روايه حين يبتسم الالم: مكالمه لم تكن عاديه
مكالمه لم تكن عاديه
.........
ظلّ سليم واقفًا أمام باب المستشفى، والهاتف في يده يهتزّ بخفّة.
كان اسم **ريم** يضيء على الشاشة، وكأنه يطالبه بأن يجيب.
لكن يده بقيت معلّقة في الهواء لحظةً طويلة، متردّدة، كأنّ بينه وبين الضغط على زر الإجابة مسافةً شاسعة من الخوف.
رنّ الهاتف مرة أخرى.
أغمض سليم عينيه لثوانٍ، ثم ضغط زر الإجابة أخيرًا.
جاءه صوت ريم من الطرف الآخر، دافئًا كعادته:
"سليم؟ لماذا تأخرت في الرد؟"
حاول أن يجعل صوته طبيعيًا، لكنه خرج متعبًا قليلًا:
"كنت… مشغولًا في الفحوصات."
سكتت لحظة، ثم قالت بقلقٍ واضح:
"هل أنت بخير؟ أشعر أن صوتك مختلف."
نظر سليم إلى الطريق أمامه.
كانت السيارات تمرّ، والناس يعبرون الشارع، والحياة تتحرك كأن شيئًا لم يحدث.
أما داخله… فكان ساكنًا كليلٍ طويل.
قال بهدوء متصنّع:
"أنا بخير… لا تقلقي."
لكن ريم لم تقتنع.
قالت بحزمٍ لطيف:
"سليم، أنا أعرفك جيدًا. أخبرني ماذا حدث."
تردّد.
لم يكن يعرف كيف يشرح…
ولا من أين يبدأ.
قال بعد صمتٍ قصير:
"الطبيب قال إنني بحاجة إلى بعض الفحوصات الأخرى."
لم يكن كذبًا كاملًا… لكنه لم يكن الحقيقة أيضًا.
تنهدت ريم قليلًا، ثم قالت:
"إذن سأراك اليوم. سنتحدث."
أراد أن يرفض، أن يهرب من هذا اللقاء…
لكنه لم يستطع.
قال بصوتٍ خافت:
"حسنًا."
أنهى المكالمة، وبقي واقفًا في مكانه.
رفع رأسه نحو السماء.
كانت زرقاء صافية، بلا غيوم.
فكّر للحظة كم يبدو العالم هادئًا…
بينما قلبه يضجّ بأسئلةٍ لا نهاية لها.
---
في المساء…
كان المقهى هادئًا.
جلس سليم على الطاولة القريبة من النافذة، يحدّق في الشارع.
كانت الأضواء تنعكس على الزجاج، بينما كان الناس يمرّون في الخارج، يضحكون ويتحدثون، غير مدركين أن أحدهم يجلس هنا وهو يشعر أن حياته كلها قد تغيّرت.
دخلت ريم المقهى بعد دقائق.
وقعت عيناها عليه فورًا.
لاحظت شحوب وجهه قبل أن تقترب.
جلست أمامه مباشرة، ثم قالت بقلق:
"سليم… ماذا حدث؟"
لم يجب فورًا.
كان ينظر إلى الطاولة، وكأنه يحاول أن يجمع كلماته المتناثرة.
مدّت ريم يدها فوق الطاولة، ولمست يده برفق.
"أنظر إليّ."
رفع عينيه ببطء.
كانت عيناها مليئتين بالقلق.
قالت بصوتٍ هادئ:
"أخبرني الحقيقة."
تنفس بعمق.
ثم قال أخيرًا:
"الطبيب… وجد ورمًا."
اتسعت عينا ريم قليلاً.
لكنها لم تتكلم.
واصل سليم بصوتٍ أثقل:
"قال إنه مرتبط بمرض…"
توقف لحظة.
ثم نطق الكلمة التي كانت تثقل صدره منذ الصباح:
"السرطان."
ساد الصمت بينهما.
لم تسمع ريم شيئًا بعد تلك الكلمة.
شعرت كأن العالم قد أصبح فجأة بعيدًا جدًا.
قالت بعد لحظات، بصوتٍ يكاد يكون همسًا:
"هل… أنت متأكد؟"
أومأ سليم ببطء.
لمعت الدموع في عينيها، لكنها حاولت أن تتمالك نفسها.
قالت بسرعة، وكأنها تقاوم الفكرة:
"لكن الطب تطوّر كثيرًا الآن… وهناك علاجات… أليس كذلك؟"
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، لكنها كانت حزينة.
"قال الطبيب الشيء نفسه."
أمسكت ريم يده بقوة أكبر.
وقالت بحزم:
"إذن سنواجه هذا."
نظر إليها متفاجئًا قليلًا.
تابعت وهي تنظر في عينيه مباشرة:
"لن تمرّ بهذا وحدك."
شعر سليم بشيءٍ دافئ يتحرك في صدره.
ربما كان الأمل…
أو ربما مجرد الراحة لأن أحدًا يشاركه هذا الخوف.
لكن رغم ذلك، بقي سؤال واحد يلاحقه.
سأل بصوتٍ منخفض:
"وإذا لم أشفَ؟"
هزّت ريم رأسها فورًا.
"لا تفكر في ذلك."
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، رغم الدموع في عينيها.
وقالت:
"أنت عنيد يا سليم… والمرض لا يعرف مع من تورّط."
ضحك سليم بخفوت لأول مرة منذ ساعات.
لكن داخل قلبه…
كانت المعركة قد بدأت بالفعل.
ولم يكن يعلم بعد كم ستكون طويلة.
---
وفي تلك الليلة…
عندما عاد سليم إلى غرفته، جلس على سريره في الظلام.
نظر إلى الصورة القديمة المعلّقة على الجدار.
الصورة التي التُقطت قبل عامين…
عندما كانت الحياة تبدو بسيطة وواضحة.
همس لنفسه بصوتٍ خافت:
"هل سأبقى هنا… لألتقط صورًا أخرى؟"
لم يجب أحد.
لكن في مكانٍ ما داخل قلبه…
كان هناك صوت صغير يقول:
**المعركة لم تبدأ بعد.**