ألفا إبن الظل (رائحة الخوف)
رائحة الخوف
.........
انقضت
الأيام بسرعة، واقترب موعد المهرجان. بدأ
النبلاء يتوافدون إلى العاصمة من كل الممالك، وازدحمت الشوارع أكثر فأكثر، لتصبح
مشاعر الفرح والابتهاج أعنف وأقوى. وفي
الخفاء، كان الشر يتكاثر سريعًا، يزحف ببطء ليخفي نفسه بين ابتسامات المدينة
وأضوائها.
مُنذ
الحادثة الأخيرة، لم أرى منّة مرة أخرى...
ثم حلّ يوم المهرجان أخيرًا.
"مولاي… كل شيء
جاهز، الجميع على أهبة الاستعداد. "
قالها آلفريد متأثرًا، وهو يحني جسده أمامي احترامًا.
بدأت
أصوات الفرح تعمّ المكان، وارتفعت الموسيقى والرقصات الشعبية، بينما كان موكب
النبلاء القادمون من كل الممالك يسير بين الحشود المبهورة. علّت الضحكات، وانطلقت المفرقعات في الهواء،
فملأت الألوان والشرارات السماء بالبهجة والدهشة.
وصل موكب
الملك برفقة نبلاء المملكة، والورود تتساقط عليهم من كل جانب، حتى تدحرج رأس على
عربة الملك. صاح الجميع مذعورًا مما رأوا،
ثم خيم الظلام لبرهة، قبل أن تعود الأضواء
ثانية. لكن هذه المرة، كان الجميع في حيرة
واستغراب، متسائلين عن حقيقة ما يروه.
على أسطح
المباني، وقف جنود الظل في صفوف منتظمة، صامدين بثبات مذهل. ارتبك حرس الملك أمام هذا المشهد، ووجّهوا
بنادقهم صوب الجنود، لكن أسهمًا متطايرة أصابت أقدامهم، ليخمدوا على الفور أي
محاولة للهجوم.
وفي تلك
اللحظة، بدأ العرض الذي خططت له بعناية منذ وقت طويل...
كنتُ أقف
في منتصف الطريق، مرتديًا ردائي الأسود، مخفيًا وجهي بقناع والدتي الذي أهَدتني
إيّاه. كان الصمت يملأ الفراغ بيني وبين
عربة الملك، بينما ارتجف كل شيء من حولنا.
رفع حراس
الملك أسلحتهم و انطلقوا نحوي، ولكنها
تصدّت بسيوف جنود الظل، وانكسرت في لحظة خاطفة.
كان
الجميع مفزوعًا مما يحدث، حينها قاطعت ضحكتي صمت الموقف.
ضحكت كما لو أنني سيد الشر في هذا العالم، ضحكة تخترق
الصمت وترعب القلوب.
صوت
الملك قاطعني فجأة:
من أنت يا هذا…؟ كيف تتجرّأ على الوقوف أمامي؟ "
"
ابتسمتُ
ببرود، وقلت:
أدعى ألفا… ابن الظل… من يتربّص في الظلال ليقضي على
الشر. " "
ثم وجه
الملك لي سؤالًا بحدة:
ألا تخشى أن تتخذك المملكة عدواً لها؟ "
"
سكت
الجميع حينها، وكانت كلماتي تكفي لإرباك الملك.
نظر حوله مرتجفًا، متلعثمًا:
" " من…
ماذا… لم…؟
" أتظن أن أحدًا في الممالك السبع قادر
على هزيمتي؟ ما هي نواياك أيها الغريب؟ "
صاح وزير
الملك محاولًا السيطرة على هيبة الملك
توقف
مكانك أيها المجرم ... ""
لكن
ضحكاتي علت من جديد في الأرجاء، قبل أن تنطفئ كل الأنوار فجأة. وحينما عادت
الأضواء، لم يكن أحدٌ في المكان، اختفينا جميعًا: جنود الظل وأنا، تاركين الفزع
يسيطر على الجميع.
انقضى
المهرجان حينها، وعدتُ إلى قصري، حيث استقبلني آلفريد بابتسامة هادئة على وجهه:
أهلاً بك، مولاي، الجميع في انتظارك "
"
حينما
وصلتُ إلى غرفة الاجتماعات، كانوا جميعًا يحنون ظهورهم أمامي.
هذا
المنظر جعلني أتذكّر ما حدث قبل شهر، حين تلقيت رسالة من أحد الغربان تفيد بأن
اجتماعًا كبيرًا سيُعقد في القصر الملكي.
كنت في
رحلة تدريب قصيرة، في أحد الجبال البعيدة عن حياة البشر، في معبدٍ قديم لأتلقى
دروسًا من معلّم قريبٍ من العائلة حتى يساعدني على فتح قنوات جسدي الروحية. حينها
وصلتني رسالة من أحد غربان القصر.
رجعتُ
بسرعة إلى القصر لأقابل جميع قادة الفصائل: غاما، بيتا، كابا، ياتو، بيتا
وإبسليون، قادة فصائل جنود الظل. كانوا جميعهم حاضرين لمناقشة الأحداث القادمة.
آلفريد،
يدي اليمنى، كان حاضراً أيضًا.
أخبار الجواسيس
أفادت بأن صاحب السلاح الفضي سيكون حاضرًا في العاصمة، ولم يقتصر الأمر على هذا
المجرم، بل كانت هناك عصابات أكثر فتكًا ستظهر أثناء مهرجان القمر الأزرق.
كانت
أوامري قاطعة ونهائية:
صاحب
السلاح الفضي سيكون من نصيبي. " "
كانت
عيني مليئة بالحقد، وأردد لنفسي دائمًا: "أنا من سيقتصّ، أنا من سينتقم. وها نحن الآن، بعد شهر من تلك المعلومات و وقوفي أمام موكب الملك لأعلن الحرب على كل من
يتخفى في الظلال. كان الملك أعظم رمز للشر
في القصر الملكي، ورأس وزيره الذي تدحرج
أمام الجميع كان مساعده . لطالما استخدم ذاك الوزير استخدم نفوذه لتحقيق مطامعه،
وكانت يداه مليئتان بالدم، وقلبه منيع للجشع والشهوة.
لكن، لم
يكن هو صاحب السلاح الفضي. ربما كان مختبئًا، غامضًا بين الحشود.
عندما
عدت إلى القصر، وجدت قادة الفصائل حاضرين. تقدم آلفريد نحوي وقال:
" مولاي، كان عرضك أمام الملك مبعثراً
للغاية. الجميع الآن خائف منك. أفعالهم الطائشة ربما تخمد. "
خاطبته
وأنا غارق في الغضب:
" أقتلهم جميعًا... زوجاتهم، أطفالهم،
عبيدهم وحاشيتهم. لا أريد لأي شر أن يهرب من قبضتي. "
" بالطبع مولاي. "
"يوتا... "
"نعم مولاي... "
"أرسل فرقتك لحماية
صاحبة المتجر الصغير. احرص على سلامتها "
" بالطبع
مولاي. "
انصرف
الجميع بعد انتهاء الاجتماع.
كان
القصر مظلماً، الإضاءة خافتة، والحركة ساكنة. وحدي أنظر إلى القمر الأزرق، أراجع
كل حساباتي لأتأكد من خلوها من الأخطاء. لكن،
كسرت حيل أفكاري تلك العيون الزجاجية.
لم أرها منذ الحادثة… هل هي غاضبة؟ ""
كنت
أتحدث إلى نفسي حين رأيت الدخان يتصاعد في أرجاء العاصمة.
يبدو أن
الجنود بدأوا عملياتهم. " "
انقضت
ليلة صعبة، مليئة بالفوضى والظلال، في العاصمة.
حينما حلَّ الصباح، طرق آلفريد باب غرفتي.
" مولاي... "
" عربةٌ ملكيّة قد
جاءت إلى القصر. الملك يطلب استدعاء الطبيب إليان. "
"حسناً... يمكنك الانصراف. "
كانت خطّتي تمشي على قدمٍ وساق. في النهار أنا الطبيب إليان،
وفي الليل أنا ألفا... ابن الظل.
وصلتُ إلى القصر الملكي على عجالة. كان الملك
يطلب رؤيتي.
كنتُ أسير في الردهة، أتبع خادم الملك، بينما أستمع
لهمسات الوزراء الحاضرين.
" انظروا... انظروا... ها قد جاء الطبيب إليان.
رغم صغر سنّه، إلا أنّه الأكثر مهارة في هذه المملكة. "
كنتُ أُنصت لهمساتهم بينما أسير نحو قاعة الملك.
" شعرُ ذلك الطبيب غريب... يُقال إنّه من سلالة نبيلة، ولكن
لا أحد يعلم شيئاً عن عائلته. "
وقبل أن نصل إلى باب الغرفة الملكيّة، أوقفتنا
الملكة. الملكة الأولى، وسيّدة القطاع
الأكبر في المملكة.
" مرحباً بقدومك
أيّها الطبيب. جلالة الملك في انتظارك. "
تقدّمت الملكة وطرقت الباب، ثم دخلتُ بعدها. كان العديد من الأطباء يحيطون بسرير الملك.
" ابتعدوا جميعاً... هل جاءت الملكة والطبيب إليان؟ "
انصرف جميع الأطباء، بينما بقيتُ مع الملكة. تقدّمتُ نحو الملك لأرى حالته. كان وجهه مشوّهاً نتيجة نصولٍ حادّة، وإحدى
عينيه مفقودة.
ابتسمتُ في داخلي وأنا أرى براعة يوتا في
عمله.
سيوفه
حادّة كعادتها. ""
" ما رأيك أيّها الطبيب؟ هل سيعيش الملك؟ "
سألتني زوجة الملك بقلق.
قلتُ بهدوء:
"الأمور ليست واعدة، ولكنني سأحرص على فعل ما بوسعي. "
" شكراً لك أيّها
الطبيب. رغم أن زوجي الملك لم يكن عادلاً ولا حكيماً في قراراته، إلا أنني لا أريد
رؤيته يعاني هكذا. "
"لا تقلقي، جلالتك... سأفعل ما أستطيع "
انصرفت الملكة، وبقيتُ وحدي مع الملك.
" وأخيراً أيّها الملك...
قد حلَّ الهدوء في غرفتك من جديد. "
" رغم كل قوتك وحكمك العظيم، إلا أنك في النهاية مجرّد بيدقٍ
في يد الشر."
" لا تستحق الموت بهذه الطريقة الهادئة... لكنني لا أستطيع معارضة رغبة الملكة الحكيمة.
"
ستحكم الملكة
المملكة بكل عدلٍ وحكمة... وأنت...
ستموت الآن. "
"
" في تلك اللحظة انتفض أحد جنود الظل المختبئين في
غرفة الملك، وسدَّ الهواء عن رئتيه حتى خسر حياته. "
ارتفعت همساتُ شعب المملكة طيلة أسابيع عن موت
وزراء الملك السيئين بطرقٍ غامضة لا تفسير لها.
قالت الشائعات إن عصاباتٍ إجرامية كانت السبب في ذلك، بينما قالت شائعاتٌ
أخرى إن طريقة موتهم ليست سوى عقابٍ لهم بسبب جرائمهم الكبيرة.
بينما تلاشت الهمسات التي تحدّثت عن منظمة
الظل الخفيّة التي ظهرت في مهرجان القمر الأزرق منذ ستة شهور. وفي هذه الفترة، عاد العدل شيئاً فشيئاً إلى
المملكة تحت حكم الملكة، بينما حرصت على اختيار وزرائها بعدالةٍ وحكمة تخدم شعبها
أولاً.
وأنا... كنتُ طبيب القصر المؤقّت. " "
كان جنود الظل يحافظون على وتيرة أعمالهم.
وانتشرت أخبار ظهورهم في الظلال لدرجةٍ أثارت الرعب في قلوب الأشرار.
ذاع صيتهم في الممالك السبع جمعاء.
ولكن لسببٍ ما، كان قلبي يحترق طيلة الوقت. لم تكن الأعشاب الطبية كافية لتخفيف هذا الألم.
في إحدى الليالي، هبط يوتا على شرفة غرفتي
وطرق الباب.
كنتُ أنتظر رجوعه من مهمّته. أحنى ظهره بكل تواضع أمامي ثم قال:
"" مولاي، كل شيء يسير بسلاسة.
الشر يصبح أضعف مع مرور كل يوم، بينما يشعر المواطنون
بالأمان من جديد.
فتاة المخبز في حالةٍ جيّدة، وآلفريد يحرص على
تقديم المساعدة لها كلما سنحت له فرصة.
" عملٌ جيّد. "
ثم أضاف يوتا:
"ولكن مولاي... هناك شيءٌ غريب في الأرجاء. "
" الأمور ساكنة
لدرجةٍ تثير الشك. "
قلتُ بهدوء:
" يوتا... الحقيقة ستظهر مهما طال اختفاؤها. الأمور شارفت على النهاية "
يمكنك الانصراف الآن. " "
"بالطبع، مولاي. "
لم أستطع النوم حينها.
خرجتُ أسير في المدينة، لعلّ الهواء المنعش يريح
قلبي. لكنني لم ألقِ بالاً لوجهتي، حتى
وجدتُ نفسي أمام متجرها. كان مضاءً
وجميلاً كعادته.
كنتُ أتأمّل الكعكات التي أعدّتها منّة. لم أحظَ بفرصةٍ لتذوّقها في هدوء.
حينها خرجت من داخل المطبخ، بينما يملأ الطحين
وجنتيها. كانت ساحرة... حتى في تلك الهيئة
البسيطة. شعرها الذهبي الذي يغطي ظهرها كان أشدَّ جمالاً. بدت أجمل من المرّة الماضية؛ أكثر رقّةً
ولطفاً، وأكثر حكمة.
لم أحظَ بفرصةٍ لأتأمّل ملامحها منذ فترةٍ طويلة.
لكن نظراتي الثاقبة نحوها جعلتها تشعر بأن أحداً
يراقبها. اختبأتُ بسرعةٍ من نظرها، وعدتُ إلى القصر.
كنتُ
أسير عائداً نحو القصر حينما شعرتُ بها فجأة...
شعورُ التعطّش للدماء.... " "
رائحةٌ كريهة تنبعث من قلوب القتلة.... "
"
شعرتُ أن هناك شيئاً خاطئاً، وكأن هذا الإحساس
سوف يبتلعني.
لم أشأ أن أنظر ورائي لأرى من يقف خلف تلك
الرائحة. كانت الرائحة ترعبني... لم أشعر
بها من قبل. لم أشعر بشيءٍ بهذه الحدّة من
قبل.
كان الأمر أشبه بأنني أسقط في حفرةٍ مظلمة...
ولكن...
أخرجتُ نصلي الصغير، وانتفضتُ مبتعداً قليلاً
لأنظر ورائي وأقتل من يبعث تلك الرائحة.
...
لم أجد أحداً.
اختفت الرائحة كما ظهرت فجأة.
كان العرق يتصبّب من رأسي.
هل أنا خائف...؟ " "
أنا... خائف! " "
كان الأمر يرعبني... هذا الشعور بالخوف.
لم أشعر به من قبل... إلا حينما...، إلا حينما رأيتُ والديَّ يُقتلان أمام عيني.
لم أكن مطمئناً لتلك الرائحة. همستُ بصوتٍ خافتٍ صارم:
"غاما. "
"في خدمتك، مولاي. "
" هل أتى المزيد من الأشرار إلى العاصمة؟ "
"كلا، مولاي. "
"حسناً... يمكنكِ الانصراف. "
رفعتُ يدي إلى وجهي لأزيل آثار الشك من عيني،
بينما أسأل نفسي:
هل كنتُ أتخيّل...؟ " "
حينها سمعتُ مواء هرّة قادماً من أحد الأزقّة
المظلمة. دخلتُ الزقاق لأرى ما هناك، فتفاجأتُ بهرّةٍ صغيرةٍ جريحة.
لم أتردّد عندما وجدتها. حملتها معي إلى القصر لأعتني بها. طلبتُ من الجدّة أن تحرص على مداواة جروحها بها
جيداً.
ثم انقضت الليلة.
بعد أسبوعٍ...
"مولاي..."
"نعم، آلفريد. "
"إلى متى ستبقى تلهو مع القطّة؟ "
" وأين المشكلة في
ذلك يا آلفريد؟ "
و هل تزعجك قطة
صغيرة ؟ ""
حينها تراجع آلفريد وأحنى ظهره بهدوء.
"أعتذر، مولاي... لم أشأ أن أزعجك. "
"" لا
عليك يا آلفريد، كنتُ فقط أمازحك.
أنت محقّ في كلامك. سأحرص على أن أترك القطّة في أيدٍ
أمينة. ""
عندما حلَّ الليل، حملتُ القطّة وذهبتُ مسرعاً
نحو متجر الفتاة. كان مضاءً كعادته،
ساكناً في حركته... حتى ظهرت هي، فبعثرت
كلَّ ذلك الهدوء القاتم.
كانت أشدَّ سحراً مما أتذكّر. لم أعدها أن تكون جميلة إلى هذه الدرجة.
أردتُ أن أقترب منها لأتأمّل جمالها الساحر. أردتُ لو أعانقها بكلماتي، وأعتذر لها عمّا حدث. أردتُ لو أتأمّل عينيها لأضيع بين برودهما... تلك
الجواهر البرّاقة، وشفاهها الدافئة. غريبٌ
كيف يمكن للجمال أن يكون هكذا.
كنتُ غارقاً في أفكاري لدرجة أن عينيَّ لم تريا
ما أمامي،حتى قاطعني ذلك الصوت العذب.
"إليان... "
"أهذا أنت؟ "
تبّاً... كأنني أسمع صوتاً يهزّ روحي. صوتها حقيقيّ للغاية. " "
هل أنا أحلم... أم ماذا؟ " "
كنتُ أحدّث نفسي، حتى شعرتُ بيدٍ ناعمة تلمس أنفي
كنقرةٍ خفيفة.
حينها عدتُ إلى واقعي، ورأيتها أمامي. كانت مائلة الرأس، تنظر في عينيّ، بينما خصلات
شعرها تسقط شيئاً فشيئاً على وجهها.
"منّة... أهذا أنتِ؟ "
"ما... ما... ما... ماذا تفعلين هنا؟ "
"أأقصد... ماذا أفعل أنا هنا؟"
تردّدت كلماتي، وتشتّتت أفكاري. روحي تاهت حينما رأيتها. تحرّك جسدي لوحده، لضعفه أمام جمالها، وارتطم
رأسي برأسها. سقط كلانا إلى الخلف.
هي سقطت من أثر الارتطام... وأنا سقطت من شدّة جمالها.
"ما بك إليان؟ "
لماذا أنت متوتر إلى هذه الدرجة؟ " "
حينها و أنزلتُ رأسي إلى الأسفل. صمتُّ
" أعتذر منكِ يا منّة بسبب المرّة الماضية. لم
أقصد أن أرعبك بما حدث. كنتُ فقط أحاول حمايتك. أعتذر لأنني لم أراعِ مشاعرك.
"
حينما ضحكت منّة بخفّة، جعلت قلبي المنطفئ يشتعل
من جديد.
اتّسعت حدقتا عينيّ بسبب ضحكاتها، فنظرتُ إليها... فرأيتها تداعب القطّة التي كانت معي.
"وهل أحضرت القطّة لتعتذر لي؟ "
"تأخّرت كثيراً إليان... جعلتني أنتظرك فترةً طويلة "
ثم قالت بابتسامةٍ هادئة:
" ليس هناك داعٍ
للاعتذار. أعلم أنك كنت تحاول حمايتي. حينما طلبتُ المساعدة من الحرس الملكي...
طلبتها لأجل مساعدتك. "
ثم نظرت إلى القطّة مجدداً.
"إذاً أخبرني... هل هذه القطّة لي؟ "
ابتسمتُ بخفوت.
"نعم... هي لكِ "
"آمل أن تعجبك... "
شكراً لك... أحبّ القطط كثيراً، سأعتني بها جيداً.
"
"
حينها اقتربت مني كثيراً، ووضعت قبلةً على خدّي.
جعلتني تلك القبلة أتراخى عن حذري. اقتربت مني
إلى هذه الدرجة. كانت حرارة رأسي ترتفع بسبب قبلتها، وعيناي تلمعان بشدّة، بينما
أتحسّس بيدي مكان قبلتها.
كان خدّي دافئاً بفعل شفاهها.
قالت بصوتٍ خافت:
" انتظرتك كل يوم... حتى ظننتُ أنك نسيت أمري. كان قلبي يخفق بقوّة كل يوم لأجل أن ألقاك مرةً
ثانية. "
كنتُ أُصدم أكثر فأكثر مع كل كلمة تخرج من شفتيها
الدافئتين، ثم قالت بابتسامة:
هيا لندخل... " "
ألا تريد أن تتذوّق الكعكات الجديدة؟ "
"
سألتني بكل اهتمام.
"نعم، أريد... "
لكن في تلك اللحظة... عادت تلك الرائحة مجدداً. رائحة الدماء الكريهة. لكن هذه المرّة كانت أقوى... أقوى بكثير، لدرجة أن روحي بدأت تتخبّط بسببها. كان ظلُّ شخصٍ يظهر أمامي، بينما كانت منّة
تبتسم بكل براءة.
وما إن أدرتُ رأسي لأرى من يقف خلفي، حتى سمعتها
تقول.
"جدّي... لقد عدت أخيراً! أهلاً بك. "
ثم أشارت إليّ.
" هذا صديقي إليان. "
اقترب مني ذلك الرجل المخيف، بينما كانت كل حواسي
تنذرني بأنني يجب أن أقتل هذا الشخص في أقرب وقت.
قال بصوتٍ بارد:
"إليان... أأنت الطبيب إليان؟ طبيب القصر الجديد؟ "
كان صوته شيطانياً. كل شيءٍ في حضوره ينذر بالشؤم والدمار.
قلت بهدوء:
"نعم... أنا الطبيب إليان . "
" ماذا؟! "
تفاجأت منّة من كلام الرجل الذي زعمت أنه جدّها،
بينما أنا لم أنطق بأي كلمة. مدّ جدّها
يده ليصافحني، وعلى وجهه ابتسامة شيطانٍ في هيئة بشر.
لكن رائحة الدماء كانت ثقيلة للغاية... ثقيلة لدرجة أن جسدي تجمّد.
وفي تلك اللحظة تقدّم آلفريد من العدم
وقال:
"" هل أنت هنا يا ولدي؟
هيا بنا، لقد تأخر الوقت. ""
ثم انحنى قليلاً و قال .
"عذراً على الإزعاج. مساءكم طيب. "
افترقنا عن منّة... وعن منبع الشرّ ذاك. رأيتُ التردّد يملأ عينيها، لكن حرارة الموقف
وخطورته جعلتني أتراجع عن البقاء معها. انعطفنا
في أول طريق. لم أستطع أن أتماسك، فتقيّأت بشدّة بسبب رائحة الدماء.
"آلفريييييييد... "
"نعم مولاي، لقد شعرتُ برائحة الدماء. "
"هل هذا هو؟"
تنهد آلفريد قليلاً ثم قال:
""
اعذرني مولاي ... لم ينتبه له أيٌّ من جواسيسي.
لم تستطع أعين الغربان أن تقتفي أثره. ""
ثم أضاف بصوتٍ خافت:
" هو كالشبح... نطارده
منذ زمن، ولم نستطع إيجاد أي أثرٍ له. "
" أريد أن أعرف كل
شيء عن هذا الغريب. كل حركةٍ يقوم بها...
وكل كلمةٍ يقولها. احرص على مراقبة المتجر
في كل لحظة. وتلك الفتاة إن أصابها أيُّ مكروه، فسأمحو الممالك السبع من الوجود.
"
"أمرك يا مولاي."
قالها آلفريد وهو ينحني باحترام.
" سأطلب التعزيزات من القصر الرئيسي وسأحرص على أن يكون
الجميع في حالة استعداد. "
توقّفتُ لحظة، ثم قلت بصوتٍ أكثر صرامة:
اجعل يوتا المسؤول عن سلامة الفتاة. ""
" كما تأمر، مولاي. "
عدتُ
إلى القصر، ومشاعر الغضب تملأ قلبي. حلَّ
صباح اليوم التالي،