هي أن يروه. كانت تتقن فن الحضور، حتى غاب وعيها خلف صورتها." سكت للحظة ثم تابع وهو ينظر في عيني نايا مباشرة: "لماذا تحاولين العثور عليها؟ هل بدأتِ تشعرين بظلها يزحف نحو مرآتكِ؟"
شعرت نايا برغبة في البكاء، لكنها تذكرت أنها يجب أن تكون قوية. "ياسين، هل أنا أتغير؟ رامي وسيلين يقولان أشياء لا أتذكرها. صور، مكالمات، مواقف.. أنا لستُ حمقاء، أنا أعلم ما أفعل وما لا أفعل، لكنهما يصران على أنني نسيت!"
اقترب ياسين قليلاً، وانخفض صوته كأنه يهمس بسر مقدس: "الذاكرة ليست مجرد مخزن للأحداث، هي النسيج الذي يربط روحنا بالواقع. إذا تمكن أحدهم من خلخلة هذا النسيج، فإنه يمتلك روحكِ. لا تصدقي كل ما ترينه، حتى لو كان بعينيكِ."
قبل أن تسأله عما يقصده، نهض ياسين وانصرف بخطى وئيدة، تاركًا خلفه دوامة من الأسئلة التي لا تنتهي.
بعد ساعة، تلقت نايا رسالة على هاتفها من سيلين: "نحن في المطعم المطل على البحر، ننتظركِ على الغداء. لا تتأخري، لدينا مفاجأة لكِ."
كانت نايا تنوي الرفض، لكن فكرة بقائها وحيدة مع أفكارها كانت تخيفها أكثر. ذهبت إلى هناك، وفي قلبها أمل ضعيف بأن يكون كل ما حدث مجرد سوء تفاهم كبير.
عندما وصلت، وجدت الطاولة مزينة بالشموع والزهور البيضاء، وكأنها مناسبة احتفالية. كان رامي يرتدي حلة أنيقة، وسيلين تبدو كأميرة من عصر غابر.
"أهلاً بنجمتنا." صاح رامي وهو يقف ليرحب بها. "اليوم يوم عظيم. لقد تواصلتُ مع منظمي مسرحية الجامعة، وأخبرتهم أنكِ وافقتِ على أداء الدور الرئيس."
توقفت نايا في مكانها، واتسعت عيناها ذهولاً: "أي مسرحية؟ أنا لم أوافق على شيء! أنا لا أجيد التمثيل أصلاً، وأكره الوقوف على خشبة المسرح!"
ضحكت سيلين بنعومة وهي ترتشف من عصيرها: "نايا عزيزتي، توقفي عن المزاح. لقد قرأتِ لنا النص ليلة أمس في منزلي، وكان أداؤكِ مذهلاً. حتى أنكِ بكيتِ في مشهد الوداع بطريقة جعلتنا نرتجف."
"ليلة أمس؟" صرخت نايا بصوت لفت أنظار الجالسين في المطعم. "ليلة أمس كنتُ في غرفتي! لقد تحدثنا في هذا الصباح، رامي قال إننا كنا في حفل، والآن تقولين إنني كنتُ في منزلكِ أقرأ نصاً مسرحيًا؟ أنتم تتلاعبون بي!"
ساد صمت مفاجئ على الطاولة. تبادل رامي وسيلين نظرة مليئة بالشفقة، تلك النظرة التي تُعطى لشخص فقد عقله للتو. سحب رامي جهازه اللوحي "التابلت"، وشغل مقطع فيديو.
انحبست أنفاس نايا وهي تشاهد الشاشة. كانت هي.. نعم هي، تجلس في صالون بيت سيلين الفاخر، ترتدي فستانًا أسود لم تره من قبل، وتمسك بأوراق في يدها. كانت تقرأ بأسلوب مسرحي فصيح، وصوتها يمتلئ بنبرات من الحزن والقوة لم تكن تعلم أنها تمتلكها. وفي نهاية المقطع، نظرت نحو الكاميرا وابتسمت ابتسامة باردة وقالت: "أنا لستُ نايا اليوم.. أنا روحٌ جديدة."
هوت نايا على الكرسي، وشعرت بأن العالم يدور من حولها بسرعة جنونية. الفيديو حقيقي. الغرفة حقيقية. هي كانت هناك. لكنها لا تذكر ثانية واحدة من ذلك.
"نايا"، قال رامي بصوت حنون وهو يمسك يدها، "نحن قلقون عليكِ. يبدو أن الضغوط الدراسية جعلتكِ تعانين من نوبات من فقدان الذاكرة المؤقت. أنتِ تعيشين شخصية سما دون أن تشعري، ربما لأنكِ تفتقدينها أو لأنكِ ترين فيها المثالية التي تنقصكِ."
"أنا لا أفتقدها." صرخت نايا وهي تسحب يدها. "أنا لا أعرفها حتى!"
"بل تعرفينها جيدًا"، قالت سيلين ببرود مفاجئ، "لقد كنتِ تراسلينها قبل اختفائها بشهور. وجدنا رسائلكِ في أرشيف بريدها الإلكتروني القديم. كنتِ تتوسلين إليها أن تعلمكِ كيف تكونين مثلها."
دوار.. غثيان.. ثم سواد.
لم تفق نايا إلا وهي في سيارة رامي، كان الوقت قد قارب على الغروب. كان الصمت يلف المكان إلا من صوت المحرك.
"إلى أين تأخذني؟" سألت بصوت واهن.
"إلى منزلكِ يا نايا. تحتاجين للراحة"، أجاب رامي دون أن يلتفت إليها.
عندما وصلت أمام بيتها، وقبل أن تترجل من السيارة، همس رامي: "نايا، غدًا هو أول بروفة للمسرحية. الجميع ينتظر سما الجديدة. لا تخذلينا.. ولا تخذلي نفسكِ."
دخلت نايا منزلها وهي تشعر بأنها غريبة حتى عن جدران غرفتها. توجهت مباشرة نحو خزانة ملابسها، وفتحتها بعنف. بدأت تلقي بالملابس أرضًا، وفجأة، وجدت في الركن المظلم من الخزانة صندوقًا صغيرًا مخمليًا.
فتحته بيدين ترتجفان، لتجد بداخله قلادة ذهبية رقيقة، محفور عليها حرف واحد باللغة العربية: "س."
وفي قاع الصندوق، كانت هناك صورة قديمة، تجمع بين نايا وسما.. وهما تضحكان كأفضل صديقتين.
تجمدت الدماء في عروق نايا. هي لا تتذكر هذه الصورة. هي لا تتذكر أنها قابلت سما يومًا. فكيف تكون هذه الصورة في خزانتها؟ ومن الذي وضع القلادة هناك؟
نظرت إلى المرآة مرة أخرى، لكنها هذه المرة لم ترَ خيالاً، بل رأت وجهها وقد ارتسمت عليه ابتسامة تشبه تمامًا ابتسامة سما في الصورة.
همست نايا بذهول: "من أنا؟"