كيف تخططين لموعد فاشل - النهم المهووس بالطعام
النهم المهووس بالطعام
.........
بإعتبار التعاون الناجح بين هدى و سامي، لم تجد هدى مانعا للإستمار في هذه التجربة بينهما ما دامت هناك نتيجة مرضية تخدم مصلحتها، و هكذا.. بعد مرور ثلاثة أيام، عادت هدى للمقهى قبل خمسة عشر دقيقة قبل بداية موعدها التالي، و ذلك لتخطط بمساعدة سامي لفشلها الجديد، لكنها ما أن داست قدمها داخل المقهى حتى وجدت سامي واقفا أمامها، لقد بدا و كأنه كان يتوقع وصولها في تلك اللحظة بالذات، أو أنه ببساطة كان منتصبا منذ فترة أمام الباب ليعترض طريقها فور وصولها.
همس سامي:
- اتبعيني.
تبعته هدى في صمت، لم تتكلم لكنها قرأت أفكاره.
قالت في نفسها:
(هذا غريب، لقد أتيت باكرا و لكنه يفكر في أنني وصلت متأخرة)
توقف سامي و نظر إليها، لم يقل أي شيء لكنه أشار بيده لإحدى الطاولات، فالتفتت هدى حيث يشير فرأت شابا بدينا، بالكاد يظهر الكرسي من تحت جسده الكبير و الممتلئ، أما الطاولة فقد كانت ممتلئة بمختلف أنواع الحلويات و المشروبات التي يقدمها المقهى، فكان هذا الشاب منغمسا بكلتا يديه في الأكل و الشرب دون توقف.
قالت هدى مستغربة:
- هل هذا...؟
لم تستطع أن تكمل الجملة.
أجاب سامي:
- أجل، لقد وصل قبلك بعشرة دقائق و طلب مني أن أحضر له كل ما يوجد لدينا بقائمة الطعام.
همهمت هدى دون أن تقول أي شيء.
قال سامي:
- لقد ظننت أنه مجرد زبون إلى أن إنتهيت من تجهيز طلبيته, لقد أخبرني بأنه على موعد بفتاة تدعى هدى و طلب مني أن أدلها على طاولته فور وصولها.. أنا أعني فور وصولك.
ثم نظر إليها في إستغراب، بدت مشتتة و غير منتبهة له.
هزها بلطف من كتفها:
- هدى.. هدى.
نظرت هدى نحوه كردة فعل تلقائية لحركة يده لا لصوته، كانت تعابير وجهها لا تزال مبهمة.
قال سامي:
- هل سمعت ما أخبرتك به للتو؟
قالت هدى، كانت مشتتة تماما:
- ماذا؟
كرر سامي سؤاله مرة ثانية:
- هل سمعت ما أخبرتك به للتو؟
كان واضحا أنها ليست منتبهة لما كان يقوله، فقد كان كامل تركيزها موجها نحو حسن، الشاب الذي ستلتقيه في أي لحظة الآن.
قالت و كأنها تحدث نفسها:
- هل يوجد حقا شخص لديه معدة تستطيع أكل كل هذا الطعام دون أن يحدث له أي شيء.
ثم أخذت نفسا عميقا و قالت:
- حسنا.. لننتهي من هذا.
كانت قد بدأت بالسير نحوه عندما أوقفها سامي.
- إنتظري لحظة، ألست ترغبين بمعرفة فكرتي لإفشال موعدك.
- لا داعي لذلك، لدي إحساس قوي بأن هذا الموعد سيكون فاشلا قبل حتى أن يبدأ.
تقدمت هدى في هدوء، سحبت الكرسي و جلست، و الحقيقة أنها ما أن رأت كل ذلك الطعام عن قرب، و رأت حسن بفمه الممتلئ، كانت قد فقدت شهيتها على الفور، لقد أحست بأن معدتها قد امتلئت عن آخرها من مجرد النظر فقط، لكن من ناحية أخرى كانت قد تمكنت من معرفة بعض ما يفكر فيه، أو بالأحرى عرفت موقفه من هذا الموعد المدبر، و هو الشيء الوحيد الذي كانت بحاجة لمعرفته.
قالت:
- مرحبا، أنا هدى.
كان حسن قد وضع نصف قطعة مرطبات بفمه في نفس اللحظة التي جلست فيها هدى، فابتلعها بسرعة ليتمكن من الحديث.
قال:
- مرحبا، أنا حسن. أنا آسف.. لقد إعتقدت أنك ستتأخرين، و بصراحة لم يتسنى لي الوقت لأحضى بفطور مناسب في المنزل، لذا قررت طلب شيء بسيط لتناوله.
ابتسمت هدى:
- لا بأس.
ثم قالت في نفسها:
(أيسمي كل هذا الأكل شيئا بسيطا؟.. أخشى أن أكون أنا الوجبة الرئيسية في حال أكمل طعامه و بقي يشعر بالجوع)
أشار حسن بيده و قال:
- عصير الفراولة بجانبك.
نظرت هدى لعصير الفراولة ثم قالت:
- أنا بخير، لست أشعر بالعطش.
- لا.. أنا أعني ناوليني عصير الفراولة.
أحست هدى بالغباء أكثر منه من الإحراج، فلو أنها قرأت أفكاره لما وقعت في هذا الموقف الغريب. لم تجد ما تقوله فأمسكت كأس العصير و ناولته إياه في صمت.
قالت هدى في نفسها و هي تراقب حسن كيف يشرب العصير تباعا دون ان يأخذ نفسا واحدا:
(يا للهول، إنه آلة أكل متنقلة، إن كل أفكاره منحصرة على الطعام. انتظر لحظة.. من هذا الذي لم يصل بعد.. هل ينتظر شخصا ما؟، شخصا غيري؟)
وضع حسن الكأس الفارغ جانبا، لقد بدا من نظرات عينيه أن عصير الفراولة قد أعجبه.
صاح فجأة:
- أيها النادل.
ثم نظر نحو هدى:
- هل ترغبين بشيء ما؟.. على حسابي بالطبع.
أجابت هدى:
- شكرا، أنا بخير.
ثم قالت في نفسها:
(يبدو أن شهيته لا تزال مفتوحة بعد أن أنهى تقريبا نصف ماهو موجود فوق الطاولة)
كان سامي قد وصل للطاولة.
قال بلباقة:
- كيف يمكنني مساعدتك؟
أجاب حسن:
- أريد كأسا آخر من عصير الفراولة.
- على الفور، هل من طلب آخر؟
- لا، هذا يكفي.
ابتسمت هدى و قالت في نفسها مجيبة عن سؤال سامي:
(أجل، اتصل بالإسعاف و أخبرهم بأن يستعدوا، أعتقد أنه على وشك الإنفجار.)
كان سامي قد ابتعد عندما همهمت هدى بصوت مسموع حتى تجذب انتباه حسن إليها، فقد كان منشغلا بملئ فمه بقطعة من فطيرة تفاح مغطاة بالعسل.
قالت هدى:
- من الواضح أن علاقتنا لن تنجح، فأنا و أنت.. كما ترى، ليس لدينا أي أدنى نقاط تشابه.
قال حسن مندهشا:
- حقا؟
كان كلامه بالكاد مفهوما، ففمه لا يزال ممتلئا عن آخره.
- أجل، من الواضح أنك لست مهتما بالزواج في الوقت الراهن، ألست محقة؟
هز حسن رأسه بالإيجاب.
- لا بد أيضا أن والدتك هي من إقترحت عليك مقابلتي.. أو ربما أجبرتك على هذا.
هز حسن رأسه بالإيجاب مرة أخرى, ثم قال:
- أجل, هذا صحيح. كيف عرفت هذا؟
أجابت هدى بغير إهتمام:
- حسنا، أعتقد أن هذا لا يهم الآن, لكن الشيء المهم هو أن موقفى مشابه تقريبا لموقفك، لذلك لدي هذا الإقتراح الذي سيعود بالفائدة على كلينا.
كان قد ابتلع الطعام و أصبح فمه فارغا، فقال:
- أي إقتراح؟
- سأتركك لتنهي طعامك و عندما تعود لمنزلك ستخبر أمك بأنك قضيت وقتا ممتعا، لكن للأسف لم تشعر بالإنسجام معي و لا تعتقد بأن علاقتنا ستنجح. و بالنسبة لي فإنني سأخبر أهلي بنفس الشيء، و ذلك لتكون قصتنا متطابقة.
- أجل، يبدو هذا مناسبا لي.
ثم أخذ كأس عصير الفراولة الذي وصل للتو فشرب نصفه في نفس واحد ثم وضعه جانبا.
كانت هدى مستعدة للمغادرة لكن فضولها لمعرفة الشخص الذي ينتظره حسن منعها من ذلك، لكن كيف تسأله دون أن تثير شكه، هذا ما لم تجد إجابة له.
قالت حتى تبرر بقائها لوقت أطول:
- سأنتظر قليلا ثم أغادر، حتى يبدو أننا قد قضينا بعض الوقت مع بعضنا البعض.
لم تمضي عشر دقائق حتى انكشف لهدى سر هذا الشخص الغامض الذي ينتظره حسن، فقد تقدم نحوهما رجل مهندم و أنيق، في منتصف العمر، و يحمل علبة بيتزا في يده.
قال:
- سيدي، لقد أحضرت البيتزا التي طلبتها.
قال حسن و قد بدت السعادة تتشكل على وجهه و بدأ لعابه يسيل من الرائحة الشهية:
- حسنا، ضعها هنا و انتظرني في السيارة إلى أن أنتهي من موعدي.
قال الرجل:
- كما تشاء يا سيدي.
ثم.. قبل أن يغادر، نظر نحو هدى و قال بلباقة:
- آنستي.
كان هذا الرجل سائقه الخاص، مساعده، و منفذ جميع رغباته دون كلل أو ملل. عندما نظرت هدى إليه أحست بالفضول، فهو لم يبدو سعيدا لكنه أيضا لم يبدو تعيسا، بدا و كأنه.. رجل آلي خالي من المشاعر، مبرمج فقط على الطاعة و لا شيء آخر غير الطاعة، حتى أنها عندما قرأت أفكاره لم تجد أي شيء مهم، فقد كانت كل أفكاره تتعلق بأشياء يجب أن يفعلها من أجل حسن، و كأن هذه المعاملة الباردة و المتعالية من طرفه لا تؤثر فيه، فهو ينصاع لجميع أوامره بقلب رحب و إبتسامة دائمة.
وقفت هدى و نظرت نحو حسن المنغمس في أكل البيتزا، بدت فجأة مستعجلة للمغادرة.
قالت و هي تتجه نحو الباب:
- سأغادر الآن.. لا تنسى ما اتفقنا عليه.
لم تنظر خلفها، و لم تنتظر لسماع ما قاله حسن، فعلى الأغلب أنه هز رأسه في صمت بإعتبار أن فمه ممتلئ عن آخره. وقفت أمام المقهى و نظرت حولها، ثم اتجهت نحو السيارة الفارهة الوحيدة الموجودة في ذلك الشارع، فقد أرادت التحدث قليلا إلى السائق الخاص بحسن.
بالنسبة للسائق فقد كان واقفا بجانب السيارة يدخن سيجارة، و عندما لمح هدى متجهة نحوه أطفئ السيجارة بسرعة و تقدم نحوها.
قال بلباقة:
- آنستي.. هل كل شيء بخير؟
أجابت هدى:
- أجل.. أجل، لقد كنت مغادرة بدوري، لكن أردت أن أتحدث إليك قليلا قبل ذلك.
بدا السائق مشوشا، قال مترددا:
- تتحدثين إلي؟.. هل.. ارتكبت خطأ ما؟.. هل أرسلك سيدي إلي؟.. هل هو غاضب مني؟
فقاطعته هدى على الفور، لقد بدا لوهلة أنه لن يتوقف أبدا عن الحديث.
- لا.. لا تقلق، لا علاقة لحسن بما أريده. إنه لا يعلم حتى بوقوفي هنا بجانبك.
هدأ السائق قليلا.
أخذ نفسا عميقا و قال:
- حسنا، هذا مطمئن.
قالت هدى بفضول:
- أريد فقط أن أعرف.. لماذا تقوم بهذا العمل؟
- لأنه مورد رزقي.
- أعرف هذا.. لكن أنا أقصد.. كيف أفسر هذا؟.. أنت تقوم بهذا العمل و كأنك مجبر على القيام به، أنا لا أقول بأن العمل كسائق أمر مخجل أو أقل قيمة من الأعمال الأخرى، لكن أنت تبدو لي و كأنك تمتلك إمكانيات تخول لك الحصول على ماهو أفضل، بدل العمل لدى ولد مدلل يعاملك بإزدراء.
ابتسم السائق و أطلق ضحكة صغيرة.
قالت هدى:
- هل قلت شيئا مضحكا.
أجاب السائق:
- على العكس، ما قلته صحيح تماما. أنا فقط.. أنا أعني بأنني أحسست للحظة و كأنك داخل عقلي تقرئين أفكاري.
قالت هدى في نفسها:
(رغم ذلك حتى و إن أخبرتك بأنني قادرة على قراءة الأفكار لا أعتقد أنك ستصدقني)
- إذن أنت تريدين لماذا أستمر بهذا العمل رغم قدرتي على الحصول على ماهو أفضل.
- أجل.
- قبل أن أجيبك دعيني أطرح عليك أنا سؤالا، فأنت تبدين لي أذكى مما يظهر عليك.
أحست هدى بالفضول:
- أجل، أنا أستمع.
- على أي أساس يقوم الإنسان بإختيار العمل الذي يراه مناسبا له؟
- العديد من الأشياء مثل المال أو المكانة الإجتماعية أو الهدف الذي يطمح للوصول إليه.. أو ببساطة لأن العمل الذي يختاره يكون نفسه العمل الذي يحبه و يريد القيام به.
- كل ما قلته صحيح، لكن هناك شيء آخر، شيء أهم.
- ماذا يكون؟
- الأولويات.
- ماذا تكون هذه الأولويات بالنسبة لك؟
- العائلة بالطبع، فأنا في الأصل أعمل كمحاسب، و عندما بدأت العمل قبل خمسة و عشرين سنة لدى والد حسن كنت أطمح للكثير من الأشياء، و كنت أعمل ليلا نهارا حتى أصعد لأعلى المراتب، في ذلك الوقت تعرفت على زوجتي و تغيرت أولوياتي خاصة عندما أنجبت إبننا الأول، عندها أدركت أن العمل ليس كل شيء.
قالت هدى بإستغراب:
- مازلت لا أفهم ما علاقة هذا بعملك كسائق؟
- بالطبع، سأخبرك على الفور. في أحد الأيام، أثناء بداية مسيرتي المهنية كمحاسب، كنت في إستراحة غدائي، و في العادة كنت أتناول الطعام في سيارتي، في ذلك الوقت كان المدير مغادرا، لكن لسبب ما تعطلت سيارته و أبت أن تشتغل، عندها لمحني داخل سيارتي فتقدم نحوي و سألني إن كنت قادرا على إيصاله فهو مستعجل و لا يستطيع الإنتظار حتى إصلاح سيارته. بالطبع لم أستطع رفض طلبه فأوصلته حيث يريد ثم انتظرته مدة نصف ساعة تقريبا، ثم إنطلقنا مجددا نحو مدرسة إبنه حيث حملته بدوره و أوصلتهما لمنزله. في اليوم التالي استدعاني لمكتبه و أخبرني أنه معجب بقيادتي و شخصيتي و هو يرغب بأن أكون سائقه الخاص، حيث قدم لي الكثير من الإمتيازات مثل مضاعفة راتبي و تقليص ساعات عملي.
- هل وافقت على الفور؟
- بالطبع، كانت فرصة لا تعوض، فتحقيق الإستقرار المادي و تقليص ساعات العمل قد ضمنا لي أن أقضي المزيد من الوقت مع عائلتي.
قالت هدى في نفسها:
(لقد وضع مستقبل عائلته أولوية له)
ثم قالت:
- لو عاد بك الزمن هل تكرر نفس الشيء؟
- بلا شك سأختار نفس القرار. حسنا.. ربما كنت قد اخترت الطريق السهل بدل تجربة حظي في عالم الأعمال، و أنا ربما كنت سأصل لمراتب عليا كمحاسب و كنت سأكون ثروة كبيرة، لكن هذه المراهنة حتى و إن نجحت فهي ستسلب مني الكثير من الوقت و الجهد الذي كنت سأوفره لعائلتي، و خير مثال على ذلك هو العلاقة بين سيدي حسن و والده، فإنغماس والده الدائم في العمل جعلت علاقتهما باردة و تقتصر فقط على لقاءات قصيرة لا تتجاوز الدقائق القليلة كل يوم، هذا إن تقابلا من الأساس.
قالت هدى في نفسها:
(إن فكرت مليا في الأمر فهو تقريبا يصف علاقتي بأبي، أنا لا أقول بأن علاقتنا سيئة أو باردة لكن أنا بالكاد أراه من كثرة إنشغاله بعمله)
كانت قد سرحت قليلا و عندما رفعت رأسها رأت السائق ينظر نحو هاتفه ثم يضعه في جيبه.
قال السائق:
- أنا أعتذر فأنا علي الذهاب، لقد أرسل سيدي في طلبي.
أجابت هدى مبتسمة:
- شكرا على وقتك.
ثم همست في نفسها:
(إنه رجل ذكي، من الجيد أنني تحدثت إليه، أظن أنه علي أن أفكر بدوري في تحديد أولوياتي أنا أيضا.)