لعنة الحلم العاشر - الكتاب الذي ظهر في الظلام
الكتاب الذي ظهر في الظلام
في عالمٍ لا يفصل فيه بين الحلم والواقع سوى قرارٍ واحد… تجد "هانا" نفسها عالقة داخل غابة غامضة تُعرف بـ"غابة الأمنيات"، بعد أن تمنّت شيئًا بسيطًا: أن تنام. لكن النوم هنا ليس راحة… بل بداية. تُجبر هانا على خوض سلسلة من الأحلام، حيث يتحوّل كل حلم إلى اختبار نفسي قاسٍ، يكشف خوفها، ضعفها، وذكرياتها التي حاولت الهروب منها. ومع كل اختيار، تقترب أكثر من الحقيقة… أو من نهايتها.، وفي "الحلم العاشر"، تُمنح ما تمنّته يومًا، فرصة استعادة والدها؛ لكن بثمنٍ قد يعيدها إلى نقطة الانكسار من جديد. بين الألم والراحة، بين المواجهة والهروب… يبقى السؤال: هل النجاة في الاستيقاظ… أم في تحمّل الحلم؟
كانت الساعة تشير إلى الثالثة والنصف… تلك الساعة التي يبدو فيها الليل وكأنه كائن حي، يراقب… ينتظر.
وقت لا يُحبّذ فيه للعقل أن يظل يقظًا، ولا للقلب أن يظل مشغولًا.
لم تكن هانا مستيقظة فحسب… بل كانت أسيرة لشيء لا يُرى.
النوم لم يعد يهرب منها… بل كأنه نُزع منها قسرًا.
لم يكن هذا أمرًا جديدًا عليها؛ فمنذ ثلاثة أشهر، ومنذ فقدان والدها العزيز، أصبحت الليالي أطول مما ينبغي، وأكثر ثِقَلًا مما اعتادت، و المنزل، لم يعد منزلًا… بل قبرًا صامتًا يتنفس الذكريات.
تقلبت في سريرها بهدوء، محاولة كما فعلت مرات عديدة من قبل أن تقنع نفسها بالنوم، لكن دون جدوى تُذكر، يبدو أن فراشها نفسه يرفضها.
فالوسادة لم تعد مريحة كما كانت، والبطانية أصبحت ثقيلة كأنها تحبس أنفاسها.
لم يكن في الأمر دراما، بل استسلام هادئ لحقيقة باتت مألوفة:
أن النوم، في هذه الأيام، ليس ضيفًا يسهل استدعاؤه.
نهضت واتجهت نحو الشرفة.
فتحت الباب الزجاجي، فاستقبلها الهواء البارد، لطيفًا، ومنعشًا إلى حدٍّ ما، رفعت عينيها إلى السماء.
بدت النجوم منتظمة وجميلة، والقمر هادئًا في مكانه كعينٍ بيضاء تحدق بلا رمش، كأن العالم كله يسير وفق نظام دقيق… نظام لم تعد هي جزءًا منه.
قالت بهدوء، أقرب إلى التأمل منه إلى الشكوى:
"ما أجمل هذا الهدوء…"
ثم، وبعد لحظة، أضافت بصوت أخفض:
"لو أن النوم يرافقه."
في تلك اللحظة، وقع بصرها على شيء غير مألوف.
ضوء خافت…عند مدخل المنزل.
لم يكن لافتًا بشكل كبير، لكنه كان كافيًا لإثارة فضولها وهو فضول، رغم هدوئه، كان صفة لا يمكن إنكارها فيها.
ترددت قليلًا، كما تفعل أي فتاة عاقلة تعيش بمفردها،
لكن الفكرة البسيطة، أنه شيئًا ما، قد يكون سقط من أحد المارة، بدت أكثر منطقية من أي تخمين آخر.
وهكذا، قررت أن تتحقق بنفسها.
نزلت الدرج بهدوء، عندما وصلت إلى باب المنزل، وضعت يدها على المقبض، وتوقفت، لم يكن خوفًا… بل إحساس بأنها… إذا فتحت هذا الباب، فلن يعود كل شيء كما كان.
فتحت باب المنزل، ثم خرجت، كان الليل ساكنًا، لا يحمل ما يدعو للقلق، سوى ذلك الصمت الذي قد يبالغ المرء أحيانًا في تفسيره، اقتربت من مصدر الضوء، وانحنت قليلًا.
كان كتابًا، قديم المظهر، ذو غلاف داكن، لكن حالته لم تكن سيئة كما قد يُتوقع، تتصاعد منه لمعة خفيفة، و، وميض كأنه يتنفس، التقطته، ونظرت حولها.
لم يكن هناك أحد. "يبدو أن أحدهم فقده"، قالت لنفسها.
وبما أنه لم يكن من اللائق ترك شيء كهذا في الخارج، قررت أن تأخذه إلى الداخل مؤقتًا.
عادت إلى غرفتها، وجلست على السرير، والكتاب بين يديها، كان من الطبيعي بل من المتوقع أن تفتحه.
احتوت الصفحة الأولى على جملة واحدة:
"عليك أن تتحمل نتيجة قراءتك."
رفعت حاجبيها قليلًا ، تقول لنفسها:
"تحذير سخيف… مجرد محاولة لإثارة الفضول."
ثم قلبت الصفحة.
"تمنَّ أمنية… وسنحققها لك."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا تخلو من الشك.
"يبدو كأحد تلك الكتب التي تحاول أن تكون مثيرة للاهتمام أكثر مما ينبغي."
لكن السطر التالي جعلها تتوقف:
"لكن مصيرك بعد ذلك… لن يكون بيدك."
لم يكن في العبارة ما يثير الخوف بقدر ما أثار… الفضول.
أغلقت الكتاب بعنف.
"هذا هراء…" تمتمت
نهضت واتجهت نحو الشرفة، لكن قبل أن تصل…
اهتزت النوافذ بعنف، كأن شيئًا في الخارج… قد استيقظ.
انفجرت الرياح، وارتطم الهواء بالجدران، بينما تحولت السماء فجأة إلى كتلة من السواد المضطرب.
الرعد لم يدُوِ… بل تمزق في السماء.
"لا…" همست.
أغلقت النوافذ بسرعة، وقلبها ينبض بعنف غير مألوف.
"الطقس… لم يكن هكذا…"
وضعت الكتاب على الطاولة بجوارها، وبعد أن تأكدت من أن كل شيء في مكانه، عادت إلى سريرها، واستلقت بهدوء، اندست تحت البطانية، كطفلة تحتمي من شيء لا يمكن رؤيته.
همست بصوت مرتجف:
"أتمنى فقط… أن أنام."وأغلقت عينيها.
لم تكن أمنية كبيرة، ولا غير معقولة.
لكن، لسبب ما…
بدت وكأنها قد قيلت في توقيتٍ مهم.
وبعد لحظات…
سكت كل شيء.
الرياح.
الرعد.
حتى الصمت… أصبح أعمق.
وفوق الطاولة، بجوار السرير… وفي ذلك السكون، دون أن تلاحظه…
انفتح الكتاب ببطء.
وتوقفت صفحاته عند موضع جديد، حيث بدأت الكلمات تتشكل بهدوء، كما لو كانت تُكتب بعناية او أصابع غير مرئية تعبث بها.
وبدأت الكلمات تظهر.
تُكتب.
حرفًا… تلو الآخر.
"نامي بعمق… عزيزتي."
"لقد بدأ حلمك الأول."