الشيطان الذي يعيش بداخلي(2) | رواية سوريسوس
الشيطان الذي يعيش بداخلي(2)
.........
وقفت ياسمين في مكانها مندهشة، و بينما اسقر جسدها في وضعية واحدة فلم يتحرك فقد كانت عيناها تتحرك في كل زوايا الغرفة إلى أن استقرت في النهاية نحو الفتاتان أمامها، نظرت إليهما بتمعن فكانتا متشابهتان في معظم التفاصيل، لكنها رغم ذلك تمكنت من التفرقة بينهما و معرفة الحقيقية من المزيفة، فقالت و قد أشارت بيدها نحو سارة ثم نحو الفتاة:- إذا كنت أنت سارة.. فهذه الفتاة التي معك يجب أن تكون سوريسوس.. الشيطان المبتسم.
ثم أطلقت ضحكة صغيرة ساخرة و قالت:
- هذا مخيب للآمال.. فأنا ظننت بأنك ستكون مخيفا.. لا متنكرا هكذا.. مثل فتاة صغيرة.
فقالت الفتاة بعد أن أظهرت ابتسامة مخيفة:
- أنا لا أستطيع الشعور بخوفك لكنني.. أشتم رائحة الموت و هي تنبعث منك بقوة. إن روحك المتعفنة بمثابة لحم طازج لأسناني و أنا سأحصل عليها.
قالت ذلك ثم قفزت من مكانها لمهاجمة ياسمين، انطلقت مسرعة و في عينيها نية واضحة للقتل و في تعابير وجهها شهية لا متناهية للموت، ثم.. رفعت يديها مستهدفة الرقبة، و قد تمددت أصابعها و أصبحت شبيهة بالمخالب الحادة، لكن في اللحظة التي اقتربت فيها من ضحيتها و لامست أصابعها جسدها حتى اشتعل فيها النار، فأطلقت صرخة ألم حادة تثير القشعريرة ثم تراجعت للخلف من حيث أتت. وقفت الفتاة في مكانها مصدومة، متألمة، غير مستوعبة لما حصل معها، و ما أن تلاشت النار التي أصابت نصف وجهها الأيسر و كلتا يديها حتى ظهر مكانها بعض تفاصيل جسدها الحقيقية، فبينما كان نصف وجهها الأيمن شبيها بوجه سارة فقد كان النصف الأيسر أسودا قاتما، بلا أنف، ذو عين حمراء بالكامل، و فم كبير يصل تقريبا لأذنها، و في أعلى رأسها نتوء صغير أشبه بقرن في بداية نموه، أما عن يديها فقد كانت أيضا سوداء قاتمة، و تحتوي على أربعة أصابع طويلة أشبه بالمخالب و قد كانت كلها متشابهة في الحجم و الشكل.
قالت الفتاة باستغراب:
- ماذا حدث للتو؟.. لماذا لم أستطع إيذائك؟
فرفعت ياسمين أكمام يديها لتظهر كتابات و أوشام غريبة على كلتا ذراعيها، ثم قالت بنبرة ساخرة مستفزة:
- هل ظننت فعلا أنني بهذا القدر من الغباء لآتي دون استعداد.. دون حماية.. و دون خطة أضمن بها سلامتي.
فقالت الفتاة و قد بدأ جسدها المحترق يعود تدريجيا ليكون شبيها بشكل سارة:
- يبدو أنني قللت من شأنك، لكن لا بأس.. إن لم أكن أنا قادرا على قتلك فسارة تستطيع فعل ذلك.
فصرخت سارة:
- أنا؟
قالت الفتاة و قد رمقت سارة بنظرة حازمة:
- إن لم تقتليها فهي بلا شك ستقتلك.. إنها حياتك مقابل حياتها فماذا ستختارين؟
قالت ياسمين و قد ظهرت ابتسامة طفيفة على وجهها:
- حقا؟.. هل تعتقدين بأن هذه الفتاة الساذجة الضعيفة قادرة على قتلي؟
فالتفتت سارة نحو ياسمين و قالت:
- هل هذا صحيح؟.. هل أحضرتني هنا حتى تقتليني؟
أجابت ياسمين بغير إهتمام، و بنبرة باردة تعكس حقيقتها البشعة.. و ربما أبشع من سوريسوس نفسه:
- لا شيء شخصي، فمثلما قال سوريسوس.. إنها حياتك مقابل حياتي، و أنا بالطبع لست مستعدة للموت.. ليس الآن و ليس في أي وقت قريب، لذلك سأفعل أي شيء لأنجو.
ثم انحنت للأسفل و لمست الأرضية المبتلة بكلتا يديها، و ما أن شرعت في التمتمة بصوت خفيض و بكلمات غريبة، بدأت الجدران تتشقق و بدأت الغرفة تهتز، و سرعان ما أمسكت سارة رأسها و هي تأن من شدة الألم.
قالت سارة، و كان ألم رأسها يزداد مع كل لحظة تمر:
- ماذا يحدث لي؟.. هذا الألم.. و كأنه يصنع حفرة داخل رأسي.
قالت الفتاة:
- لقد سبق و أخبرتك بأنها تريد قتلك، و في اللحظة التي تتدمر فيها هذه الغرفة ستكون حياتك قد انتهت.
فالتفتت سارة نحو ياسمين و هي تصرخ، في مزيج من الألم و الخوف:
- أرجوك توقفي.. لا تفعلي هذا بي.. لا تقتليني.. لا بد من وجود حل بديل..
لم تكن ياسمين تهتم بما تقوله سارة فقد استمرت في التمتمة، و استمرت في جعل الغرفة تهتز و الجدران تتشقق، و هو ما جعل سارة تنهار على الأرض من شدة الألم دون أن تكون قادرة على فعل أي شيء لإنقاذ نفسها.
قالت الفتاة بانفعال و قد اقتربت من سارة:
- ماذا تنتظرين؟.. عليك أن تقتليها قبل أن تقتلك
فرفعت سارة رأسها بصعوبة و قالت و قد أجهشت بالبكاء:
- أنا.. أنا لا أستطيع.. أنا لست قاتلة.
- لكنك ستموتين إن لم تفعلي شيئا، أنت.. لم يتبقى لك الكثير من الوقت.
- أنا آسفة.. أنا لا أستطيع فعلها.. أنا فقط.. لا أستطيع.
تراجعت الفتاة للخلف في غضب، و فيما كان التردد باديا بوضوح في تعابير وجهها كانت عيناها تنتقل بين سارة و ياسمين، ثم.. في لحظة حاسمة، لحظة ستقرر مصيرها و مصير سارة، تحولت لدخان أسود و دخلت لجسد سارة من خلال فمها و أذنيها.. كانت قد دمجت نفسها بجسدها حتى تتمكن من التحكم به.
وقفت سارة و قد تحولت عيناها لتصبح حمراء، و تحولت تعابير وجهها لتصبح باردة و مخيفة، و تحولت أصابعها لتصبح طويلة و حادة، و قبل أن تدرك ما يحدث معها سمعت الفتاة تتكلم داخل عقلها:
- هذا سيؤلمك كثيرا كما سيؤلمني أنا.. لكنني مجبورة على فعل هذا فأنت لم تتركي لي أي خيار.
دون أن تستطيع التحكم بجسدها ركضت سارة نحو ياسمين، و بحركة سريعة غرست أصابعها في صدرها، عندئذ صرخت ياسمين و تهاوى جسدها على الأرض شبه فاقدة للوعي، أما سارة فقد صرخت بدورها و قد أحست كمن أضرم النار بجسدها، لكنها رغم ذلك اقتربت من ياسمين، و رفعت يدها إستعدادا لتوجيه ضربة أخرى. فنظرت ياسمين نحوها مدهوشة، خائفة، و كأنها لم تتوقع أن تهاجمها بهذا الشكل المفاجئ، بل إنها لم تتوقع أن تهاجمها على الإطلاق، و في لحظة واحدة.. لحظة حاسمة.. أدركت بأن ما ستفعله تاليا سيقرر مصيرها، إما أن تبقى و تموت، و إما أن تهرب لتحارب في يوم آخر، و رغم أنها تعلم يقينا بأن هذه الفرصة لقتل سارة ربما لن تتكرر مجددا إلا أنها قررت بأن حياتها الآن أثمن من أي شيء آخر، فأغمضت عينيها و شابكت أصابعها متمتمة بكلمة واحدة، كلمة كررتها تباعا حتى اختفت من الغرفة:
- اكزيتيس.. اكزيتيس.. اكزيتيس..
كانت سارة تتنفس بصعوبة و تشعر بألم فظيع، و ما أن خرج الدخان من جسدها حتى انهارت على الأرض، مستلقية على ظهرها، متعبة، مشوشة الذهن إلى حد ما، و على بعد عدة خطوات منها، في أحد أركان الغرفة، تقوقع سوريسوس على نفسه، يعاني من جروح بليغة و آلام فظيعة، و قد تحول شكله من فتاة بشرية عادية ليعود لشكله الأصلي المخيف، فكان يبدو مثل عينين حمراوين مخيفتين تشعان وسط ظلام قاتم شرير.
قال سوريسوس بصوت مجهد:
- لقد فعلت هذا من أجلنا.. أنا و أنت..
قالت سارة:
- لقد أحسست بخوفها.. بألمها.. بأفكارها.. إنها فقط تريد أن تعيش.
- ماذا عنك أنت؟.. ألا تريدين أن تعيشي أيضا؟
- بلى.. لكن ليس هكذا.. أنا لا أريد قتل الآخرين.. أنا.. أنا لا أريد حمل ذنب موتهم على عاتقي.. ألا يكفيك ما فعلته بخالد و فرح.. أنت يجب أن تتوقف.
- ليس بيدي حيلة.. هذه طبيعتي.. أنا لا أستطيع تغييرها.
- لماذا؟.. أنت لست مجبرا على فعل هذا.
- ربما، لكنه الشيء الوحيد الذي يبقيني على قيد الحياة.
أحست سارة بشعور غريب، و كأن جسدها يتلاشى شيئا فشيئا، فاتكأت بيديها على الأرض و رفعت رأسها ببطء، عندها لاحظت بأن جسدها بدأ يختفي تدريجيا، فقالت و قد أصابها الفزع:
- ماذا يحدث لي؟
أجاب سوريسوس:
- لقد انتهت زيارتك هنا.. أنت على وشك العودة لعالمك.. لجسدك الحقيقي.
- ماذا عنك؟.. ماذا سيحدث لك؟
- سأبقى هنا لأتعافى، و في المرة القادمة التي سأقتل فيها سأتمكن من إستعادة كامل قوتي.
قالت سارة بإستغراب:
- المرة القادمة؟
قال سوريسوس و قد ابتسم رغم ما يعانيه من ألم:
- بما أنني تخلصت من ياسمين فأنا سأقتل مرارا و تكرارا، لن يوقفني أي شيء الآن.
فقالت سارة و قد تلاشى معظم جسدها:
- أنا سأوقفك.
فقال سوريسوس و قد أطلق ضحكة قصيرة ساخرة:
- أنت.. توقفينني أنا.. يا لسذاجتك، أنت لا يمكنك أن تفعلي أي شيء سوى أن تكوني ورقتي الرابحة.. سلاحي المثالي، أنت أيتها الفتاة الصغيرة.. خنفساء الموت الخاصة بي.
ما أن انتهى سوريسوس من كلامه حتى ظهر وميض قوي، ثم.. فتحت سارة عينيها لتجد أنها قد عادت للعالم الواقعي.. لمنزلها المعتاد.. لغرفة الجلوس حيث تعاونت مع ياسمين على تنفيذ مخططها الخبيث. كانت قد و قفت و نظرت حولها، و سرعان ما أدركت بأن ياسمين قد رحلت، فلا بد أنها قد هربت خوفا على حياتها، ثم نظرت إلى الأسفل حيث تقف فكانت الرسمة قد تشوهت و أصبحت مجرد خربشات لا معنى لها، لكن.. بجانب بقايا الرسمة، كانت هناك كلمات مكتوبة بالدقيق المسكوب:
( عندما يستيقظ أغمضي عينيك )
قرأت سارة هذه الكلمات فلم تفهم معناها، كانت فقط قد أدركت بأن ياسمين قد كتبتها قبل رحيلها، لكن ما الهدف منها؟، هل هي تحاول مساعدتها الآن؟، ألم تعد ترغب في قتلها؟. استمرت سارة بالنظر إلي الكتابة و قد تبادر إلى ذهنها كل هذه الأسئلة، و بعد لحظات معدودة ذهبت لإحظار المكنسة حتى تنظف الفوضى قبل عودة والديها، و بينما كانت تكنس الأرض توقفت فجأة و كأنها قد تذكرت أمرا ما، أو أنها أدركت شيئا مهما، فقالت و قد أرخت قبضتها عن المكنسة فسقطت:
- تلك الكلمات.. هل يعقل أنها تتحدث عن سوريسوس؟.