روايه اللعنة المدفونة (الفصل الخامس: خطوات على الحجر)
الفصل الخامس: خطوات على الحجر
.........
وقفت ليلى عند بداية صفّ البلاطات الحجرية، تحدّق في الرموز المحفورة عليها بينما يخيّم الصمت الثقيل في الممر. كانت الجدران حولها لا تزال تتوهج بضوء أزرق خافت، كأن الصخور نفسها تراقبها وتنتظر قرارها. أمامها امتد الطريق الضيق، تتوسطه البلاطات الخمس: عين، شجرة، مفتاح، دوّامة، قمر. كل بلاطة تبدو متشابهة في الحجم، لكنها مختلفة في الرمز… وكأن كل واحدة تحمل سرًا خاصًا بها.
خلفها كان الكهف هادئًا، لكن من أعماق الممر أمامها استمر ذلك الصوت الخافت؛ احتكاك بطيء يشبه انزلاق حجر ضخم أو حركة مخلوق ثقيل فوق الأرض. لم يكن الصوت قريبًا جدًا، لكنه لم يكن بعيدًا أيضًا. كان يتحرك… يقترب ببطء.
ابتلعت ليلى ريقها. لم يكن لديها وقت طويل للتفكير.
تذكّرت الرموز التي رأتُها على الباب الحجري: العين، المفتاح، الشجرة. ثلاثة رموز كانت جزءًا من الألغاز السابقة. هل يمكن أن يكون الترتيب مهمًا؟ هل يجب أن تختار أول رمز ظهر في رحلتها؟
نظرت إلى البلاطة الأولى: العين.
تنفّست ببطء.
ثم خطت عليها بحذر.
في اللحظة التي لامس فيها قدمها الحجر، صدر صوت خافت من الجدران، كأن الممر نفسه يستجيب. توهّجت النقوش للحظة ثم عادت إلى سكونها.
لم يحدث شيء سيئ.
أطلقت زفرة خفيفة من الارتياح.
لكن الصوت القادم من الظلام أمامها أصبح أوضح الآن. كأن المخلوق الذي يتحرك هناك شعر بحركتها.
تقدمت خطوة أخرى نحو البلاطة التالية.
الشجرة.
ترددت للحظة، ثم وضعت قدمها عليها.
مرة أخرى اهتزت الجدران قليلًا، لكن الأرض بقيت ثابتة.
الطريق لا يزال آمنًا.
لكن عند البلاطة الثالثة توقفت.
المفتاح.
حدّقت فيه طويلًا.
إذا كان ترتيب الرموز هو نفسه الذي ظهر على الباب… فالمفتاح يجب أن يكون صحيحًا.
لكن لماذا توجد رموز أخرى؟
الدوّامة؟
القمر؟
نظرت إلى الظلام أمامها.
الصوت أصبح أقرب.
احتكاك بطيء…
ثم صوت خفيف يشبه جرّ شيء ثقيل فوق الحجر.
شعرت بقشعريرة تمر في ظهرها.
لم يعد لديها خيار.
خطت على بلاطة المفتاح.
وفي تلك اللحظة، ارتفع صوت عميق من داخل الجدران، كأنه صدى بعيد لصوت قديم. توهجت النقوش بقوة أكبر من قبل، ثم خفت الضوء تدريجيًا.
لكن الأرض لم تنهَر.
تنفست ليلى بارتياح أكبر.
لم يبقَ سوى بلاطتين.
لكنها أدركت فجأة شيئًا مخيفًا.
الرموز الثلاثة الأولى كانت جزءًا من الباب…
لكن الباب كان يحوي ثلاثة رموز فقط.
أما هنا… فهناك رمزان إضافيان.
وهذا يعني أن أحدهما على الأقل… فخ.
وقبل أن تتمكن من التفكير أكثر، حدث شيء جعل الدم يتجمد في عروقها.
خرج من الظلام صوت جديد.
ليس احتكاكًا هذه المرة.
بل خطوة.
ثقيلة.
بطيئة.
ثم خطوة أخرى.
رفعت ليلى المصباح نحو الممر المظلم.
الضوء لم يصل بعيدًا، لكنه كشف شيئًا صغيرًا.
أثر خدش طويل على الأرض… كأن شيئًا ضخمًا يجر جسده أثناء الحركة.
ثم ظهر ظل للحظة.
طويل.
غير منتظم.
اختفى بسرعة، لكنه كان كافيًا ليجعل قلبها يخفق بجنون.
تراجعت خطوة دون قصد.
لكنها تذكرت فورًا أنها لا تستطيع التراجع.
البلاطات خلفها قد تكون فخًا إذا عادت عليها.
نظرت إلى البلاطتين الأخيرتين.
الدوّامة.
القمر.
أيّهما الصحيح؟
حاولت التفكير بسرعة.
الدوّامة… قد تعني الضياع أو الدوران.
القمر… يرمز إلى الليل… إلى الضوء في الظلام.
لكن ماذا يقصد صانعو هذا المكان؟
ثم تذكّرت شيئًا.
في الرسومات على الجدار قبل قليل… كان هناك أشخاص يقفون حول شجرة تحت ضوء شيء دائري في السماء.
القمر.
رفعت رأسها ببطء.
هل كان ذلك تلميحًا؟
الصوت في الظلام اقترب أكثر.
الآن كانت تسمع أنفاسًا ثقيلة.
خطت ليلى بسرعة على بلاطة القمر.
وفي اللحظة نفسها، اهتز الممر كله بعنف.
ارتفع صوت صرير حجري عميق.
ثم حدث شيء غير متوقع.
الأرض حول البلاطات الأخرى انهارت فجأة، وسقطت الصخور إلى الأسفل في حفرة مظلمة بلا قاع ظاهر.
لو كانت اختارت الدوّامة…
لسقطت الآن في ذلك الظلام.
تجمدت في مكانها للحظة، تنظر إلى الفراغ العميق حول الطريق الضيق الذي بقي ثابتًا تحت قدميها.
لكن قبل أن تتمكن من التقاط أنفاسها…
صدر الصوت من الظلام مرة أخرى.
هذه المرة كان قريبًا جدًا.
رفعت المصباح ببطء.
والضوء كشف أخيرًا جزءًا من المخلوق الذي كان يتحرك في الممر.
لم يكن إنسانًا.
كان طويلًا بشكل غير طبيعي، ينحني جسده للأمام وكأن عموده الفقري أطول من اللازم. جلده شاحب رمادي، وعيناه كبيرتان جدًا تلمعان في الظلام مثل عيون حيوان يعيش في الكهوف. أطرافه طويلة تنتهي بأصابع حادة تجرّ على الأرض.
تجمدت ليلى في مكانها.
المخلوق أيضًا توقف.
حدّق فيها بعينين واسعتين بلا تعبير.
ثم أطلق صوتًا منخفضًا يشبه الزفير العميق.
وفي اللحظة التالية…
ركض نحوها.
صرخت ليلى وتحركت بسرعة على البلاطة الأخيرة، بينما اهتز الممر مرة أخرى وبدأت الصخور تسقط خلفها. اندفع المخلوق نحو الطريق الضيق، لكن الأرض التي انهارت حول البلاطات جعلت حركته أصعب. استغلت تلك اللحظة وركضت إلى نهاية الممر.
كان هناك ممر آخر ضيق ينزل إلى الأسفل.
اندفعت داخله دون أن تنظر خلفها.
صوت المخلوق ظل يتردد خلفها في الظلام.
لكن بعد عدة ثوانٍ… توقف.
ساد الصمت.
توقفت ليلى أخيرًا، تلهث بشدة، ورفعت المصباح حولها.
وجدت نفسها في غرفة حجرية صغيرة.
لكن ما رأته في وسط الغرفة جعل قلبها يتوقف للحظة.
كانت هناك طاولة حجرية قديمة.
وفوقها…
كتاب جلدي مغبر.
اقتربت ببطء.
وعندما مسحت الغبار عن الغلاف، ظهر اسم محفور بوضوح.
اسم جدها.
فتحت ليلى عينيها بدهشة وخوف في آنٍ واحد.
هذا يعني شيئًا واحدًا.
جدها لم يصل إلى هنا فقط…
بل ترك شيئًا ينتظرها.
لكن قبل أن تتمكن من فتح الكتاب…
انطفأ المصباح مرة أخرى.
وفي الظلام، سمعت همسة ضعيفة قريبة من أذنها تقول:
"لقد تأخرتِ كثيرًا يا ليلى…"