فإبتسمت لهما و تركتهما وحدهما ثم ذهبت لغرفتي و بقيت أتأملها و كأنني أراها للمرة الأولى .. اشاهدها و آلاف الافكار تعصف بذهني ، حينها نزعت قناع السعادة الذي كنت ارتديه حين كنت معهم .. فأنا أتألم لأن خالتي ستتركني و سأعاني مرارة الفقد مرة أخرى.. لا يكفي أن حكايتي مع قيصر كانت مجرد وهم و الان خالتي ستتركني مرة أخرى و أنا لا أقوى على فعل شيئ .. فمكانها الحقيقي معه .. يكفي أنها عانت الأمرين خسرت اختها و عانت من بُعد زوجها الذي تحبه و أنا لا اريد لها الألم بعد الآن .
فأنا أستطيع تحمل بُعدها فأنا خسرت والديَّ و تقبلت خسارتهما و أخيرا ، لذا سأتقبل بُعد خالتي عني .. حين تشتاق لي أو أشتاق لها سأكلمها عبر الهاتف فالتكنولوجيا قد قربت المسافات و قلصت الشوق .. لكنها لم تستطع ان تقرب قيصر و تقلص شوقي إليه.
كما أنني أستطيع تجاوزه هو أيضا.. أستطيع اقتلاع جذوره من عمق روحي و لن أبالي بنزيفها .. أن تنزف دفعة واحدة .. مرة واحدة .. خير من أن تنزف ببطئ .
لقد شعرت بشعور غريب بعد أن عرفت أجوبة الأسئلة التي كانت تؤرقني.. عرفت سر النظرة الباردة .. عرفت سبب بعده و قربه .. عرفت و لقد كنت محقة حين قلت انه هناك ماض أليم أحاط به .
عرفت و تمنيت بخيبة امرأة تُركت في البداية انني لو كنت أنا هي .. تمنيت لو كنت أول من أحبها.. الأولى التي ميزها .. تمنيت لو أنني التقيت به قبلها.
الاولى التي ابتسم لها ..
الأولى التي لعب معها ..
الأولى التي عاش طفولته المتأخرة معها ..
الأولى التي نبض قلبه لها ..
الأولى التي تألم منها ..
الأولى التي غار من أجلها ..
تمنيت لو كنت الأولى في كل شيئ معه .
تمنيت و تمنيت و تمنيت حتى شعرت أن قدميَّ لم تعد تستطيع حملي .. فجلست على طرف سريري و أنا مغيبة عن كل شيئ .. فكرة واحدة فقط كانت تدور في رأسي و هي كيف سأستطيع التحمل بعد معرفتي لكل الأجوبة؟
فتخيلت في غمرة فكرتي أنني مع قيصر هنا .. نشاهد من نافذتي نجوم شهر ديسمبر .. شهر لقاءنا.. نشاهد معًا نجوم السماء و أنا واضعة رأسي على كتفه .. و مع كل همسة .. و نفس .. و تنهيدة يقول " أحبكِ".. مع نظرة دفئ و حب تطل من عينيه التي ما تعودت منهما غير البرود .. انغمست في تخيلي و حلمي و أوهامي و حين افقت افقت على اللاشيئ يراقصني و يحيط بي .
يا ترى كيف سأشعر حين ينظر لي نظرة حب و شوق ؟
فإنتشلني صوت ضحكات خالي و خالتي في المطبخ و أنا أشعر فجأة بمزيج من الراحة و الدفئ و السعادة لهما .
فبعد كل شيئ حين شعرت أن لدي قلب ينبض , أصبحت أزن الأمور بعاطفية و بمنطقية مفرطة .. و هذا ما جعلني أدرك كم أنني تغيرت و كبرت و نضجت جعلني هذا اقارن نفسي بين ما كنت عليه و ما أصبحت عليه .. كيف كنت أنظر للأشياء بسطحية و الآن بت أراها عميقة مليئة بالتفاصيل .. عميقة للحد الذي جعلني أدرك كم أن كل شيئ تافه أمام خسارة كل ما نحب .
والديَّ .. العمل .. قلبي .
هل سأبكي أم أحتفظ بدموعي لوقت لاحق ؟ فحين خسرت والديَّ لم أبكي .. و حين طُردت من عملي الذي تعبت من أجله أيضا لم أبكي.. و حين ذهب قلبي إليه محلقا و عاد مبتور الجناحين أيضا لم أبكي.. فمتى سأبكي إذا؟
هل هناك مشكلة ما بي ؟ هل حقا كما قال قيصر أنني أبكي من الداخل؟ .
حينها وقفت و ذهبت لا اراديا إلى تلك المفكرة التي أهداها لي كهدية و بقيت أنظر للسطور التي كتبتها و أنا مليئة به و الآن آن الأوان لأفرغه .. افرغه على أوراقه و اتركه جانبا ، و هذا ما جعلني أدرك أن لدي هواية .. هواية اكتشفها قيصر. فالكتابة هي كل ما احتاجه .. فأنا أعلم أنني كتومة و لا أقول أي شيئ مهما كان جيدا أو سيئ .. فعلمت أنني اذا ما فضفضت لمذكرتي فسأشعر بتحسن ، عفوا بل حين اكتب اليه.
فرحت اكتب كل ما مر بي .. كتبت كل شيئ .. افرغت روحي و صببت قلبي صبا .. قلت كل ما كان يجب أن اقوله و لم اقله .. قلت لقيصر و للمفكرة كل شيئ.
شعرت كأنها تطبطب على كتفي و تخبرني أنها معي .
شعرت يعيني قيصر تواسيني للحظة .
فديسمبر احضر لي الحب على طبق من وهم و الآن سيرحل و معه فتات قلبي .
لم أشعر بالوقت و هو يمر الا حين نادتني خالتي للعشاء فنظرت لنافذتي و رأيت النجوم الباهتة تزين السماء .. فوجدتني لا اراديا اردد بقلة حيلة و بهمس " قيصر النجم " هل سأنساك؟ .
فأغلقت نافذتي و ذهبت لخالتي ثم جلست على المائدة و أنا أشعر بالراحة و كأن فضفضتي لمفكرتي العزيزة قد اراحني قليلا .. فرحت أتأمل خالتي و خالي و تلك الأجواء المألوفة المليئة بالمرح و الضحك .. انها العائلة التي اشتقت اليها . و كأن تلك الأجواء قد جعلتني التقط عدوى المرح و الضحك فوجدتني اضحك و أتحدث و كأنني لست أنا التي كانت منذ قرابة ساعة تتخبط في معاناتها.. وجدتني أضحك و أنا اقنع نفسي أن كل ما شعرت به تجاه قيصر هو إعجاب و انجذاب فقط لا غير وجدتي اكذب كل ما قاله جد الزمن الجميل بقلب مرتاح .. ففي غمرة ألمي وجدت ما اتعلق به لكي ينسيني معاناتي .. وجدت لوح النجاة و تمسكت به .
انجذاب .. اعجاب .. لهفة.
هذا ما اقنعت نفسي به و صدقته و كلي ارتياح عسى أن اتجاوز .. فتمنيت بكل جوارحي أن أنسى لأنه في الأخير ليس لي و لن يكون .
الا أنني ما علمت يوما أن الأمنيات تبقى أمنيات.. بعيدة عن التحقق.. قريبة من الخيال.
ثم انتشلتني فيروز و هي تغني بشجن اغنية ليالي الشمال الحزينة التي ذكرتني به في نهاية المطاف و بما اشعر به :
"آه يا حبيبي و بحبك ع طريق غياب"
"بمدى لا بيت يخبينا ولا باب"
"خوفي للباب يتسكر شي مرة بين. الأحباب"
"و تضل تبكيني الليالي الحزينة"
"ليالي الشمال الحزينة"
***
استيقظت على صوت المطر الذي يهطل و يلامس الأرض برفق , فنظرت للساعة فوجدتها التاسعة و ربع , فنهضت و أنا أشعر بدوار خفيف اعتدت عليه حين لا أنام و تبقى أفكاري حبيسة داخلي و لا تخرج .
ثم خرجت و أنا أعلم أنني أبدو مثل الزومبي , فسمعت صوت خالي الضاحك و هو يقول :
- ما هذا! هل كنتي في حرب يا توليب ؟
فإبتسمت بتعب و قلت له :
- نعم كنت أحارب في أحلامي . ثم قلت لنفسي" أحاربني و قيصر ".
فضحك ثم جاءت خالتي وهي تقول ضاحكة :
- لا يكف خالك عن المزاح هذه طبيعته . ثم تابعت :
- هيا تناولي افطارك بسرعة و جهزي نفسك لأننا سنخرج.
- الى أين ؟
- سنخرج للتسوق فأنتِ بحاجة للترفيه قليلا.
في البداية أردت أن أرفض لأن مزاجي لا يسمح لي بفعل أي شيئ سوى الجلوس و التفكير ، لكنني لا أريد أن أُخجل خالتي فضلا عن أننا لم نخرج سويا من مدة عوضا عن أنني أصبحت أحب المطر و احب المشي تحته .
- هياا توليب أخبريني هل ستخرجين معنا ؟
- نعم خالتي سأخرج معكما لكن الجو ممطر في الخارج هل سنجد المحلات مفتوحة.
- سنرى قد يتوقف فهيا اسرعي و جهزي نفسك .
فتناولت فطوري على عجل و ذهبت لأجهز نفسي , ثم نظرت للمرآة و رأيت شبحا لي .. لم أكن أعلم أن الحب يغير في ملامح الوجه .. يجعلها تارة نظرة مليئة بالحياة و تارة ذابلة مليئة بالحزن .. و الآن أنا أرى ملامح وجهي مليئة بالخيبة و الحزن و المؤلم في الأمر أنني لا أستطيع آن أظهر لخالتي شيئا .. فهذا التمثيل يقتلني !
ثم نظرت لرقبتي و تذكرت ذلك الوشاح الذي اخذته الرياح يوم لقائي بقيصر، فهو إرث جدتي رحمها الله و بسبب غبائي ضاع مني و الى الأبد .. لكن القدر جلب لي وشاحا يبعث الدفئ في الروح و ليس في الجسد فقط.. وشاح قيصر الذي اخفيته في عمق خزانتي و قلبي.
- توليب أين هو وشاحكِ !؟
فإنتفضت لأنني لم أشعر بوجودها , ثم أجبتها بتوتر لأنني لا اريدها أن تعلم انني ضيعته:
- ها ! الوشاح إنه في مكان ما هنا .
- لكن لماذا لم ترتديه فهو ذائما معك؟ .
- لكن اليوم لا أريد فمعطفي الصوفي يكفي.
فقاطعنا صوت خالي و هو ينادي و لقد حمدت الله على ذلك :
- هل انتما مستعدتان؟ فالمطر قد توقف تقريبا.
-نعم خالي هيا لنذهب .
فخرجنا معا وسط هدوء الشوارع , و الأمطار الخفيفة تلامس وجهي برفق ، لا أدري منذ متى لكنني أصبحت أحب صوت المطر و تلبد السماء بالغيوم لأنها تجعلني أحلم و اتخيل أنني معه الآن .. معا نتشابك الأيدي و ننظر لبعضنا بحب كما تنظر خالتي لخالي الآن فإبتسمت بألم لأن الشخص الذي سرق قلبي لن أعيش معه هذه اللحظة .
لماذا كل شيئ يذكرني به ؟ لماذا السماء و الغيوم تذكرني به ؟ لماذا السيارات و الأشخاص يذكروني به ؟ لماذا خالي و خالتي يذكروني به ؟ لماذا نظرات الحب و تشابك الأيدي تذكرني به ؟ لماذا كل ما يتعلق به و لا يتعلق به يذكرني بوجوده ؟ فرفعت رأسي و وجدت بأنني تخلفت عن خالي و خالتي و هذه هي عادتي أنني أتخلف حين اكون مع شخصين او اكثر, فدائما ما كنت افضل أن أكون في الخلف لكي ألاحظ كل شيئ و أيضا افكر .
فلحقت بهما سريعا و سرت بجانب خالتي و أنا أنظر للسماء الرمادية و هي ترسل خيوطها الرقيقة .. حينها انتشلني فجأة صوت عميق .. صوت أعرفه جيدا ممزوجا بصوت خالي و خالتي .. ماذا هل أنا أحلم ؟ لا لا انا لا أحلم انه هو قيصر .
لقد التقت طرقنا أخيرا يا قيصر!.
-توليب كيف حالكِ ؟
فاجئني سؤاله المباغت و بقيت أنظر له نظرة شوق و غرق عله يعرف ما يوجد في قلبي غير ابهة لا بكرامتي ولا بحقيقتي .. غير ابهة بالعواقب الناتجة عن ذلك غير ابهة لا بقلبي الذي سينكسر و لا بالفوضى التي ستعم روحي .
فاصطدمت في الاخير بنظرته الباردة و الخالية من اي تعبير ..فشعرت كأنه يحللني و يجزئني ثم يعيد تجميعي و ذلك بعينيه فقط .. لقد كسرني بنظرة واحدة.
لقد حللتني و جزئتني يا قيصر فلماذا لا ترفق بقلبي و تفهمه ؟
بالكاد استطعت اخراج الحروف من فمي:
- انا بخير و أنت كيف حالك ؟
- انا بخير.
قالها بإقتضاب و التفت يتحدث مع خالي كأنني غير موجودة و انا بقيت أنظر إليه بتوهان و هو يتحدث بهدوء , فلمحت نصف إبتسامة منه حين التفت لخالتي فشعرت كأن فراشات الدنيا اجمع اجتمعت فوق قلبي و جعلته ينبض بشدة .. و حين التقت عيناي بعيناه للمرة ثانية تأكدت من الحقيقة.. انه رجل لا يُنسى ابدا.
رجل جلبه شهر ديسمبر كيف يُنسى ؟ .
- إلى اللقاء يا توليب نلتقي غدا .
لم أشعر به الا و هو يودعني و يبتسم لخالي و خالتي .. ثم تهت أنا .
لقد توقفت و توقف الوقت و أنا أراه مبتعدا و ظله يختفي في وسط الطريق.. توقفت أنا و جسدي و قلبي .. قلبي الذي لم يستطع الحراك و بقي يتأمله و هو يغادر.
حتى كسرت خالتي توقفي و هي تسألني بتعجب:
- لماذا توقفتِ يا توليب ما الأمر ؟
فتمالكت نفسي و قلت بإبتسامة مصطنعة :
- لا شيئ يا خالتي لقد استغربت و أنا أرى طبيبي أمامي.
- هذا يفسر موقفك اذا .
حمدت لحظتها أن خالتي لا تستطيع قراءة الأعين جيدا فإبتسمت لها ولم اجب .
- ارأيت يا عزيزي كما أخبرتك عنه أليس رائعا ؟
- أنا أرى أنه عالج توليب و تأثيره عليها كبير فشتان ما بينها و ما بين توليب القديمة.
- توليب لقد أخبرنا أن نأتي معكِ في جلستك القادمة لأنه لديه ما يخبرنا به عن حالتك .
- نعم ستذهبان معي في كلتا الحالتين .
ثم التفت لخالتي و هو يتحدث عن كم أنه طبيب ماهر يجيد عمله و موهوب , و أنا كل ما استطعت فعله هو الابتسام أمام مديحهم عنه و كم وددت لحظتها أن اصرخ بهم و اقول لهم انه هو من غيرني.. هو فقط من جعلني هكذا لا دخل لمهنته ولا مهارته في الموضوع .
إن حضوره و وجوده هو ما اعطاني دواءً لروحي ..هو من عالجني بعبناه .. انه هو .. فقط هو .
لكنه الآن اصبح جرحا كلما لمسته آلمني حتى بات ملتهبا لا يوجد دواء له إلا به .
انا اريد العودة للمنزل و لغرفتي .. أنا أريد أن أبكي .. أريد أن أصرخ .. أريد أن اندب حظي .. أريد أن أتحدث و اخبرهم عنه .. أريد أن اشرح لهم معاناتي.. فأنا مليئة بما لم اقله يوما .. أريد أن افضفض و أن أجد من يفهمني .. أنا وحيدة مجددا بدونه أشعر بوحدة كبيرة .
و كم من أريد اردتها لكنني في الأخير أذهب للشيء الذي بدأت أحبه و هو الذي كان يطبطب على قلبي .. الكتابة .
في الأخير ابتلع كل ما مر بي و ما سيمر بي .. اكتمه داخلي و أخرجه في مذكرتي فهي الوحيدة التي أشعر أنها تفهمني .. اكتبني اليه لأشعر انه يسمعني .. يسمع كلماتي و تصله رسائلي .
الحياة قد تسقطنا و تجعلنا نتمنى الموت و لكن في الأخير لدينا خياران اما أن نبقى في القاع نندب حظنا او ننهض و نبحث عن انفسنا مجددا لنجد ما يساعدنا على المضي .
و أنا قررت النهوض و وجدت الكتابة ممسكة بيدي و تساعدني على المضي.. بل لنقل أنه هو من وجدني و أنقذني .
فبقيت اتنقل معهما بجسد حاضر و عقل مغيب و عيناه لا تغادرني ، بقيت أفكر فيه طيلة الساعتين اللتان استغرقناهما و نحن خارجا .
- يا الهي ! لقد تعبت اليوم لم اخرج هكذا من مدة .
- و أنا أيضا يا خالتي لذا أريد أن أنام قليلا فأنا متعبة .
- لكن الن تجربي الملابس التي اشتريتها ؟.
- سأجربها لاحقا حين استيقظ فالتعب قد تمكن مني .
فإبتسمت خالتي بحنان و قالت :
-حسنا لكِ هذا يا عزيزتي اذهبي ارتاحي قليلا.
***
لاطالما كان ذلك الشخص الغائب الحاضر .. الذي كان حضوره يحتويني في وحدتي و كان بروده يمزقني في وجوده .. يشتتني.. ينتشلني من وحدتي ليعيدني اليها بطريقة قاسية .
لطالما كان قيصر بكلماته يؤلمني و يجعلني أشعر أنني لا أحد.. مجرد مريضة .. مجرد شخص خارج الاطار .
مثل ما التقيته اليوم .. و كأن تلك اللحظات التي تقاسمناها كانت وهم من وحي توهاني العميق .
جعلني أشعر أنني هنا و لست هنا .. جعلني أشعر بنشوة الحب و ألمه.. جعلني أشعر بسعادة القدر و بسطوة اللقاء .. بسببه شعرت بتناقضات نفسي و روحي بسببه شعرت بما لم أشعر به من قبل .. شعرت بأنني خُذلت من الحب .. حب لم يبدأ بعد .. حب بدأ مني و انتهى به.
لطالما شعرت بالتشتت و الضياع .. شعرت بأنني لا انتمي لأي أحد .. انتمي لوحدتي فقط و لتلك المفكرة التي أصبحت صديقتي ابث فيها نفسي و اسكب فيها روحي دون خجل .. بت صديقة لرسائلي التي لا تقرا .
غلفتني الخيبة قبل أن يبدأ كل شيئ .. غلفني الخذلان و بعثر قلبي .. بسبب اعجاب بدأ من نظرة واحدة .
لاطالما قلت أنني لن اندم على لقاءه .. لا طالما رددت بأنه مهما بدر منه و مهما بعثرني و آلمني لم و لن اندم لأن الندم هو مقبرة الشعور .
لكني الآن اندم .. فما اندم عليه هو ذلك اللقاء.. استماعي لخالتي و الذهاب اليه بقدمي .. اندم لأنني أعطيت قلبي دون شروط .. اندم لأنني تعمقت .
اندم لأنه حين عصف بي الألم لم أجد سوى ذكريات اقتات عليها لأكمل يومي الطويل.
لكن لو عاد بي الزمن لهمت فيه لأنه يستحق.
رجل مثله يستحق أن يكون تجربة الحب الاولى .. برجولته و جاذبيته و أناقته و غموضه .. رجل غيابه عبث ووجوده أمل .. رجل أشعرني بلهفة الحب لأول مرة .. رجل اشعرني بغياب الحاضرين .. رجل ليس ككل الرجال .. رجل لا ينسى.
رجل جاء في شهر ديسمبر ماذا اتوقع منه ؟ غير أن يكون مقدس كقدوسية هذا الشهر بالنسبة لي.
فأنا اندم لقاءه و لا اندم حبه !
الا ترى تناقضي يا قيصر ؟ هذا التناقض ما زال داخلي و الى الآن.
الندم و اللاندم لوجودك في حياتي .
لطالما أخبرتني أمي رحمها الله أن اعطي قلبي لمن يستحقه .. و آخر ما تحدثنا به كان موضوع الحب , و كأنها كانت توصيني قبل أن تتركني .. أخبرتني أن احفظ قلبي و اصونه لأنه مميز مثلي و لأن تميزي لا يليق بأحد و لا يتقبله أحد و هذا ما لاحظته في كل من التقيتهم .. أن غرابتي لم يتقبلها أحد.. و تميزي عنهم جعلني دائما في الوراء.
لكن يا امي قلبي لم يستمع لوصيتك و ضرب بها عرض الحائط .
قلبي يا امي تركني و ذهب إليه و لم أستطع منعه.
انا لم اصنه يا أمي لأنه شعر بتميزه و ذهب ناحية مميز آخر.
انا لم احفظ وصيتك يا امي .. لكنه يستحق أن أفلت زمام قلبي أمامه.
لو عرفته يا امي لأحببته مثلي .
لكن لو لم تموتا لم أكن لألتقي به .. لم أكن لأذهب للحب مناجية له .. لم أكن لأسقط دون نهوض .. لم أكن لأشعر بالوحدة مرة أخرى و بطريقة امر و اشد .
يا لسخرية القدر !
فأنا كنت و سأبقى امرأة قدرية تقدس الصدف و أبدية العلاقات.
كنت و سأبقى تلك الوحيدة التي امسكت يوما لوحا و فجأة انقلب بها .