ألفا إبن الظل: اللحظات الأولى
اللحظات الأولى
.........
سمعت صوتًا
صاخبًا يصدح في المكان:
عاد السيد
إليان إلى قصره من جديد ! "
"
تجمّدت في
مكاني.
إليان…؟ "
"
" من إليان؟ "
" هل…
يقصدونني أنا؟ "
ماذا…؟! "
"
حينها فتح الرجل الأنيق باب العربة من أجلي.
عندما أخرجتُ رأسي إلى الخارج، لمحتُ طابورًا طويلًا من
الخادمات يقفن على جانب الممر الحجري. كنّ
يخفضن رؤوسهن ويتمسكن بأطراف أثوابهن باحترام. وعلى الجانب الآخر، كان الخدم يقفون بانضباطٍ
تام، يحنون رؤوسهم ويضعون أيديهم على صدورهم، كما لو أنهم يتلون قسمهم الأبدي
بخدمتي.
قال أحدهم بصوتٍ واضح:
"أهلًا بك من جديد، سيّد إليان. "
ثم تقدّم رجلٌ وقور وقال:
"
أنا ألفريد، رئيس الخدم في هذا القصر، والمرافق الشخصي لوالدتكِ السيدة أمارا. "
ثم تابع بصوتٍ هادئ:
"
السيدة أمارا هي صاحبة هذا القصر، ووالدك السيد أرسلان هو سيد هذا القطاع. "
تنهد قليلًا، ثم قال:
للأسف… رحل والداك، وبقيتَ وحدك. "
"
ثم انحنى قليلًا وأضاف:
لكن لا تقلق، نحن جميعًا جاهزون لخدمتك، وسنكون عند حسن ظنك.
" "
ثم مدّ يده نحو القصر وقال:
"
والآن... هيا بنا سيّد إليان لندخل إلى
قصرك. لقد كنا بإنتظارك لوقتٍ طويل. "
تبعتُ الرجل الأنيق، بينما ظلّ جميع الخدم ثابتين في أماكنهم، ثم
سألته:
لم تخبرني أمي عن هذا المكان من قبل... ""
لماذا جئتَ اليوم فقط إلى بيتنا؟ ""
أجاب ألفريد:
"
السيدة أمارا والسيد أرسلان تركا هذا القصر في عهدتي، تحسّبًا لمثل هذا اليوم.
"
ثم تابع بصوتٍ حزين:
" كانا يعلمان أن الشرّ لن يبقى ساكنًا إلى الأبد. "
أرادا أن يعيشا حياةً طبيعية، ظنًا منهما أن ذلك سيبعدك عن
الأذى. " "
ثم أطرق برأسه قليلًا وقال:
لكن الشرّ... كان أقوى
من طيبة قلوبهما. " "
توقّف قليلًا قبل أن يكمل:
كنتُ المسؤول عن حمايتك. ""
لكن في تلك الليلة، طلبت مني السيدة أمارا أن آخذ قسطًا من
الراحة"
وأزور عائلتي. "
ثم قال بصوتٍ مليء بالندم:
لم أكن أعلم أن قلّة مسؤوليتي ستكون سببًا في رحيلهما. " "
نظرتُ إلى السيد ألفريد. بدا وكأنه على وشك البكاء، لكن ملامحه الحادة
كانت تمنع دموعه من الظهور.
ثم تابع:
"
عدتُ مسرعًا إلى منزلكم بعدما وصلتني رسالة عبر غرابٍ تفيد باحتراقه... لكنني وصلت
متأخرًا. "
تنهد بعمق...
" لم أستطع إنقاذهما. "
ثم ابتعد بضع خطوات، وانحنى أمامي وقال:
أعتذر منك سيّد إليان... على ضعفي. "
"
ثم قال بجدية:
" يمكنك أن تقطع رقبتي إن كان ذلك سيُريح قلبك. "
اقتربتُ منه وربّتُ على كتفه ثم وقلت:
" لا عليك يا سيد ألفريد... "
ثم تابعت:
"لستَ أنت سبب رحيلهما. "
"بل أولئك الأشرار.
"
ثم سألته:
"لكن… من هم؟ "
أجاب:
"لا نعلم على وجه التحديد."
"لكن المعلومات تشير إلى أعداءٍ قدامى."
ثم قال بثقة:
" جواسيسنا في كل مكان. "
" ورجالنا مستعدون لتنفيذ كل أوامرك، سيّد إليان. "
ثم انحنى قليلًا وسأل:
" ماذا تقترح علينا أن نفعل؟ "
لم أكن أفهم الكثير مما قاله ألفريد. لكن الألم كان شديداً في قلبي. كانت صورة أمي
وهي تتعرض للضرب ما زالت عالقة في ذهني. دماؤها...
كانت تتناثر أمامي كأنها شلالٌ لا يتوقف.
قلت بصوتٍ هادئ:
" سيّد ألفريد... "
أجاب فوراً:
"نعم، مولاي "
قلت:
أريد... أن أنتقم من هؤلاء الأشرار. "
"
انحنى ألفريد مجددًا وقال:
"أمرك، مولاي. "
ثم أضاف:
"" سيكون الجميع ماثلاً أمامك.
ثم تابعت السير نحو الداخل.
في الداخل...
كان القصر مهيبًا للغاية.
أنوارٌ ساطعة في كل مكان، وثريّات ضخمة تتدلّى من الأسقف
كأغصان الشجر. لوحاتٌ فنية كبيرة، وأثاثٌ
مرصّع بالجواهر البرّاقة. كان كل شيءٍ
خلّابًا. الخدم في كل
مكان، ينظّفون ويرتّبون. وكلما مررتُ
بجانب أحدهم، خفض رأسه ووضع يده على صدره احترامًا. كان الأمر غريبًا... ورائعًا في الوقت نفسه. حتى اقتربت مني خادمةٌ
مسنّة تشبه جدّةً لطيفة، وقالت بلطف:
"" مولاي
اسمح لي أن أنظّف جسدك وأغيّر ملابسك. " "
نظرتُ نحو السيد ألفريد، فوجدته يبتسم.
فقلت:
حسنًا يا جدّة... " "
غادرتُ معها، ولوّحت بيدي نحو السيد ألفريد. فلوّح لي بدوره حتى غاب عن نظري.
في تلك اللحظة... تبدّلت
نظرات السيد ألفريد. وامتلأت بالحقد والشر.
ثم نادى بصوتٍ منخفض:
"كابا... "
في لحظةٍ خاطفة... ظهر
رجلٌ أمامه. قال ألفريد:
السيد إليان يريد الانتقام. أحضر كل من كان له علاقة بموت
السيد أرسلان
والسيدة أمارا.
أجاب كابا":
" أمرك، سيدي. "
ثم اختفى بسرعةٍ خاطفة.
بعد وقتٍ قصير... كنتُ
نظيفًا تمامًا.
اختفت الأوساخ عن جسدي، وارتديتُ ملابس أنيقة. وكان شعري
مرتبًا وناعمًا.
لكن... كان لونه أبيض.
سألتُ الجدّة التي كانت تسرّح شعري:
يا جدّة... " "
لماذا
شعري أبيض؟ ""
ابتسمت وقالت:
"مولاي إليان..."
شعرك الأبيض دليلٌ على سلالتك العريقة. " "
" إنها سلالة السيدة أمارا. "
قلت باستغراب:
"لكن أمي كان شعرها أسود. "
أجابت:
"
كانت تخفي لون شعرها الحقيقي كي تحمي طفلها. كما أنها أخفت لون شعرك. "
ثم قالت:
والآن بعد أن عدت إلى قصرك لم يعد هناك سبب لإخفاء هويتك.
" "
سألتها:
" يا جدّة..."
"
نعم، مولاي؟ "
"أين قناعي الأسود؟
"
"لا تقلق، مولاي.
"
"إنه في أيدٍ أمينة "
" الخدم يعملون على تنظيفه وتجديده. "
أجبتها بسرعة:
لا... "
"
"لا أريدهم أن يجدّدوه. "
"" أمي أعطتني هذا القناع.
" أريد أن يبقى كما هو. "
ابتسمت وقالت:
"كما تريد، مولاي. "
"
والآن.. العشاء أصبح جاهزًا، لابد أنك
جائع. "
" هيا بنا إلى الأسفل. "
كنتُ أنزل الدرج خطوةً خطوة. بينما كان الخدم ينظرون إليّ بدهشة.
قلت للجدة:
"
يا جدّة..."
" نعم، مولاي. "
قلت:
" الجميع ينظر إليكِ بغرابة. "
ضحكت بخفة وقالت:
"أعذرني يا مولاي على وقاحتي..."
ثم تابعت مبتسمة:
"لكنهم لا ينظرون إليّ. "
" إنهم ينظرون إليك أنت... "
قلت بدهشة:
" أنا؟! "
" هل أنا غريب؟ "
ابتسمت الجدة وقالت:
"كلا...
"
"إنهم فقط مندهشون... "
"
لأن سيد القصر عاد إلى مكانه من جديد. "
عندما هبطتُ عن
آخر درجة، كان الجميع صامتاً، خافضاً رؤوسهم إلى الأسفل احتراماً لي. لكنّ ذلك كان يزعجني... لم أكن أريدهم أن يهابوني.
اقترب السيد
ألفريد، وأشار بيده نحو طاولةٍ طويلة ممتدة لمسافة كبيرة، تعجّ بالطعام. جلستُ على الكرسي، وبدأت النادلات يسكبن لي
الطعام. وحين انتهين، وقفن على جانب
المائدة صامتات، ينتظرن أمرهنّ الثاني.
كان السيد
ألفريد يقف بثبات عند جهتي اليمنى.
قلتُ بهدوء:
سيد ألفريد...
""
اقترب مني وأخفض
رأسه ليسمع كلامي.
قلتُ له:
أخبرهم أن
يجلسوا جميعاً ويأكلوا معي… وأنت أيضاً. " "
فتح السيد
ألفريد عينيه بدهشة. لم يقل شيئاً.
رفع رأسه وتراجع خطوة إلى الخلف، ثم خاطب الجميع بصوت
واضح:
السيد إليان
يدعوكم جميعاً للطعام. ""
ساد صمتٌ غريب.
بدت الدهشة على وجوه الجميع، وكأنهم في
صدمة.
حينها نادى
السيد ألفريد مجدداً:
السيد
إليان يدعوكم الآن. " "
بسرعةٍ خاطفة،
جلس الجميع… بمن فيهم ألفريد. كانوا
ينظرون إليّ، ينتظرون أن أبدأ بالطعام.
وقفتُ على
الكرسي وقلتُ بصوتٍ عالٍ:
" لا أريد أن
أكون قاسياً عليكم. أريد أن أكون صديقكم. لا داعي لأن بالإرتباك أمامي... كونوا على طبيعتكم. "
ثم جلست.
قلتها بصوتي
الطفولي، بينما كان الجميع منبهراً بما قلته.
ضحك السيد
ألفريد قليلاً، ثم قال:
أمرك مولاي...
""
سنكون جميعاً أصدقاءك. " "
كان مشهد
الطعام شهياً للغاية. لم أنتظر أكثر، وبدأت
بتناوله. حينها بادر الجميع من بعدي.
علت الضحكات،
وارتفعت أصوات الأكواب والأطباق. كان الجميع سعيداً.
اقترب مني
السيد ألفريد وقال بصوتٍ منخفض:
الجميع سعيد
بعودتك، مولاي... " "
تمنيتُ لو عاد السيد والسيدة أيضاً… لكن القدر كان له
رأيٌ آخر. " "
في تلك اللحظة،
اقترب شخصٌ غامض من السيد ألفريد. أحنى
ظهره لي باحترام، ثم همس في أذن ألفريد قبل أن يختفي بين الحاضرين.
نظر إليّ
ألفريد وقال:
الجميع هنا،
مولاي. ""
نهضتُ عن
الطاولة وتبعتُ السيد ألفريد.
وقبل
أن نبتعد كثيراً، خرج جنودٌ غامضون من بين الظلال، كانوا يختبئون في أركان الردهة.