همسات ليليث (الخطر المشتد)
الخطر المشتد
.........
الهواء نفسه أصبح ثقيلاً…كأن المكان يختنق.
وقف آدم أمام ليليث، جسده متوتر، وقلبه يضرب صدره بعنف حتى ظن أنه سيُسمع في ذلك الفراغ الأسود.
ورغم الخوف الذي ينهش أعصابه… لم يتراجع خطوة واحدة.
خلفه كانت ليليث معلّقة بالسلاسل السوداء، أنفاسها متقطعة، وعيناها الضعيفتان مثبتتان عليه.
"آدم… اهرب…"
خرج صوتها مكسورًا، بالكاد يُسمع.
لكنه لم يلتفت.
كانت عيناه تبحثان فقط عن الشيء المختبئ داخل الظلام.
ثم…
بدأت الأرض تهتز.
ليس اهتزازًا عاديًا…
بل ارتجافًا يشبه نبض قلب عملاق نائم تحت هذا العالم.
تراجعت الظلال إلى الخلف… ثم عادت تتجمع في نقطة واحدة أمامه.
دوّامة سوداء أخذت تكبر… تكبر… حتى ابتلعت الضوء القليل الموجود.
ومن داخلها…
خرج هو.
في البداية ظهر كهيئة رجل طويل بشكل غير طبيعي، جسده مغطى بدخان أسود متحرك.
ثم بدأت ملامحه تتغير أمام عيني آدم.
وجه بلا جلد.
عينان غائرتان يتوهجان بلون رمادي باهت.
فم واسع أكثر مما يجب… مليء بأسنان طويلة غير متساوية.
لكن الأسوأ…
أنه كان يبتسم.
ابتسامة باردة… تعرف أنك ضعيف قبل أن تتحرك.
قال الكيان بصوت جعل المكان كله يرتجف:
"إذن… هذا هو الإنسان."
شعر آدم بقدميه تثقلان، وكأن الأرض تريد ابتلاعه.
حتى التنفس صار أصعب.
لكنه ضغط على نفسه وقال:
"سيبها."
اتسعت ابتسامة الكيان.
"تدخل عالمي… وتطلب أوامر؟"
رفع يده ببطء.
وفي نفس اللحظة…
اندفعت يد سوداء من الأرض، أمسكت بكاحل آدم بعنف.
سقط على ركبته، وصرخة خرجت منه رغمًا عنه.
نظر إلى ساقه…
اليد لم تكن يدًا حقيقية.
كانت مجموعة وجوه بشرية مذعورة ملتصقة ببعضها، تصرخ بصمت وهي تشده للأسفل.
ارتجف آدم بعنف وحاول التحرر.
ضحك الكيان.
"هؤلاء من ظنوا أنهم يستطيعون تحدّي الظلام قبلك."
صرخت ليليث:
"لا تلمسه!"
تحركت السلاسل حولها بقسوة، وشُد جسدها للخلف حتى تأوهت من الألم.
استدار آدم إليها لحظة…
وهذه اللحظة كانت كافية.
ظهر الكيان أمامه مباشرة.
قريب جدًا.
قريب لدرجة أن آدم شعر ببرودة موته.
"ضعيف…"
قالها الكيان وهو يضع إصبعه الطويل على صدر آدم.
"لكنك تحب."
ثم ضغط.
اندفعت قوة هائلة داخل جسد آدم، كأن آلاف الإبر اخترقت عظامه في لحظة واحدة.
صرخ وسقط على الأرض، يتلوى من الألم.
بدأ يسمع أصواتًا داخل رأسه.
أصوات تبكي… تصرخ… تتوسل.
صور غريبة ملأت عقله:
مدن محترقة.
وجوه مذعورة.
ظلال تلتهم أطفالًا.
سماء تمطر سوادًا.
ثم سمع صوت الكيان داخل رأسه:
"أنا الخوف الذي وُلد قبل أول نار."
"أنا الجوع الذي يعيش في القلوب."
"أنا ما يختبئ حين تنطفئ الأنوار."
فتح آدم عينيه بصعوبة.
كان الكيان ينظر إليه من أعلى.
"وأنت… لا شيء."
في الخلف…
كانت ليليث تبكي لأول مرة.
"كفى!"
صرختها مزقت السكون.
ارتجفت السلاسل حولها.
الضوء عاد لعينيها فجأة، أقوى من أي وقت مضى.
"اتركه!"
شدّت ذراعيها بكل قوتها.
السلاسل بدأت تتشقق.
الكيان التفت ببطء، وصوته امتلأ غضبًا:
"أنتِ تتحدينني؟"
صرخت ليليث مرة أخرى…
وانفجرت إحدى السلاسل.
اهتز العالم كله.
اندفعت موجة من الضوء الأسود من جسدها، ضربت الكيان وأجبرته على التراجع خطوة.
نظر إليها بدهشة حقيقية لأول مرة.
"مستحيل…"
همس بها.
استغل آدم اللحظة.
نهض مترنحًا، أنفاسه ممزقة، والدم يسيل من أنفه.
لكنه ركض.
ركض نحو ليليث.
مد يده إليها.
"امسكي!"
نظرت إليه، عيناها ممتلئتان ألمًا وخوفًا.
"آدم لا—"
لكنها أمسكت يده.
في اللحظة التي تلامست فيها أيديهما…
انفجر شيء داخل المكان.
ضوء هائل خرج من بينهما، ليس أبيض… ولا أسود.
شيء بين الاثنين.
شيء حي.
تراجع الكيان بعنف، وصرخة مرعبة خرجت منه لأول مرة.
بدأ جلده الدخاني يحترق.
"ما هذا؟!"
تشققت الأرض تحت أقدامهم.
الظلال صارت تهرب.
السلاسل تحولت إلى رماد.
ليليث سقطت بين ذراعي آدم.
أما هو…
فكان ينظر إلى يدهما الممسكتين ببعض.
علامة غريبة بدأت تظهر على معصمه.
دائرة سوداء بداخلها خط من نور.
رفع الكيان رأسه ببطء.
وعيناه لأول مرة…
امتلأتا بالخوف.
"لا…"
تراجع خطوة أخرى.
"هذا لا يمكن…"
ثم نظر مباشرة إلى آدم وقال:
"من أنت؟"
لكن آدم نفسه…
لم يعرف الإجابة.
لأن صوتًا آخر خرج من خلفه.
صوت قديم… أقدم من هذا العالم.
وقال كلمة واحدة:
"وجدته."
وانطفأ كل شيء.
نهاية الفصل السابع