غموض الجبل القاسي (فضيحة تحت سقف العِتمة)
(فضيحة تحت سقف العِتمة)
.........
احذرِ الشقوق.. فالأفاعي لا تدخلُ من الأبواب
(فضيحة تحت سقف العِتمة)
﷽
مرت الساعات ثقيلة في دار الملاح بعد خروج جبل. فجأة، رن هاتف عبير، نظرت للشاشة بتعجب وقالت: "إيه ده؟ ده جبل!"
الحاجة صفاء (بقلق): "طيب ردي قوام يا بنتي."
عبير (على الهاتف): "أيوه يا جبل.. إيه؟
أيوه دياب راح شغله.. ها؟
يكون راح فين طيب؟
كلمه والا اسأل ملاح."
أغلقت الخط ويدها ترتجف، فسألتها سمية بلهفة: "ماله جبل؟ فيه حاجة؟"
عبير: "معرفاش.. راح لدياب ملقاهوشي، وملاح قاله إنه نزله في الشغل وقال رايح مشوار.. وجبل بيقول تليفونه مقفول."
حاولت عبير الاتصال بزوجها مراراً، لكن النداء كان يأتيها دائماً بنفس النتيجة: "مغلق".
الحاجة صفاء (تهدئ الروع): "هيكون راح فين؟ جايز مصلحة للشغل.. إن شاء الله خير ."
نزلت أمينة من شقتها، ألقت الصباح بحياء على حماتها وسلفاتها.
الحاجة صفاء: "فطرتي يا أمينة ولا لسه يا بتي؟"
امينة: "ايوه يا مرت عمي.. كلت الحمد لله."
الحاجة صفاء (بضحكة): "مرت عمي؟ الله يسامحك يا بتي!"
سمية (تمازحها): "قوليها يا ماي.. قوليها كيف جوزك."
خجلت أمينة وأطرقت برأسها: "حاضر.. يا ماي."
ــــــــــــــــــــــ
عند المساء..
عاد فاروق وملاح، وكان الجميع في حالة ترقب وقلق، فلا أثر لدياب ولا خبر يقين من جبل.
الحاج بكري (بتساؤل): "خير يا فاروق؟ فين دياب وجبل؟"
فاروق: "راجعين وراي يا بوي.. هبابة ويوصلوا."
عبير (بلهفة): "دياب زين؟ قافل تليفونه ليه من الصبح؟"
ملاح (يحاول التغطية): "زين يا مرت أخوي.. الظاهر فصل شحن بس."
لم يمر وقت طويل حتى انفتح الباب ودخل جبل، ومن خلفه دياب. كان جبل يخطو خطوات واسعة، والغضب يشع من وجهه كالنار الكامنة. بمجرد دخوله، وقعت عيناه على "عبير"،
فنظر إليها نظرة طويلة، نظرة حزينة ومؤثرة، وكأنه يشفق على ما ينتظرها من وجع. خلفه كان دياب يسير ببرود مريب.
ألقيا السلام وجلسا، لكن ثقل الصمت كان يطبق على أنفاس الجميع.
الحاج بكري: "خير؟ فيه إيه مالكم؟ وأنت فين يا دياب من الصبح؟"
جبل (بصوت رخيم ومقطوع): "مفيش يا بوي.. ناكل وبعدين نتكلم."
شعرت عبير بقبضة في قلبها،
وكأن روحها تخبرها بأن ما حدث في هذا الغياب سيغير حياتها للأبد. قامت مع سمية وأمينة لتجهيز الطعام، والأطباق ترتجف في أيديهن من شدة التوتر.
انتهى العشاء الثقيل، وقامت أمينة لتؤدي واجبها. عندما وقف جبل ليغسل يديه، اقتربت منه بمنشفة ومدت يدها إليه بحذر. فجأة،
جذب جبل المنشفة بقوة غاشمة،
لدرجة أن أمينة كادت تصطدم بصدره العريض. وضعت يدها على قلبها الذي خفق بشدة من المفاجأة،
بينما اقترب جبل من أذنها وهمس بنبرة تهديد
جبل: "الظاهر إننا دخلنا برجلنا جُحر الأفاعي يا بنت الـ فارس!"
أمينة (برعب): "يعني إيه؟ جحر أفاعي إيه؟"
جبل (بعيون تشتعل ناراً): "لو ليكي يد في اللي حصل ده، ورحمة جدي لقلب حياتك جهنم!"
تركها جبل تتخبط في ذهولها وخرج متجهاً للمندرة، حيث اجتمع رجال العائلة.
ساد صمتٌ خانق، قطعه صوت دياب الذي كان يحاول إظهار القوة رغم ارتجاف صوته:
دياب: "يا بوي.. أنا كتبت كتابي النهاردة!"
وقع الخبر كالصاعقة على الحاج بكري والحريم الواقفات خلف الباب، لكن جبل وفاروق وملاح ظلوا صامتين، فالحقيقة عرفوها منذ ساعات..
ـــــ//////////////ــــــــ
{فلاش باك}
(وقت الظهيرة في العمل):
كان جبل يسير ذهاباً وإياباً، القلق يأكله على غياب دياب. فجأة، رن هاتف فاروق، وكان المتصل هو الشيخ عبد الرحيم المأذون.
فاروق (باستغراب): "الو.. عليكم السلام يا مولانا. خير؟
يعني إيه؟
له.. منعرفش حاجة واصل..
طيب بالله عليك ما تكلم أبوي دلوقت.. قولي العنوان فين؟"
أغلق فاروق الخط ووجهه لا يبشر بخير، فاقترب منه جبل : "فيه إيه يا خوي؟"
فاروق: "الشيخ عبد الرحيم بيقول إن دياب اتفق معاه على كتب كتابه النهاردة،
وقاله ميخبرش حد، بس الشيخ خاف من أبوي وقرر يبلغنا."
جبل (بذهول): "بتقول إيه؟! ميتا؟ ومين ديتي اللي ترضى بكتب كتاب في السر ومن غير أهله؟"
فاروق (بتفكير عميق): "الغريبة يا جبل.. إن العنوان في نفس بلد وشارع مرتك أمينة!"
تصلب جسد جبل،
"يعني إيه؟ مين ديتي؟
والا أقولك أنا رايح أشوف فيه إيه!
فاروق: "استنى.. أنا جاي معاك."
التفت جبل لملاح الصغير وقال بحزم: "ملاح.. انتبه للشغل،
وإياك حد في البيت يدري واصل!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وصل جبل وفاروق أمام منزل خال أمينة (والد هند) والسيارة كادت تشتعل من سرعة الطريق. اقتحم جبل الدار كالإعصار، ليجد دياب ووالد هند يجلسان بجوار المأذون، بينما تقف هند وأمها في الداخل وعيونهما تلمع بانتصارٍ مريب.
جبل (بزئير هز الجدران): "أوعاك يا شيخنا تتممها!
توقف المأذون ونظر إليهما بأسف وحيرة،
لكن أم هند الخبيثة لم تترك فرصة للصمت،
فأطلقت زغرودة مدوية شقت سكون المكان وقالت ببرود مستفز:
"تمت يا ولدي على خير.. بالرفاء والبنين يا دياب يا ولدي!"
فقد جبل أعصابه، واندفع نحو أخيه كالمجنون، وأمسكه من ياقة جلبابه بقوة كادت تخنقه:
جبل: "هتطلقها كيف ما جوزتها.. ودلوك (الآن) يا دياب!"
تدخل فاروق بسرعة وجذب يد جبل وهو يهمس له: "مش هنا يا خوي.. مش قدام الناس، الشارع هيتلم علينا!" ثم التفت لدياب وقال باحتقار:
"جاي تتجوز كيف الحرمة اللي عاملة عملة في السر؟ من غير أهلك ولا شور أبوك؟ هتبقى جوازة هباب علي دماغك إن شاء الله!"
في تلك اللحظة،
دخل الحاج حماد (والد أمينة) بعد أن أخبره أحد الجيران بما يدور في بيت صهره.
الحاج حماد: "سلام عليكم.. خير يا جماعة؟
بتعملوا إيه هنا؟"
أم هند (بمكر): "خير يا حاج.. كتب كتاب هند على دياب الملاح، معهلش نسينا ندعيكم،
الموضوع جه بسرعة!"
ذهل الحاج حماد مما سمع، بينما خرج جبل من الدار دون أن يلقي السلام من فرط غضبه،
وسلّم فاروق عليه بأسى ثم لحق بأخيه، تاركين دياب في مواجهة نظرات الحاج حماد النارية.
الحاج حماد (بعتاب شديد لأخي زوجته): "إيه اللي بيحصل ده؟
وكيف توافق على جوازة زي دي؟ وايه السرعة دي كلها؟ يا راجل أنت مش هتنشف شوية على أهل بيتك وتعرفهم الأصول؟"
هند (بتبجح): "ده بدل ما تقولي مبروك يا جوز عمتي؟"
الحاج حماد (بنفور): "بجحة.. وليكي عين تتكلمي! العتب مش عليكي، العتب على اللي سابلك الحبل."
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد المشهد المخزي في بيت هند، عاد دياب إلى مكان العمل ليجد جبل وفاروق في انتظاره، والشرر يتطاير من أعينهما، بينما كان ملاح يراقب من بعيد برعب، ولم يجرؤ حتى على السؤال.
بمجرد أن ترجل دياب من سيارته،
انقض عليه جبل كالأسد الجريح،
وجذبه من ياقة جلبابه بقوة خنقته:
جبل (بفحيح مرعب): "أنت كيف تعمل كدة؟! وتتجوز بالطريقة دي ليه؟ وايه اللي وصلك للبت ديتي ؟
رد قبل ما أخلص عليك!"
كان فاروق يجلس بعيداً، يشعر بصداع يكاد يفجر رأسه، لكنه قال ببرود يذبح: "مش هاحوش عنك خليه يقطع خبرك، تستاهل الموت عشان كسرت هيبة أبوك!"
دياب (بصوت يختنق تحت يد جبل): "يا خوي.. طيب بعد يدك.. هأتكلم!"
نفضه جبل عنه بقرف وكأنه ينفض غباراً عن يده، وقال: "أهه.. قول كل حاجة.. وكيف أهلها وافقوا عليك كدة من غير علم أبوي؟
وعرفتها منين وميتا؟"
دياب (وهو يلتقط أنفاسه):
"أهلها وافقوا عشان هيَّ وافقت.. وأبوها شكله راجل (دلدول) ملوش كلمة واصل،
الكلمة كلمة الحريم اهناك!"
سخر فاروق بمرارة، وهدأ وجهه قليلاً لكن عينيه كانت تلمع بالسخرية: أهه أديك قولت.. أبوها دلدول! يعني البت تعمل ما بدالها وملهاش كبير يلمها.. كيف تقبل على نفسك تاخد واحدة زي دي؟
وفين إخواتها يلموها؟"
دياب: "لا.. مانا عرفتها وسألت عليها بعدين.. ملهاش إخوات، هي وحيدة أبوها."
أشار فاروق بغمزة ساخرة لجبل: "يا زين ما اخترت يا دياب! خدت الكاملة المكملة..
واحدة طامحه وملهاش حد يشكمها!"
جبل (بنظرة استحقار):
"تبيع عبير بنت الأصول.. بنت عمك اللي صانتك وشالتك، عشان واحدة كيف دي؟ وبعدين بتقول عرفتها وسألت.. عرفتها ميتا عشان تتجوزها بالسرعه دي
في ساحة العمل، أكمل دياب اعترافه تحت نظرات جبل التي تذبح:
دياب: "عرفتها يوم ما وصلت سمية وامي لدار أمينة يتعرفو عليها و يودوا الشبكة.. كنت واقف بالعربية، جت خبطت على القزاز وقالت لي: 'أهلاً يا ولد الملاح، أنا بنت خال أمينة، خلوا بالكم منها، أمينة طيبة وكيف النسمة'.. واتعرفت عليها واتكلمنا شوية."
جبل (بغضب مكتوم): "واتكلمت معاها بصفتك إيه؟ وكيف بنت محترمة تقف تكلم راجل غريب قدام الخلق عادي كدة؟"
دياب: "يا خوي.. ما إحنا بقينا قرايب وفيه نسب، عادي!"
جبل (بصوت جهوري): "بنت خالها يعني مفيش نسب معاها واصل! ده لو أختها نفسها متبقاش عادي.. إذا كنت أنا، وهيَّ مرتي، مشفتهاش غير ليلة دخلتي أنت بتبرر إيه؟ كمل.. إيه تاني؟"
دياب (بارتباك): "بس.. خدت رقمي، قالت عشان تطمن على أمينة مني لما تتجوزها، عشان أمينة معهاش تليفون."
احتقن وجه جبل بالدم، وشعر برغبة في ضرب دياب، لكنه اكتفى بنظرة احتقار وقال: "غور من وشي.. معاوزش أعرف حاجة واصل،
مبروك عليك.. روح"
انصرف دياب وجلس بعيداً، فنظر فاروق لجبل وسأله بهمّ: "هنقول لأبوك إيه يا جبل؟"
جبل (بجمود): "ونقول ليه؟ صاحب الشيلة هو اللي يقول.. مش عمل فيها راجل وراح اتجوز في السر؟ يطلّع نفسه بقى!"
ـــــــــــ////////////ــــــــــــــ
العودة للحاضر (في المندرة):
انفجر الحاج بكري كالبركان، وضرب الأرض بعصاه حتى كادت تنكسر:
الحاج بكري: "أنت بتقول إيه يا دياب؟! كتب كتاب مين؟ ومين دي اللي اتجوزتها من ورايا؟ انجنيت إياك؟!"
فاروق. بنت خال امينه مرت جبل
هنا سمعت امينه ما قاله فاروق
نذلت الكلمات علي اذنها ك الصاعقه
في الداخل خلف الباب:
امينه: يعني ايه هند؟ طيب كيف؟
كان دياب يقف مطأطأ الرأس، بينما أكمل الحاج بكري بصراخ:
الحاج بكري: "تتجوز بنت خال مِرت أخوك.. وبالسر؟ وبدون شوري؟ أنت كدة بتكسرني قدام البلد كلها! بتقول للناس إن عيلة الملاح ملهومش كبير يلمهم!"
التفت الحاج بكري نحو جبل وقال بحدة: "أنت كنت عارف يا جبل؟"
جبل (بصدق): "عرفت النهاردة يا بوي.. ورحت لهناك عشان أوقفها بس لقيت المأذون خلص."
هنا تعالت أصوات النحيب من خلف الباب،
كانت عبير قد انهارت تماماً وسقطت على الأرض، وسمية وأمينة يحاولن إسنادها.
خمدت أصوات الصياح في المندرة، لكن النيران كانت لا تزال تشتعل في القلوب. تنفس الحاج بكري بعمق، وهو يبتلع مرارة ما فعله دياب؛
فالزواج تم، والتراجع عنه سيعني فضيحة تجلجل في أرجاء القرية. أرسل في طلب "عبير"،
التي دخلت والارتجاف ينهش جسدها، ودموعها تجري كأنها قطعٌ من روحها تُنتزع.
أجلسها الحاج بكري بجواره بحنان أبوي، وقال بصوتٍ هادئ مكسور:
الحاج بكري: "هنعملو إيه دلوك يا بتي؟"
عبير (بصوت مخنوق): "اللي تشوفه يا عمي.. الكلمة كلمتك."
الحاج بكري: "يعني تسمعي لعمك؟
عبير: "على رقبتي كلمتك يا عمي.
الحاج بكري: "أنا معاوزكيش تسيبي الدار واصل.. أنتي بتي، قبل ما تكوني مرت ولدي.
هنا انهارت عبير تماماً، وانفجرت في بكاءٍ مرير، فطبطب الحاج بكري على كتفها بقلبٍ مثقل.
مسحت دموعها وحاولت لملمة شتات نفسها وقالت بلهجة فيها قوة لم يعهدوها:
عبير: "زي ما تحب يا عمي.. مش هسيب الدار،
بس.. هسيب دياب!
ساد الصمت الغرفة، وسألها الحاج بكري باستغراب: "يعني إيه يا بتي؟
عبير: "يعني معاوزاش حاجة تجمعني بيه.. هسيبله شقته الله يهنيه بيها،
وهنزل أعيش هنا معاك أنت وأمي صفاء،
ماليش قعدة معاه تحت سقف واحد!"
هنا انتفض دياب، وشعر بوخزة ندم قليلة:
"أنتي بتقولي إيه يا عبير؟
الحاج بكري (بزئير أرعب دياب): اكتم! مسمعش حسك واصل.. لأقوم أدب العصاية ديتي في زورك أجيب أجلك! ايه لسه ليك عين تتكلم..
زي ما هيا عاوزة هيحصل،
وطول ما هيا معوزاش تشوف وشك،
إياك تقرب ناحيتها.. أنا اللي هقف لك!
في تلك اللحظة دخلت الحاجة صفاء،
وعيناها تطلق شرراً نحو دياب: "كده بقيت راجل باللي عملته؟
الله لا يسامحك يا دياب.. خربت بيتك بيدك! ثم أخذت عبير في حضنها وقالت: قومي يا بتي معايا."
انصرفت النساء،
فالتفت الحاج بكري لدياب وقال بلهجة منذرة:
الحاج بكري: "أوعاك تفكر إني عدتهالك..
أنا هسكت بس عشان شكلنا قدام الخلق،
لكن هنا هعرفك مقامك زين عشان تدوس عليا وعلى إخواتك الكبار. مفيش ولايم، ولا زفة،
ولا أي حس.. تجيبها (هس هس) وتدخل شقتك، والدار دي كأن مفيهاش فرح واصل!
دياب (بحيرة وخجل): "يا بوي.. بس دي بنت، وأهلها.."
جبل (بمقاطعة قاسية): "اللي قبلت بـ كل المرمطة دي وفي السر، هتقبل بـ أي حاجة يا دياب.. بلاش مسخرة وقلة قيمة، واحمد ربنا إنك لسه ليك مكان في الدار دي!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ