غموض الجبل القاسي (زينة وزفاف)
(زينة وزفاف)
.........
(زينة وزفاف) ﷽
ــــــــــــــ
ظلت أمينة جالسة على الكرسي خلف النافذة،
تراقب الطريق بعينين ذابلتين حتى غلبها النوم رغماً عنها وهي في وضعها ذلك.
عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل،
عاد جبل ودخل الشقة بهدوء.
وجدها غافية هناك، ومن الواضح أنها أرهقت نفسها في انتظاره.
اقترب منها ليوقظها كي تدخل تنام في سريرها،
لكنه تردد وأرجع يده.
نظر إليها طويلاً بملامح جامدة بدأت تلين، ثم انحنى وحملها بخفة بين ذراعيه ووضعها على السرير.
لم تشعر به أمينة، فقد كانت غارقة في نوم عميق بعد يوم شاق من الخوف والبكاء.
أبدل ثيابه وتمدد بجوارها، يناظر السقف ويؤنب ضميره:
جبل: "ليه غضبت للدرجة دي؟ أمينة مكنتش وحدها مع ملاح وأمي كانت معاهم، وهي عارفه حدودها زين، وملاح أخوي وأنا خابر أخلاقه.."
التفت إليها، وبحذر شديد وكأنه يسرق لحظة من الزمن،
اقترب منها وقبل شفتيها برقة لم تعهدها منه، ثم تراجع سريعاً قبل ان تشعر ونام والضيق لا يزال يعتصر قلبه.
ــــــــــــــــــــــــ
في صباح اليوم التالي..
استيقظت أمينة وهي تشعر بثقل في رأسها: "آه.. راسي.. إيه ده؟
نظرت جوارها وجدت جبل نائم.
قالت: جبل رجع ميتا؟ وأنا جيت هنا كيف؟"
قامت من سريرها واغتسلت،
ثم خرجت لتصلي الصبح.
وفي تلك الأثناء استيقظ جبل وخرج من الغرفه، فتوقف مكانه وهو يسمع همسها في السجود وهي تدعو لأختها "أميرة" بالرحمة والمغفرة.
ضغط جبل على قبضته بقوة عندما سمع اسم أميرة، وتسارعت أنفاسه،
فذكرى هذا الاسم لا تزال تثير فيه زوابع لا تهدأ. انتهت أمينة من صلاتها،
لكنها لم تعره اهتماماً بعينيها، بل قامت بطي سجادتها ببرود متعمد.
أمينة (بنبرة جافة): "صباح الخير."
جبل (بصوت أجش): "صباح الخير."
أمينة: "جهزتلك غيار في الحمام.."
لم تزد حرفاً واحداً،
ودخل جبل الحمام بصمت.
وبعد قليل، نزلا سوياً للأسفل دون أن يتبادلا كلمة واحدة. كانت أمينة تتعمد الصمت،
تريد أن تشعره بأن فعلته وصراخه بالأمس لم يمروا بسلام،
وأن جرح كرامتها هذه المرة كان غائراً.
ــــــــــ
على مائدة الإفطار،
كان الصمت سيد الموقف حتى قطعه صوت الحاج بكري الرزين وهو ينظر لجبل بحدة:
الحاج بكري: "كنت فين يا جبل؟
ورجعت ميتا الدار؟"
جبل (بهدوء): "كنت مع جابر في الغيط يا بوي، والوقت سرقنا ورجعت الساعة تنين."
الحاج بكري: "ماشي.. بس دي آخر مرة تتأخر بره البيت للوقت ديتي من غير سبب ، سامعني؟"
جبل: "حاضر يا بوي، "
صمت الحاج بكري قليلاً ثم تابع:
"النهاردة فرح ولد الحاج عبد الهادي،
وأنا تعبان ومشوارهم بعيد ومش هقدر أحضر..
شوف يا فاروق لو تاخد مرتك وتروحوا مكاني تسدوا عنا."
غمزت الحاجة صفاء لفاروق بعينها وهي تدرك تماماً ما تفعله،
وقالت بسرعة: "سمية مِفضياش النهاردة يا حاج، وراها خبيز وحاجات كتير."
الحاج بكري: "تفضي.. وعبير تقعد مكانها."
فاروق (مكملاً خطة أمه): "
والله ولا أنا يا بوي، وراي شغل كتير ولازم أخلصه."
هنا تدخلت هند بلهفة: "نروح أنا ودياب يا عمي،
إحنا فاضيين."
الحاجة صفاء (بسرعة): "أنتي له!"
دياب: "آخد عبير معاي.."
عبير (ببرود وعزة نفس): "مش طالعة في مكان ."
حسمت الحاجة صفاء الأمر وهي تنظر لجبل وأمينة: "يروح جبل وأمينة..
ه
جبل (باعتراض): "مش فاضي يا ماي، وراي شغل."
فاروق: "وراك إيه؟
تعالي بدري أو اقعد النهاردة وأنا هسد مكانك في الشغل."
الحاج بكري (بلهجة لا تقبل الجدال): "خلاص.. جبل ومرتو يروحوا.
جهزي واجب زين لأهل الفرح يا أم فاروق، وشرفونا هناك."
نظرت أمينة لطبقها بصمت،
بينما كان جبل يزفر بضيق مكتوم؛ فهو لا يزال "غاضب" منها ومن كلام هند،
لكنه لا يستطيع كسر كلمة والده.
أما هند، فكانت تأكل في نفسها من الغيظ لأن أمينة هي من ستذهب للفرح وتتزين وتمثل نساء الـ الملاح.بمجرد خروج الرجال لأعمالهم،
بدأت النساء في المطبخ بتجهيز "الضيافة الواجبة لزفاف ولد الحاج عبد الهادي،
وكانت أمينة تعمل بصمت مريب وعلامات الضيق واضحة على وجهها.
سمية: "خير يا أمينة؟ قالبة وشك ليه يا خيتي؟ دِي بدل ما تفرحي إنك خارجة!"
أمينة (بتنهيدة ثقيلة): "مكنتش عاوزه أطلع معاه يا سمية، ماليش نِفس."
سمية: "ليه بس؟ اطلعي يمكن ربنا يهدي النفوس وتتصافوا،
وبعدين إنتي بتحبي تطلعي من الدار؟"
أمينة: "أيوة، بس مش معاه وهو حامق كدة..
هيقعد يتأمر وينكد عليا الطلعة ويطلعها من عيني."
سمية: "افرجِيها بس يا منّة وإن شاء الله خير،"
في تلك اللحظة،
دخلت هند المطبخ وعلى وجهها ابتسامة صفراء وقالت بخبث:
هند: "اتغندري يا أمينة يا خيتي واتزوقي.. أديكي طالعة مشوار يطباه جبل يصالحك بس.
ده طبعاً بعد ما فرج عليكي الدار كلها العشية اللي فاتت!
لو كنت أنا ودياب اللي روحنا،
كان زمان الموضوع بقى لايق،
أصل أنا فرفوشة وبحب العزومات."
نظرت لها سمية بطرف عينها وقالت بقصف جبهة:
سمية: "بس أمي صفاء شايفة إنك مش لايقة للمشوار ده."
تغيرت ملامح هند وقالت بغيظ: "ومليقش ليه عاد؟ كوعة والّا كوعة(لديها عاها)؟
وبعدين هي عملت كدة بس مرضاة خاطر لعبير عشان متزعلش."
ضحكت سمية باستهزاء وقالت: "حتى دياب مِصدق وقال عبير! كان متلهف إنها ترضى عنه وتروح معاه،"
اشتعلت هند غضباً من كلام سمية الذي أصاب الهدف،
والتفتت لأمينة وهي تحاول كسر فرحتها بالخروج: " ابقي خدي بالك يا أمينه من (الواتس) بتاعك لا يطير رقبتك هناك!"
تذكرت أمينة هاتفها فجأة وسألت سمية بقلق:
أمينة: "صوح يا سمية.. والله ما عارفة تلفوني فين من وقت اللي حصل!"
سمية: "التلفون مع أمي صفاء،
شالته عندها.. ابقي خديه معاكي الفرح عشان تصوريلنا العروسة في مجلس الحريم، وتفرحي بالعده النوفي."
أمينة (بضيق): "والله ما عوزاه ولا عاوزه من وشه حاجة واصل، كرهني فيه قبل ما أهتنى بيه."
سمية بابتسامة تحذير:
"لميها يا أمينة ليلمك زي العشية! جبل ملوش في الدلع ده، اهدي."
في تلك الأثناء، أرسلت الحاجة صفاء "بكري" ولد فاروق الصغير لينادي أمينة.
**
خرجت لها أمينة في "البراندة" وقالت بهدوء:
أمينة: "نعم يا ماي.. ناديتي عليّ؟"
الحاجة صفاء: "أيوة يا بتي.. اسمعي زين، إن شاء الله هاديكي أمانة (نقطة) توصليها لأم العريس بيدك، وعاوزاكي ترفعي راسي وراس عمك بكري.. البسي دهباتك كلهم،
واتزوقي على حس جوزك،
خلي الناس تعرف إنك ست بيت (جبل) ومرته الغالية."
أمينة (بزعل مكتوم): "حاضر يا ماي.. اللي تشوفيه."
ربتت الحاجة صفاء على كتفها بحنان وقالت: "متزعليش منه يا منّة،
هو طبعه واعر بس قلبه أبيض، وبإذن الله هيراضيكي وتتصالحوا في المشوار ده،
بلاها نكد يا بتي.. وافردي الوش العابس ده."
أمينة: "إن شاء الله يا ماي.
____________
قبل العصر
عاد جبل إلى الدار،
صعد إلى الشقة ووجد أمينة تجهز الثياب، بادرها بجموده المعتاد:
جبل: "فين خلقاتي؟"
أمينة: "أهم.. جهزتهم لك."
نظر جبل للثياب بضيق وقال: "معاوزش دول.. اكوي غيرهم."
ثم تركها ودخل ليغتسل دون نقاش.
برطمت أمينة بضيق وحدثت نفسها: "والله معاوز يتكوي غير وشك يا بعيد!"
أخرجت ثوباً آخر وقامت بكيّه على مضض.
لبس جبل وظل ينتظرها في الخارج،
ومر الوقت وهو يزداد ضيقاً، فدخل عليها الغرفة فجأة:
جبل: "بتجهزي في كام ساعة عشان يبقى عندي علم؟"
أمينة: "يعني إيه؟"
جبل: "يعني بقالك ساعتين! اخلصي بتعملي إيه كل ديتي؟"
أمينة: "بلبس عادي.."
توقف جبل وشرارة الغضب لمعت في عينه: "عادي تاني؟!"
انتفضت أمينة بخوف وقالت بسرعة: "أقصد.. بلبس وقربت أخلص خلاص."
أنجزت أمينة حالها ولبست دهبها كله كما أوصتها حماتها، ووضعت بعض الزينة الخفيفة على وجهها لتظهر بطلة تليق بزوجة "الجبل"، وخرجت له حيث كان ينتظر بحرارة وقد نفد صبره.
أمينة: "يالا.. جهزت."
رفع جبل عينيه ونظر إليها نظرة فاحصة من فوق لتحت، ثم قال باستنكار: "إيه اللي عملاه في روحك ديتي؟"
أمينة: "عاملة إيه؟"
جبل: "عاملة كيف غوازي المولد والغجر!"
ردت أمينة بجرأة لم تكن تتوقعها من نفسها: "وأنت شفت غوازي المولد فين؟ بعدين عيب تقول على مرتك كدة!"
اقترب منها جبل بخطوات وئيدة ومرعبة: "أنتي اللي هتعلميني العيب؟
غوري غيري وامسحي اللي في وشك ده.. أنتي مش رايحة مع دكر بح!"
أمينة (بمحاولة أخيرة): "هامسح وشي.. بس اللبس ماله؟"
جبل: "مش عاجبني.. وأم الحزام اللي على نصك ده؟ أنتي كل خلقاتك كدة ؟"
أمينة: "طيب.. هاوسعه شوية."
جبل: "وسعي وامسحي وشك ويالا..
أنا بكره مشي الحريم عشان كدة!"
دخلت أمينة مسرعه ،
فكت حزام فستانها ليصبح واسعاً،
ومسحت وجهها قليلاً بقطنة لكنها أبقت على أثر بسيط، وخرجت له.
نظر جبل لوجهها وقال: "وشك زي ما هو.. إيه الأحمر ده؟" (يقصد وجنتيها).
أمينة (بكذبة بيضاء): "مكان ما مسحته.. شوية وهيروح."
نظر لفستانها وجده أصبح أوسع من قبل،
فزفر بضيق وقال: "يالا."
ـــــــــــــــ
نزلا للأسفل
وتبسمت الحاجة صفاء وعبير وهما تريان أمينة بطلتها الرزينة،
وقاموا بوضع "الضيافة" في السيارة،
بينما أعطت الحاجة صفاء الأمانة لأمينة لتسلمها لأم العريس،
ثم أخرجت هاتفها وأعطته لها قائلة:
الحاجة صفاء: "خدي يا بنتي، ملاح سابه معايا من العشية."
أخذت أمينة الهاتف وخرجت خلف جبل والضيق لا يزال يملأ قلبها.
ركب جبل في مقعد القيادة، أما أمينة فبتلقائية ودون أن تنتبه،
فتحت باب السيارة الخلفي لتجلس هناك كما فعلت في أول مرة ركبت معه.
التفت إليها جبل بنظرة نارية وقال بحدة: "أنتي يا بت! رايحة فين؟
السواق اللي جابهولك أبوكي إياك؟"
ارتبكت أمينة وقالت بسرعة: "نسيت.."
أغلقت الباب وركبت بجواره،
ثم انطلقت السيارة وشقوا طريقهما،
والصمت كان رفيقهم الوحيد، صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحرك.
أرادت أمينة أن تتسلى وتتجنب النظر لجبل لأن المشوار طويل، ففتحت هاتفها وظلت تتفحصه، ثم همست بصوت خافت جداً وهي تلمس الشاشة: "عدة كحيانة.." .
جبل وهو عينه على الطريق، ادعى أنه سمعها وقال بكذب: "سمعتك.