نظرت للسماء من النافذة ، فإذا بالحياة تدب فيها بعد ليل طويل استحضر فيه الحكاية الوحيدة التي انتهت قبل أن تبدأ .. حكاية انتهت بي وحدي اصارع ذكرياني عنه .. حكاية عاشتها توليب وحدها و مازال أثرها لليوم.
لكن وحدتي بدونه كانت قاتلة .. بل قاتلة جدا .
لقد مر عامين و لم انسه و لو لحظة .. عامين كاملين و أنا اقنع فيها نفسي أنني لم أحبه و أنه كان تعلق فقط .. عامين و أنا أشتاق إليه و اذوب في غيابه .. عامين و أنا أبكي كلما رأيت شيئا يذكرني به .. حين أرى البحر الذي يشبهه في بروده.. حين أرى دقات الساعة تتحرك بلهفة و هي من كانت تتحرك ببطء ليكون الانتظار اشد و أحلى.. حين أرى قطرات المطر التي كانت بداية لحظة عبثية غيرت حياتي .. حياتي التي دخلها بحماس و غادرها بهدوء لا يشبه حضوره .
رأيته في الانتظار و الأيدي المتشابكة .. رأيته في العيون العاشقة و القلوب السعيدة .. رأيته و أنا افرغني في رسائل لا تصل .
رأيته مرة في اغنية ام كلثوم "اغدا القاك؟" مع كلمات محمود درويش :" اذا سأعيد ترتيب المساء بما يليق بخيبتي"
فيكون للخذلان طعم اخر .. مرٌ و لاذع .. و أنا ارتشف قهوة الإنتظار كل مساء .
رأيته في الذكريات العابرة البعيدة و هي تمر في قلبي كل ليلة بعد منتصف الليل .
انا رأيته و مازلت أراه في تفاصيل الاشياء الصغيرة ببساطتها و تعقيدها .
انا رأيته في الكل شيئ فأن لنسيان أن يأتي ؟.
فتذكرت الآن الصديق المشترك بينننا و آخر لقاء لي معه، يوم ذهبت للجد جمال بعد ذهاب خالتي و أنا أبكي بدون ان اقول اي شيئا .. فبقي هو يهدئني و يريد أن يعرف ماذا بي , فأخبرته حينها عن حياتي و عن الذي غير حياتي و غادرها.. اخبرته عن كل شيئ مر بي .
فمارس الصمت بمهارة رجل حكيم و اكتفى بنظرة حانية حزينة و لم ينبس بكلمة. حينها لملمت شتات نفسي و روحي و غادرت المكان بقلب اعلم انه لن يعود كما كان.. فأن للورد أن يزدهر بعد أن يذبل ؟
مثلما دخلت المحل بقوة و يأس .. خرجت منه هادئة و حزينة و مليئة بالدموع..مثل الضيف الذي يأتي مرة واحدة لكنها تكفي لتملئ غياب الحاضرين.
ذهبت مرة للبحر الذي شهد حبي و قلة حيلتي , ثم عدت إليه مرة اخرى ليشهد هدوئي و انهياري .. لقد شهد فصول قلبي التي تفتحت اجوائه تارة و ذبلت تارة و اختفت تارة اخرى.
أخبرت البحر أن اسمي لطالما كان مقترن بالجمال و رقي الحب و أسماه صدقا، إلا انه و رغم جماله فهو يحمل قصة حب غير مكتملة و مأساوية ، اسم اقترن بالفقد و الرحيل. فأن للسعادة أن تكون من نصيبه؟
اخبرته أنني المفهومة لنفسي و الغير مفهومة للآخرين .. لطالما لم يفهمني احد او يتفهم حاجتي لأن أُفهم , فمضيت في طريقي آملة أن أجد من يفهمني .. إلا ان الشخص الوحيد الذي فهمني .. خذلني.
فماذا اقول له اكثر من هذا ؟ لا شيئ .
مضيت مع نفسي اللامفهومة و انزويت في ركنٍ بعيد عن كل شيئ لعامين .. في عزلة و وحدة و بعيدة كل البعد عن العلاقات و الأشخاص .
حتى خالتي أصبحنا نتحدث في فترات متباعدة و قل التواصل بيننا بسبب تغير الأوقات و الانشغالات ، انشغالها هي اما أنا فلست افعل أي شيئ سوى التجول او مشاهدة التلفاز و سماع الأغاني القديمة و قراءة الروايات الرومانسية و تخيل أننا الأبطال الذين ستجمعهم نهاية سعيدة يوما.. و حين يشتد بي الشوق اكتب اليه بكلمات مبعثرة كروحي .
لكنني لا طالما فضلت البقاء في المنزل مع ذكرياتي عنه .. أنعيه عله يسمعني و يأتي.
أما جد الزمن الجميل لم اذهب إليه منذ ذلك اليوم ،فقد قطعت علاقتي معه بدون سبب .. أتمنى أن يسامحني.
الشيئ الوحيد الذي أصبح عادة لدي و قد ساعدني في خلق شعاع امل صغير في أن القاه قدرا و صدفة , هي الخروج في الأيام الممطرة مرتدية وشاحه و حاملة قلبي بين يدي عله يسمع نبضه و يتعرف عليه .. متعمدة المشي في نفس الطرق التي التقيته فيها قبلا .. مليئة بحب لم تحققه الأيام .
و بالأخص في شهر ديسمبر.
اذكر العام الماضي أنني كنت كل يوم في شهر ديسمبر اخرج للمشي تحت المطر بدون مظلة .. أبتل و أعود للمنزل.. تارة امرض و تارة لا .
اليوم هو الأول من شهر ديسمبر .. شهر لقائنا و وداعنا .
اليوم هي ذكرى موتي و حياتي.
ذكرى الفقد و الحضور .
ذكرى وفاة والديَّ و لقائي بقيصر.
نظرت للنافذة و رأيت قطرات رقيقة ترتطم بها ، فإبتسمت بسخرية كم أن الحياة مضحكة لتعيد نفس القدر .. و حتى و أن اعادته، هل ستعيد لحظة لقائي به و تطفئ نيران قلبي ؟
و ككل عادة سأخرج اليوم بأمل مخفي و بقلب مزال مشتاق و لم ينسى.
فنهضت و أنا أرى الهالات السوداء تحيط بعيني.. و ما الغريب في الأمر؟ ، فقد اعتدت على نفسي منذ ذلك اليوم .. فأصبحت قليلة النوم كثيرة التفكير و البكاء و مشتاقة كثيرا.
ثم ذهبت للمرآة و أنا أرى شحوب وجهي و اصفراره , فغسلته و لم احمل عناء وضع مساحيق التجميل .. فمن يهتم بإمرأة روحها غادرتها منذ زمن ؟.. امرأة معطوبة لا تصلح للحب و لا لبداياته المربكة .. امرأة روحها مبعثرة وقلبها فوضوي امرأة جسدها جثة متحركة تأخذ الأوامر فقط لتعيش .. من سيهتم بامرأة زارها الفقد ثلاث مرات؟
انا عن نفسي لا أهتم.. فمن غيري سيهتم ؟ لا أحد.
وضعت وشاحه على عنقي و الذي اختفت منه رائحته , لكن ذكرى ذلك اليوم مازالت حاضرة و بقوة .. وضعته و لففت به رأسي المجعد لكي لا يبتل , و ارتديت معطفي الطويل الذي يشبه لون وشاحه , و معه سروالي الأسود الطويل و حقيبتي التي وضعت فيها مفكرتي التي اصبحت لا تفارقني, ثم حملت مظلتي و خرجت و أنا اُقفل الباب بالمفتاح .
ذهبت لأزور والديَّ ككل مرة .. ذهبت و أخبرتهما عما فعل غيابهما بي مرة أخرى و أن يطمئنا على ابنتهما الوحيدة.
ثم وجدتني أقف أمام متجر جد الزمن الجميل و الذي التقيت فيه ما جعلني اتمنى ان يتوقف الزمن و أنا معه .. المتجر الذي عرفت فيه قصة خذلان من قلب أحب بصدق .
فترددت ككل مرة و أنا اتساءل أأذهب ام ابقى؟ هل ادخل لأفتح جراح قلبي التي لم تندمل؟ ام ابقى هنا وسط الطريق لا أتقدم و لا أعود ؟ هل أذهب لأطمئن على ذلك الجد الذي قاطعته بدون سبب و أنا أعلم أنه لن يغفر لي انقطاعي الطويل؟.
ففي كل مرة أخرج فيها اتوقف هنا و أنا أنظر و انتظر لا أدري ماذا انتظر بالتحديد؟ لكني اكتفي بالمشاهدة و الانتظار و التردد ، ثم و في آخر المطاف اهز رأسي باستسلام و امضي في طريقي منكسة الرأس متألمة القلب , كنت هكذا لمدة عامين انتظر و اتردد فقط.. اتردد في الدخول و انتظره عله يأتي .
بقيت اراقبه من بعيد ككل مرة ،ثم عزمت قراري فجأة و ذهبت ناحيته، فليعاتبني او يغضب مني ، لا أبالي فأنا اشتقت ليد حانية تربت على قلبي.. و لا اخفي أنه هناك آمل صغير في أن التقي به اليوم .
دخلت و لا شيئ كان قد تغير .. المتجر .. رائحة الحنين مع الابتسامة الحنونة، وجدته كما عرفته بنظرته التي تشعرني أنه يرى ما بداخلي بدون أن أتحدث ,فلمحت حزنا في ملامحه و لا أدري اهو بسبب شحوب وجهي؟ ام لأنني انقطعت عنه طويلا؟ فأنا أعلم أنني تغيرت, فوجهي ازداد نحولا و عيني أصبحت بهما ستائر سوداء .. لذا نظرته لخصت لقاءنا, ثم بادر بصوت منخفض :
- كيف حالكِ يا مطر ؟
- الا زلت تتذكر هذا الاسم ؟
- كيف أنسى اسم صديقتي التي تشبه رقة الأمطار .
فأنزلت رأسي بحزن و تأنيب الضمير بدأ يأكل قلبي ، فهو لم ينسني برغم أنني أنا من انقطعت عنه و بقي يتذكرني بنفس الابتسامة و بنفس النظرة الحنونة ، و بنفس الاسم القديم . ثم قلت بهمس حزين :
- ألم تكرهني و تغضب مني ؟
- بل قلقت عليكِ فلا الغضب و لا الكره كان لكِ منهم نصيب ،لقد خفت اذا ما كان حدث لكِ مكروه , فآخر لقاء لنا يبين سبب قلقي فقد كنت منهارة لدرجة أنني تفاجئت .
- لك كل الحق أن تتفاجئ فأنت لم ترني من قبل هكذا , أنا آسفة أنني اقلقتك يا جدي.
- اتعلمين كيف رأيتك ذلك اليوم؟ لقد كنت تشبهين مطر الخريف الذي يهطل بغزارة بعد جفاف طويل .. انت كنتِ مثل شخص كتم مشاعره مدة طويلة و في الأخير جاء الدافع الذي جعلكِ تفرغين داخلك للخارج. لذا أنا أردت الاطمئنان على حالكِ فقط بدون عتاب او غضب . لكن اخبريني يا مطر كيف حالك؟
فإبتسمت له بحزن و شعرت أن قلبي تنفس قليلا لأن حملا خفيفا قد زال عنه ، لكن حملي الثقيل من الذي سيزيله عني؟ فأجبته بصوت متألم :
- نعم أنا بأحسن الأحوال الا ترى؟.
فقال بصوت منخفض و بألم حاول اخفاءه :
- انا أرى مجرد رمادٍ لشخص احترق ألما ، ماذا حل بكِ يا مطر؟ انتِ لم تكوني هكذا؟ ا فراق خالتكِ و والديكِ أثر عليكِ لهذه الدرجة؟.
نظرت له و شعرت بتضارب في مشاعري لكني قلت كلمة واحدة صادقة بقي صداها يتردد داخلي :
- هو .
- قيصر؟!
- نعم هو .
- ا اشتقت اليه؟
- اشتقت إليه حد الذوبان و الموت.
- امازلتِ تحبينه ؟
- نعم و لم يغادرني قط.
- بعد كل هذه المدة الطويلة؟
- دائما.
- ألم تنسيه للحظة؟
-رجل مثله لا يغادر القلب أبدا يا جدي .
سكت قليلا و هو يفكر و صدى كلماتي تدور داخله ثم قال بإبتسامة ليخفف عني :
- اتعلمين أن الحب الحقيقي هو حب نادر جدا و لا يُنسى؟
- نعم اعلم و أعلم أيضا أنني سأتقدم في العمر عاما بعد عام و لن أنسى.. و قد اتزوج يوما ، و في لحظة فاصلة بين الحياتين سأتذكره بنفس الحنين و الشوق و لن أنسى.. قد أنجب و سأتمنى أن يكن بنات و سأربيهم بكل حب الكون ، و حين يكبرن سأحكي لهن عن حب امهم الأول الذي لم يتحقق , و سأعطيهن صفاته فإذا تشابهت الأوصاف مع احدهم سأحذرهن من أن لا يقعن مثل امهم .. قد يكون للبنات بنات و اولاد و سأكون حينها جدة طاعنة في العمر .. سأحكي لأحفادي عن خرافات العالم و عن الخرافة التي كان لي نصيب منها خرافة الرحيل في شهر ديسمبر .. ستمضي بي الحياة يا جدي و ستأخذني في طرق مختلفة .. طرق لا أعلم للآن أين ستؤدي بي؟ لكن الذي أعلمه أنه مهما تشابكت بي الطرق و مهما نبذتني الحياة و قست علي ، ستؤدي بي في الأخير إليه.. إلى ذكرى اللقاء الأول و ارتباك اللحظات العابرة .
لقد تمنيت مرارا أن لا يكون حبا حقيقيا .. أن يكون مليئ بالزيف لدرجة أنني حين اتذكره سأضحك على نفسي و قلبي حين أحببت شخص التقيت به مرات تعد على الأصابع.. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة يا جدي , ففي كل مرة و يوم كنت أجد نفسي متأصلة فيه و إليه .. اجدني اتعمق فيه و انتظره دون ارادة مني أشتاق إليه بنفس القوة و الاندفاع .. كل يوم أجد بداية صباحي تبدأ به ، و نهاية ليلي تكون إليه ..أجد طيفه ينتظرني في نهاية اليوم ليؤنس وحدتي و معه نجوم الليل تكفكف دموعي ، فهو لم يغادرني منذ أن وطئ حضوره قلبي.
تمنيت أن يغادر و انسى لكن حتى النسيان استكثر علي حضوره .. فاذا كان هذا هو الحب النادر اللذين يتحدثون عنه فليأخذوه أنا لا أريده .
تغيرت تعابير وجهه للتحول إلى تعابير حزينة ،ثم قال بهدوء رجل حكيم :
- لقد علمت منذ آخر مرة ان شعورك لا يمكن أن يكون عابرا و قلبك قد أحب و تعلق و لقد أخبرتك قبلا بهذا .. حبكِ كان نادرا مثل وجودك و هو كان بعيدا مثل ذكراك عنه , لذا لا تفعلي بنفسك هكذا و اعطي لنفسك فرصة أخرى و افتحي شبابيك قلبك ، لا تجعلي من حبه عائق يقف أمام حياتك لا تدمريها يا مطر.
- انا لست أفعل بنفسي شيئ سوى أنني استسلم للحياة فلتفعل بي ما تشاء لقد خسرت بما يكفي و لا اريد المحاربة مرة اخرى.
فسكت قليلا ثم ذهب لرف من الرفوف و احضر لي حلواي المفضلة , فناولني اياها و قال بصوته الحنون :
- تفضلي لعلها تنعش روحك قليلا و لا تقلقي فصديقك لن يكرهك رغم أحوالك جميعها ، الممطرة و المشمسة.
ابتسمت بإمتنان و أنا اتناول حلواي المفضلة فأخذ رزمة منها ووضعها في جيب معطفي و تابع :
- خذي و تناوليها في طريقك للمنزل فأنا ليس لدي ما اقدمه لكِ سوى هذه اعتبريها هدية مني .
- شكرا لك يا جدي على كل شيئ .
فإبتسم بحزن و قال:
- صديقك لم يفعل اي شيئ لأجلك يا مطر فأنت تتألمين منذ مدة طويلة , و أنا بقيت عاجزا دون فعل اي شيئ ، فمالي الان الا ان اقدم لكِ الحلوى التي تحبينها.
- هل تعلم أنني لم أشعر بالسعادة منذ مدة ؟ فكرة أنني رأيت صديقي الكبير اسعدتني و هذا في حد ذاته انجاز تستحق الشكر عليه .. فأنا لم يسعدني شيئ منذ مدة طويلة فشكرا لوجودك و لعدم غضبك مني . ثم نظرت لساعتي و تابعت:
- سأتركك يا جدي فأنا لدي مكان آخر أذهب اليه.
فإبتسم بحنان الكون كله و قال :
- انتبهي لنفسك و تذكري ان القدر يستطيع أن يغير تفاصيل الحكاية فلا تيأسي لعل ذلك البعيد يصبح قريب يوما.
فإبتسمت بحزن و قلت :
- لا تقلق فأنا مزال لدي شعاع آمل طفيف في أن أراه حتى ولو من بعيد .
فتذكرت أنني أردت أن اسأله السؤال الذي ارقني لمدة طويلة:
-جدي اريد ان أسألك شيئ هل أتى قيصر الى هنا ؟
فابتسم وقال :
-لقد انتظرت سؤالك منذ أن وطئت قدماك هنا انت متأخرة قليلا ، لكن سأجيبك لقد كان يزورني بإنتظام مرة في الأسبوع .. يأتي نتحدث قليلا ثم يذهب.
فسألته و قلبي ينبض من سماع الإجابة :
- بالرغم من انها مستبعدة تماما لكن هل سأل او تحدث عني؟
- لا هو في الحقيقة لم يتحدث عنكِ , لكن في يوم لا اتذكره تحدث عن مريضة لديه كانت تشبه شفق التي أحبها , و حين رآها قال لي ان جراح الماضي التي حاول أن يداويها قد نزفت مرة أخرى.
فقلت بفضول و دقات قلبي بدأت في التسارع :
- ألم يخبرك من تكون ؟
- لا لم يخبرني , بعدها تعلل بتأخره و ذهب . ثم ابتسم و تابع :
- هل تتذكرين حين أخبرتك بقصة قيصر و شفق ماذا قلت لكِ ؟
- أنني اشبهها؟
اكتفى بإبتسامته الماكرة و أنا بقيت شاردة افكر, هل أنا هي التي كان يتحدث عنها؟ هل هو شعر بنفس الإحساس حين كان معي ؟ هل أشتاق لي و فكر في حياتنا معا ؟ هل أنا هي التي تشبه شفق أم أنها مريضىة أخرى ؟. قطع حبل أفكاري صوت جدي الجاد و هو يقول :
- لم أكن سأخبرك .
فتشاءلت بتعجب :
- لماذا؟
- لأنني لا أريدك أن تصعدي درجة ثم تهوين مرة أخرى.
فإبتسمت بسخرية و قلت :
- انا صعدت مرة واحدة و حين كشر قلبي لم أستطع الصعود مرة أخرى, لذا أنا اساسا في الأسفل منذ مدة طويلة لا تقلق.
ثم تابعت بتردد و أنا أفكر:
- جدي أنا لدي شيئ أريد فعله لكنني مترددة منذ مدة و ليس لدي شخص استشيره غيرك.
- ماذا تريدين أن تفعلي ؟
- حسنا انا أريد أن أذهب اليه و اعيد له المفكرة التي أعطاها لي كطريقة للعلاج و في داخلها رسائل كتبتها في غمرة المي و اشتياقي ، و فيها أيضا رسالة اخيرة كتبتها منذ مدة , وأنا أردته أن يقرأها لأنتهي منه.
ففي اخر لقاء بيننا اخبرني أنه يريد قراءة ما كتبت ، لذا كنت دائما اتردد و لمدة عامين في ان اعطيها له .. لا اعلم هل لأنني لا اريد لأمل قلبي أن ينطفئ؟ ام لأنني خائفة من ردة فعله؟ لكن الآن أنا اريد أن أعطيها له و في نفس الوقت مترددة و لا أعلم ماذا أفعل؟.
- هل تريدين اعطاءها له لأنك تشعرين أنه انت من كان يتحدث عنكِ ؟
- لا بل لأنه دين يجب أن اسدده.
فأطرق برأسه يفكر ثم رفعه و هو يقول بصوت جاد :
- من ماذا انت مترددة. ؟
- من مشاعري لا أريده أن يعرف ماذا شعرت وقتها .. لا أريده أن يعرفني و أن يعيش معي لحظات يأسي .. لا أريده أن يرى دموعي و هي تنزل بسببه .. لا أريده أن يقرأني و أن ينبض قلبه بسبب ما سيقرأه .. انا لا اريد .
- اذًا أفهم انكِ تريدين اعطاءها له كإرجاع لدينكِ لكنكِ مترددة و خائفة و لا تريدينه أن يعرف انك تحبينه هكذا؟
- نعم
ابتسم بحنان ثم قال بصوته الدافئ :
- الندم الحقيقي هو حين تريدين فعل شيئ ما لكن عائقك يكون اكبر ، لذا حين يتغلب دافعك على خوفك حينها امضي و لا تترددي .
- حسنا يا جدي سأتبع نصيحتك و الآن علي الذهاب لأنني تأخرت .
- حسنا يا مطر كوني بخير و لا تنقطعي طويلا فصديقك يحتاج للتحدث بين حين و آخر.
فإبتسمت بصدق و قد كانت هذه أول إبتسامة صادقة لي منذ فترة ، ثم قلت بهدوء :
- لا تقلق سآتي مرة أخرى فأنا أيضا احتاج لصديق أتحدث إليه.