ثروة وجنون {الفصل الاول}
الفصل الاول
حين تلتقي الأرواح في لحظة قدر، لا شيء يبقى كما كان. "يمنى" و"يارا" شقيقتان، لكن كل واحدة منهما تقف على حافة اختيار مصيري بين الحب والهاوية... بين رجلين يحملان أسرارًا أكبر من أن تُحتمل. حفلة زفاف تتحول إلى بداية سلسلة من الألغاز والمواجهات النفسية، حيث تتشابك المشاعر مع المخاوف، وتنكشف القيود الخفية التي تحكم قلوبهم وعقولهم. هل سيصمد الحب أمام الظلال التي تلاحقهم؟ أم أن الماضي سيعود لينتقم؟
استندت يارا إلى حافة الشرفة، تتأمل القمر الساطع الذي يزين السماء بضيائه، فيما نسمات باردة تتسلل إلى وجهها وتداعب بخفة خصلات شعرها الأسود، حتى بدا كأنه يتنافس مع سواد الليل في عتمته. نسائم تحمل في طياتها بشائر الشتاء القادم ببرودته ودفئه في آن واحد.
همهمت بلحن أغنيتها المفضلة، بصوت خافت رقّت فيه الروح: "أهواك.. وأتمنى لو أنساك..."، واندفعت مع الكلمات كأنها تستحضر ذكريات بعيدة، حتى لم تشعر بالخطوات الخفيفة تقترب خلفها، إلا حين أحاطت أصابع رقيقة بكتفها، وصوت يمنى المشاغب يقطع شرودها:
ـ يا عيني على الحالة الرومانسية اللي أختي الكبيرة غرقانة فيها... ابتدينا "نحن" وعايزين نرجع ولا إيه؟
التفتت إليها يارا بطرف عينها، وابتسامة دافئة ارتسمت على وجهها:
ـ يا بنتي، إنتِ مش بتزهقي أبدًا؟ قلتلك خلاص، أنا مش بفكر فيه تاني، الباب ده اتقفل من زمان.
قهقهت يمنى في دلال:
ـ يا سلام! طب والغنوة الجميلة والعيون اللي مليانة مشاعر قدامي دي إيه تفسيرها بقى؟
تنهدت يارا، وكأنها تُخرج ثقلًا من صدرها:
ـ عارفة يا يمنى... يمكن أنا مشتاقة لإحساس الارتباط نفسه، مش للشخص اللي فات. بس لسه ما قابلتش الإنسان اللي يخليني أتحدى خوفي وأحاول من جديد. تفتكري بقيت معقدة؟
قهقهت يمنى بخفة وهي تهز كتفيها:
ـ معقدة إيه بس؟! إنتِ يادوب رفضتي خمس عرسان زي الورد في شهر واحد... مجنون اللي يقول عليكِ معقدة!
ضحكت يارا وعدّلت شعرها الذي بعثرته الريح:
ـ بس يا بت! أنا قررت مش هخطب ولا أتجوز. خلّي الجوازة ليكِ لوحدك.
سكتت يمنى لحظة، ثم تنحنحت بخفوت غامض:
ـ بالمناسبة... فاكرة إمام، زميلي اللي حكيتلك عنه؟ هو قرر ييجي يخطبني الأسبوع الجاي.
أدارت يارا وجهها نحوها في رفق، تلمع في عينيها محبة صافية:
ـ يمنى، إنتِ عارفة قد إيه أنا بحبك وبتمنالك الخير. ومعنديش أي مانع إنك تتخطبي وتتجوزي قبلي. بس الصراحة... أنا شايفة إنك متسرعة في موضوع إمام. فكري كويس قبل أي خطوة.
ابتسمت يمنى ابتسامة حالمة، كأنها ترى أمامها عالماً وردياً:
ـ صدقيني يا يارا، إمام مختلف عن أي حد. ناجح، مسؤول، وسيم، طيب... وغني كمان. ناوي يسافر بيا أعيش معاه برّه مصر. كل ميزة فيه أحلى من التانية.
تساءلت يارا برقة، وكأنها تختبر يقين أختها:
ـ طيب... إنتِ متأكدة إنك تقدري تسيبي بلدك وتسافري تعيشي معاه في لبنان؟
شردت يمنى للحظة، ثم تمتمت بعينين لامعتين:
ـ أنا بتمنى أسافر معاه... لآخر الدنيا.
سادت بينهما لحظة صمت، لم يُسمع فيها سوى صفير الريح بين أغصان الشجر البعيد. حدّقت يارا في عيني أختها، كأنها تبحث عن شيء خلف ابتسامتها الحالمة. ثم قالت بهدوء ثقيل:
ـ يمنى... مش كل حاجة بتلمع تبقى ذهب. ساعات الشكل المبهِر يخبي وراه حاجات إحنا مش شايفينها.
ارتجفت يمنى قليلًا، ثم ردّت بسرعة وكأنها تدافع عن قرارها:
ـ إنتِ مش فاهمة، أنا عشت معاه مواقف كتير، شُفته وهو واقف جمبي وقت ما كنت محتاجة... إمام مش شبه أي حد تاني.
وضعت يارا يدها على يدها برفق:
ـ أنا مش بشكك في نواياه يا حبيبتي، بس خايفة عليكِ. السفر برّه، حياة جديدة، ناس غير ناسك... قرار مش بسيط.
ضحكت يمنى ضحكة خفيفة لتخفي ارتباكها:
ـ يا سلام يا دكتورة حكمة! هو إيه، أنا صغيرة أوي كده؟
أجابت يارا بابتسامة حزينة:
ـ مش صغيرة... إنتِ لسه طايرة بأحلامك، ودي أجمل حاجة فيكي. بس أحيانًا الأحلام ممكن تخبي وراها كوابيس.
هنا أطرقت يمنى للحظة، وكأن كلمات أختها تسللت داخلها رغم محاولتها الإنكار. ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة مترددة:
ـ على فكرة... في حاجة إمام ما قالهاليش غير من يومين.
تأملتها يارا بعينين متسعتين:
ـ حاجة إيه؟
ازدردت يمنى ريقها، وهمست:
ـ هو... عنده ارتباط قديم، بيقول إنه انتهى من سنين... بس لسه البنت دي بتحاول ترجع له.
شعرت يارا بقشعريرة تسري في جسدها، فقالت ببطء:
ـ و... إنتِ مصدّقاه؟
أطرقت يمنى عينيها، وصوتها يرتجف:
ـ مش عارفة... بس أنا حاسة إن في حاجة مش مفهومة.
رفعت يارا نظرها للقمر من جديد، وهمست:
ـ أحيانًا يا يمنى، العلامات بتيجي قبل الخطوة الكبيرة... بس قليل اللي بياخد باله.تنهّدت يارا وهي تتابع شروق القمر بين الغيوم المتناثرة، ثم التفتت نحو أختها قائلة بابتسامة دافئة:
ـ يا بنتي، يمكن كلامي يبان تقيل على قلبك... بس أنا بتكلم من تجربة. أنا دلوقتي عندي سبعة وعشرين سنة، وعدّت عليا قصص كتير وعرفت يعني إيه قلب يتحمس وبعدين يتكسر.
أمالت يمنى رأسها بخفة، وقالت مازحة:
ـ يعني عشان أنا أصغر منك بتمانية سنين تبقي شايفة نفسك الحكيمة العاقلة وأنا الطفلة؟!
ضحكت يارا وربتت على كتفها:
ـ مش قصدي كده. إنتِ لسه في آخر سنة في كلية التجارة، حياتك كلها قدامك... وأنا خريجة بقالى كام سنة ولسه مش بشتغل ولا ارتبطت. الفرق بينا إنك لسه عندك فرص تختاري صح من البداية.
عقدت يمنى ذراعيها باستهانة، لكن عينيها كان فيهما بريق إصرار:
ـ بس يا يارا، مش معنى إني طالبة لسه إن دماغي فاضية! أنا عارفة أنا عايزة إيه... ومش حابة أضيّع وقت.
هزت يارا رأسها ببطء، وصوتها يقطر حنانًا:
ـ وأنا مش ضد سعادتك يا يمنى، بالعكس... إنتِ دنيتي كلها. بس نفسي تتأكدي إن قرارك مبني على عقل مش بس قلب.
سكتت يمنى للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة حالمة تحاول بها أن تُخفي ارتباكها:
ـ يمكن عندك حق... بس برضه، إمام مختلف.
مرّت الأيام سريعًا، وظلّت كلمات يارا ترنّ في أذن يمنى، لكنها لم تتراجع عن قرارها. وأتى اليوم المنتظر، يوم جاء "إمام" ليطلب يدها رسميًا.
كانت الصالة مضاءة بأضواء هادئة، والمقاعد مرتّبة بعناية، تفوح منها رائحة قهوة طازجة أعدّتها الأم. جلست يمنى متوترة، تحاول أن تخفي ارتعاشة أصابعها بين كفّيها، بينما وقفت يارا بجانبها بوقار هادئ، تتابع التفاصيل بعين يقظة.
دقّ الجرس، فهرعت الأم لفتح الباب، ودخل "إمام" بثقة واضحة، شاب وسيم الطلعة، أنيق الهيئة. لكن ما شدّ الأنظار أكثر هو الرجل الذي رافقه.
كان والده طويل القامة نسبيًا، يرتدي بذلة داكنة تزيد ملامحه هيبة. عيناه، رغم عمق الغموض الذي يسكنهما، كان فيهما بريق حنان دافئ، كأنهما تحملان قصصًا لم تُروَ بعد. جلس في هدوء، يراقب المكان بنظرات حادة يكسوها ذكاء لافت.
رحّبت به العائلة، فبادلهم التحية بصوت منخفض فيه وقار. غير أن يارا، منذ اللحظة الأولى، شعرت باهتزاز غريب في قلبها، كأن عينيه التقطتا شيئًا خفيًا بداخلها. لم يكن الأمر إلا انجذابًا عابرًا، لكنه أربكها، خاصة حين التقت عيناها بعينيه للحظة أطول مما ينبغي.
جلس إمام إلى جوار والده، يبتسم بثقة شاب طموح، بينما أخذ الأب يتحدث قليلًا مع العائلة، كاشفًا عن ثقافة واسعة وذكاء في اختيار كلماته. كانت كل جملة يقولها تحمل أكثر من معنى، كأن وراء صوته أسرارًا مستترة.
أما يمنى، فكانت غارقة في ابتسامتها الحالمة، تتابع إمام وكأنها لا ترى أحدًا سواه. على النقيض، كانت يارا تنظر خلسة إلى الأب، محاولة أن تفهم سر هذا الغموض الذي يلفه، وسر الانجذاب غير المفهوم الذي شعرت به نحوه.
جلس إمام يتحدث بحماس عن عمله ومشاريعه الصغيرة في مجال التصدير، بينما كانت يمنى تنصت بإعجاب واضح، ووالدتها تهز رأسها بين الحين والآخر.
ابتسم الأب ابتسامة خفيفة وقال بصوت هادئ لكن نافذ:
ـ التصدير مهم يا إمام، لكن الأهم منه هو إدارة المخاطر. السوق بيتغير بسرعة، وأي خطأ صغير ممكن يكلف الشركة كلها.
هز إمام رأسه موافقًا، لكنه بدا غير قادر على مجاراة العمق الذي يقود به والده الحوار. هنا التفت الأب نحو الأم مبتسمًا، وأخذ يتحدث عن وضع التجارة في مصر مقارنة بدول الجوار، وأهمية التخطيط بعيد المدى.
ثم فجأة، قطع حديثه ووجّه نظره مباشرة نحو يارا التي كانت صامتة معظم الوقت، وقال بابتسامة هادئة:
ـ وأنتِ يا آنسة يارا... إيه رأيك؟ شايفة مستقبل التجارة في مصر عامل إزاي؟
ارتبكت العائلة قليلًا، حتى يمنى نظرت باستغراب لأختها، كأنها لم تتوقع أن يأتيها السؤال. لكن يارا لم تتأخر في الرد، رفعت عينيها بثبات وقالت:
ـ بصراحة... السوق المصري مليان فرص، بس مشكلته الأساسية سوء الإدارة والتخطيط. أغلب التجار بيفكروا في المكسب اللحظي مش في الاستمرارية. اللي يقدر يوازن بين جودة المنتج وتوسيع السوق الخارجي، هيمشي قدام بسرعة.
نظر الأب لها بتركيز، فأكملت يارا بنبرة هادئة لكن واثقة:
ـ مثلًا... قطاع الأغذية ممكن يبقى قوة جبارة في التصدير لو اتطبقت عليه معايير الجودة الأوروبية. إحنا عندنا منتجات زراعية بتتباع برّه بسعر بخس، ولو في حد ركّز على قيمة العلامة التجارية، هيتحوّل المجال ده لذهب.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يبتسم الأب ابتسامه سريعه، ثم قال وهو ينظر إليها بعينيه الغامضتين:
ـ كلامك كتير مظبوط .. وأسلوبك في التحليل أعمق مما توقعت. واضح إن عندك عقلية تجارية مو سهلة.
ابتسمت يارا بخجل، وهي تقول:
ـ أنا مجرد خريجة تجارة زي ما حضرتك عارف... يمكن الظروف ما سمحتليش أشتغل، بس عمري ما بعدت عن متابعة السوق.
مال الأب للأمام قليلًا، وكأن كلماته موجهة لها وحدها:
ـ أحيانًا، الخبرة الحقيقية بتتكوّن من الملاحظة والفهم... مش بس من الوظيفة.
شعرت يارا بقشعريرة غامضة وهي تتلقى نظرته، بينما كانت يمنى مشغولة بضحكتها الحالمة مع إمام، غير منتبهة لما يدور بين الأعين في الصمت.
سادت لحظة صمت قصيرة بعد الحوار، قبل أن يتدخل والد يمنى بابتسامة دافئة وهي تقول:
ـ والله يا أستاذ سليم، يشرفنا إن حضرتك وابنك تكونوا جزء من عيلتنا. إحنا ناس بسيطة، أهم حاجة عندنا الأخلاق والسمعة الطيبة.
ابتسم سليم ـ والد إمام ـ ابتسامة هادئة وردّ:
ـ الأخلاق والسمعة هما الأساس، وكل حاجة بعدها بتيجي. أنا راجل عشت عمري كله في التجارة، شوفت ناس كتير، واللي يثبت في الآخر مش المال... اللي يثبت هو الأصل.
نظر الأب ـ والد يمنى ـ إلى سليم وقال بجدية:
ـ معاك حق... الدنيا بتتغير، والفلوس مش بتدوم. إنما الراجل يتعرف من سيرته.
أومأ سليم برأسه، وكأن بينهما اتفاق صامت، ثم التفت إلى الأم قائلًا بنبرة يكسوها الحزن الخفيف:
ـ الحقيقة، إمام هو كل حياتي... والدته ـ رحمها الله ـ توفت من سنين طويلة، وهو لسه طفل صغير.
تبدلت ملامح الجميع للحزن، فقالت والدة يمنى بتأثر:
ـ الله يرحمها... أكيد كانت ست عظيمة.
ابتسم سليم ابتسامة حزينة وهو يجيب:
ـ كانت أعظم ست بها العالم.. وأنا من بعدها اكتفيت إن حياتي تبقى شغلي وابني. يمكن ده اللي خلاني أتمسك بإمام وأكبر بيه في حضني.
نظر إمام إلى والده نظرة امتنان صامتة، ثم أمسك بيد يمنى في خجل، بينما احمرّ وجهها من الخجل أمام الجميع.
تدخّل والد يمنى بابتسامة ودودة ليكسر جو الحزن:
ـ إحنا متشرفين بيك يا أستاذ سليم، وإمام ابنك على خلق وناجح... وده أهم من أي حاجة. أهم حاجة نشوف بنتنا سعيدة ومطمنة معاه.
هزت يارا رأسها موافقة، بينما عيناها تابعتا عن قرب ملامح الرجل الذي جمع بين القوة والحنان، الغموض والصدق.
...........................................
بعد انتهاء المائدة، تبادلت العائلة كلمات الشكر والمديح، والضحكات ما زالت تتردّد في أرجاء الصالة. قال سليم وهو يضع المنديل على الطاولة بهدوء:
"المطبخ المصري عنده نكهة ما بتتشبه… كأن كل طبق فيه حكاية طويلة."
ضحكت والدة يمنى، وعينيها تلمعان بالرضا:
"أصلنا بنحط قلبنا قبل التوابل… يمكن هو ده السر."
تدخلت يمنى بخجل وهي تنظر إلى إمام:
"أنا ساعدت ماما النهاردة… حتى لو حاجات بسيطة."
ابتسم إمام وهو يحدّق فيها بنظرة حادة قليلاً:
"البسيط أوقات بيكون جوهر… المهم إنك تعرفي تنجزي وتنجحي في اللي تبدأيه."
نبرته كانت حانية، لكن تحمل في طياتها نغمة حاسمة جعلت يمنى تهز رأسها موافقة دون نقاش.
يارا، التي كانت تراقب بصمت، لمحت تلك السيطرة الهادئة في نبرة إمام، وكيف استسلمت شقيقتها تلقائياً. لم تستطع منع نفسها من أن تنقل نظراتها خلسة إلى سليم. كان يجلس متكئاً إلى الخلف، يراقب المشهد بعينيه الهادئتين العميقتين. هناك وقار لا تخطئه العين، يجمع بين الحنان والصرامة. شيء غامض شدّها للمقارنة… بين هذا الرجل الواثق الصامت، وبين شباب جيلها الذين لم يملّوا من الأحاديث التافهة والهزل السطحي.
وفي تلك اللحظة، قطع سليم حبل أفكارها، موجهاً كلامه إلى والد يمنى:
"أحلى شيّ، إن الإنسان يلاقي الدفء حوالين الطاولة… يمكن هاي النعمة الحقيقية اللي بتمحي تعب السنين."
سكنت الأجواء للحظة، قبل أن يبتسم والد يمنى ابتسامة عميقة:
"عندك حق… يمكن ما فيش أغلى من اللحظة دي."
...............................
بعد لحظات من الأحاديث العائلية الخفيفة، التفت إمام نحو يمنى بصوت منخفض:
"شو رأيك نتمشّى شوي بالحديقة؟ الجو حلو."
ترددت يمنى لحظة، ثم نظرت لوالدتها كأنها تستأذن بعينيها، فأومأت الأم بابتسامة مشجعة. نهضت معه بخطوات خجولة، تاركة الدفء خلفها.
في الحديقة، كان القمر ينساب بين الأغصان، وصوت العصافير الليلية يملأ الصمت. سار إمام بخطوات ثابتة، بينما يمنى تتبعه وكأنها خجولة من ظلها. بعد لحظة قال:
"يمنى… بدي منك شغلة وحدة، إنك تسمعي كلامي وتوثقي بقراراتي. المستقبل اللي عم نخططله بدّو شريك قوي، مش متردّد."
نظرت له بدهشة طفيفة، ثم همست:
"بس أنا بحاول… يمكن لسه مش واثقة من نفسي قوي."
اقترب منها بخطوة، وصوته صار أكثر حزمًا:
"الثقة رح تجي مع الوقت، بس الطاعة لازم تكون من البداية. هيك العلاقة بتنجح."
أحسّت يمنى بشيء من الهيبة في كلماته… مزيج بين حب تريده، وسيطرة تخشاها، لكنها لم تعترض، فقط أومأت برأسها وهي تقول بصوت خافت:
"تمام… أنا معك يا إمام."
في الداخل، كان المشهد مختلفًا… جلس سليم يتحدث مع والد يمنى عن الذكريات القديمة، عن قيمة الأسرة، عن صعوبة أن يربّي رجل ابنًا وحيدًا بعد فقدان الزوجة. بدا كلامه بسيطًا، لكن يحمل عمقًا غير عادي.
يارا كانت تجلس في هدوء، عيناها تتابع ملامحه باهتمام. كانت تندهش من هذا الرجل، كيف يوازن بين القوة في كلماته والحنان في نظرته. وكلما انحنى رأسه قليلًا وهو يتحدث، أحسّت أن غموضه يزداد. داخليًا، تساءلت:
"إزاي لسه فيه رجالة بالشخصية دي؟… ولا هو بس قناع بيخبي وراه حاجات كتير؟"
---عاد إمام ويمنى إلى الصالة، وجوههم تكسوها مسحة من الحماس والقرار. جلست يمنى بجوار والدتها، وابتسامة عريضة لا تفارق وجهها، ثم التفت إمام بنبرته الواثقة قائلاً:
"نحنا حكينا… وقررنا إنو نعمل الخطوبة الأسبوع الجاي، والزواج بعد شهرين بس. لازم نرجع لبنان قبل ما تبلّش أشغالي الجديدة، وأنا ما بدي أرجع من دون يمنى."
ساد صمت مفاجئ، تبادل خلاله الوالدان النظرات. قطبت الأم جبينها وقالت بنبرة قلقة:
"شهرين؟! ده وقت قصير جدًا يا إمام… الجواز مش سفرية تتجهز بسرعة."
أضاف الأب بحزم:
"لازم ناخد وقتنا. البنت لسه طالبة، والجواز مسؤولية كبيرة، ومش معنى إنك مستعجل يبقى إحنا نسرع كده."
لكن يمنى، وقد لمع بريق في عينيها، أمسكت بيد والدها متوسلة:
"بابا، ماما… أرجوكم. أنا عايزة أعيش مع إمام، وأبدأ حياتي معاه. كل يوم أتأخر فيه بيضيع منّا. صدقوني هو الشخص المناسب."
حاولت الأم أن تجادلها، لكن يمنى قاطعتها بإصرار طفولي ممتزج بحلم كبير:
"لو بتحبوني… وافقوا. وأنا السنادى هدرسها فالبيت وأجى علامتحان علطول أنا عمري ما طلبت منكم حاجة زي دي قبل كده."
تنهد الأب طويلاً، ثم نظر إلى سليم كأنه يبحث عن دعم أو كلمة فاصلة. لكن سليم اكتفى بابتسامة خفيفة ورفع حاجبيه بحياد، تاركًا القرار لأصحاب البيت.
بعد لحظة من الصمت المثقل، قال الأب بنبرة استسلام:
"لو ده قرارك يا يمنى… إحنا مش هنقف قصاد سعادتك. بس يا بنتي، عارفة إننا مش مرتاحين للتسرع ده."
قفزت يمنى من مكانها لتعانق والديها بفرحة عارمة، بينما إمام ابتسم راضيًا، يضع يده بثقة على كتفها كأنه يعلن امتلاكه لها.
في وسط هذا الجو المشحون، كانت يارا تتابع كل تفصيلة بعينيها اللامعتين. لم تعد قادرة على كتمان ما بداخلها، فابتسمت ابتسامة هادئة، ثم قالت بصوت حازم قطع الضحكات:
"أنا آسفة… بس أنا مش موافقة على السرعة دي."
سقط الصمت مرة أخرى، وكأن كلماتها كانت حجرًا أُلقي في بحيرة راكدة. التفتت إليها الأعين بدهشة… إمام بعينيه الحادتين، يمنى بصدمة لا تصدق، والأبوان بين حيرة وغضب. أما سليم، فظل يراقبها بعمق غامض، كأن كلمتها كانت بالضبط ما كان ينتظر سماعه.
.........................
انفجرت يمنى بعصبية، وجهها احمر من الغضب:
"إيه يا يارا؟! مش عاجبك إن أنا لقيت نصيبي؟! ولا عشان إنتِ فشلتِ قبل كده لازم تفشليني زيك؟"
شهقت الأم بذهول:
"يمنى!! إيه اللي بتقولي ده؟!"
لكن يمنى لم تتوقف، وعيونها ترسل سهامها مباشرة نحو شقيقتها:
"نسيتي خطيبك اللي كان بيسيطر عليك؟ اللي كان بيهينك ويضربك؟ ومقدرتيش تكملي معاه… لسه لحد دلوقتي مش عارفة تتخطّي؟! يبقى إزاي تجي دلوقتي وتتكلمي عن حياتي أنا؟!"
اهتزّت يارا في مكانها كأن كلمات أختها صفعَتها، دموعها انسابت سريعًا وهي تحاول ترد لكنها لم تجد الكلمات. رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها، ثم هرولت إلى غرفتها، تغلق الباب خلفها بعنف.
ساد الصمت الثقيل… وجوه إمام وسليم اكتست بالحرج الواضح. حاول سليم أن ينهض بهدوء قائلاً:
"نحن آسفين إذا الجو توتر… يمكن لازم نمشي هلق."
لكن والد يمنى قاطعه بسرعة، صوته حاسم:
"لا، اتفضلوا. الخطوبة زي ما اتفقنا، والزواج بعد شهرين… الموضوع خلص. البنات بيزعلوا ويتخانقوا، لكن ده ما يغيّرش قرارنا."
تبادل سليم وإمام النظرات، ثم نهضا بهدوء، صافحا الجميع، وغادرا وسط جمود ثقيل.
في الداخل، جلست يمنى مع والدتها، الدموع تملأ عيني الأم وهي تعاتبها:
"إزاي تجرحي أختك بالكلام ده؟!"
لكن يمنى، برغم دموعها، ظلت متمسكة برأيها:
"أنا لازم أعيش حياتي… ومش هخلي حد يوقفني."
في تلك الأثناء، صعد الأب بخطوات مترددة نحو غرفة يارا. طرق الباب بخفة، ثم دخل ببطء ليجدها جالسة على طرف السرير، عيناها محمرتان من البكاء. جلس بجوارها وقال برفق:
"يا بنتي… محدش فينا كامل. اللي فات ما يعيبكيش. المهم قلبك يفضل نضيف زي ما هو."
لكن يارا لم تجب، فقط هزت رأسها والدموع ما زالت تسيل.
---
خارج البيت – السيارة:
جلس إمام خلف المقود متجهّم الوجه، بينما سليم بجواره يراقب الطريق بعينيه الهادئتين. قطع سليم الصمت بصوت منخفض:
"شو رأيك باللي صار يا إمام؟"
زفر إمام بضيق:
"البنات عندن حساسيات… المهم يمنى بدها تكمل، وأنا ما عندي وقت طويل هون."
ظل سليم صامتًا للحظة، ثم أدار رأسه قليلًا نحو ابنه، وقال بنبرة غامضة:
"بس أنا… حابب أفهم أكتر عن أختها الكبيرة. في شي بماضيها… لازم نعرفه."
أدار إمام عينيه بتوتر، بينما انعكست أضواء الشارع على وجه سليم الذي بدا أكثر غموضًا من أي وقت مضى.
.....................
امتلأ البيت بأضواء الزينة وأصوات الموسيقى الخفيفة، الزغاريد تعالت في الأجواء، والكل يبارك لـ إمام ويمنى في يوم خطبتهما. فساتين ملونة، ضحكات متداخلة، وأكواب العصير تتنقل بين الأيدي. كأن ما حدث في الاسبوع السابق لم يكن، وكأن الوجع والدموع قد اختفت تمامًا خلف الستائر.
في قلب المشهد، كانت يمنى تتألق بفستان أنيق بلون وردي باهت، عينيها تتلألآن فرحًا، ووجهها لا يفارق الابتسامة. إلى جوارها إمام، يحملها بنظراته كأنها أثمن ما يملك، يضع يده حول كتفها بحماية واعتزاز. كانوا يبدون في انسجام كامل، يتبادلان النظرات والحركات الصغيرة التي لا يلتقطها غير المحبين. وكلما التفتت يمنى لتتلقى التهاني، كان إمام يسبقها بابتسامة واثقة تزيدها ثقة وفرحًا.
في زاوية من الصالة، جلست يارا بهدوء، تحاول أن تبدو طبيعية بين الجمع، لكن عينيها تتنقلان بتوتر. جاء أحد أصدقاء إمام اللبنانيين، شاب متأنق ومرح، جلس بجوارها وابتسم قائلاً بلهجة خفيفة:
"إنتِ أكيد أخت العروس… جمالكن معروف. ممكن نتعرف أكتر؟"
ابتسمت يارا ابتسامة مهذبة، وردت بأدب:
"تشرفنا، بس أنا بحب أبقى وسط أهلي وضيوفي."
ضحك الشاب وأكمل، كأنه لم يفهم رسالتها:
"يعني منقولها صدفة سعيدة ونتركها للقدر؟"
ابتسمت ابتسامة مجاملة، لكنها شعرت بالضيق يتزايد مع إصراره. كان يقترب أكثر مما يلزم، وكلماته تخترق راحتها.
في تلك اللحظة، اقترب سليم بخطوات هادئة، وكأنه كان يراقب منذ البداية. وضع يده بخفة على ظهر الكرسي بجانب يارا، وقال بنبرة دافئة ووقورة:
"يبدو ضيفنا العزيز ما بيعرف إنو عنا عادة… الليلة لازم نترك العروس وأهلها يستمتعوا بلحظتهم بدون إزعاج."
ضحك الشاب بخفة محرجًا:
"أكيد، أكيد… ما كان قصدي أزعج."
ثم انسحب بهدوء بين الضيوف.
التفتت يارا نحو سليم، قلبها يخفق بسرعة، وعيناها امتلأتا بالامتنان. قالت بصوت خافت:
"شكراً… أنقذتني من موقف صعب."
مال سليم قليلًا للأمام، صوته خرج خافتًا، كأنه لا يريد أن يسمعه أحد غيرها:
"أوقات… اللي بيفتكر نفسه وحيد، بيكتشف إن في عيون تراقبه بصمت… تنتظر اللحظة الصح."
رفعت يارا رأسها فجأة، التقت عينيه للحظة بدت طويلة بلا نهاية. كانت نظراته تحمل غموضًا، لكنها لم تخلُ من دفء يذيب جزءًا من جدارها الداخلي. أحست برعشة صغيرة تمر في قلبها، لم تفهم إن كانت خوفًا أم انجذابًا.
سكتت يارا لحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحارب ارتباكها الداخلي، قبل أن تهمس:
"ممكن… نكون أصدقاء؟"
توقفت نظرات سليم عليها لحظة طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء كلماتها، قبل أن يبتسم بخفوت، ابتسامة لم تستطع هي أن تفسرها.
.............................
كان المول مزدحم في مساء خريفي، أضواؤه البيضاء تلمع فوق رؤوس الزائرين، ورائحة القهوة تتداخل مع أصوات الموسيقى والإعلانات. على جانبي الممر، الفساتين المعلّقة خلف الزجاج تلمع تحت الأضواء، وكأنها تنادي العيون بفتنتها.
كانت يمنى تسير بخطوات سريعة بجانب إمام، عينيها تتنقل بفضول بين واجهات العرض. توقفت فجأة أمام فستان سماوي رقيق، رفعته بحماس وهي تبتسم:
يمنى (بحماس طفولي):
– شايف يا إمام؟ ده حلو قوي… وحاسه إنه لايق عليّ.
اقترب إمام، نظر للفستان نظرة سريعة قبل ما يبتسم بسخرية خفيفة:
إمام (بهدوء فيه صرامة):
– لأ… اللون ده مش ليِك.
(يشاور على فستان أسود ضيق)
– جرّبي ده… ده بيلبقلك أكتر.
ترددت يمنى، نظرت للفستان السماوي مرة أخيرة قبل ان تمد يدها بخضوع وتأخذ الأسود. دخلت غرفة القياس، وبعد دقائق خرجت ترتديه. الفستان أبرز قوامها بشكل لم تعتده من قبل، شعرت أنها عارية من ملامحها الحقيقية من حقيقه كونها تحب الاشياء التى توضح جمالها ببساطه وليس بغموض ثائر كهذا الثوب.. ولكن
إمام تقدم خطوة لها ببريق غريب في عينيه وصوته منخفض لكنه حاد:
إمام:– إيه… كده أحلى بكتير متل ما أحب أشوفك دايما.. خليكي فاكرة…أنتي الى انا وحدي.. انتي بتنتمي لى
اقترب ومال على أذنها يهمس:- وحتى في حاجات تانية… بحبك تفضلي تحت سيطرتي.
ضحكت يمنى بخفة وكأنها لم تفهم مقصده، لكن بداخل قلبها شعرت ببرودة مفاجئة
............
يتبع