غموض الجبل القاسي (غِل وضحِكات)
(غِل وضحِكات)
.........
(غِل وضحِكات) ﷽
بينما كان "الجبل" وأمينة يتناولان الإفطار مع العائله في هدوء حذر بدار الملاح،
كان بيت الحاج حماد يغلي بالحديث عن "هند" والوضع الجديد.في منزل الحاج حماد،
كان الجميع ملتفين حول مائدة الإفطار، لكن عقولهم كانت في دار الملاح.
فارس (بتعجب): "كيف يا ماي؟ خالي مقالكيش على جواز بنته واصل؟"
أم أمينة (بقلة حيلة): "والله يا ولدي اتفاجئت كيفكم بالظبط.. مكنتش أعرف إنها مدبرة لكل ده."
هنا تدخلت "فاتن" بصوت فيه الكثير من التأكيد: "بس أنا متفاجئتش!"
انتبه الجميع لها، فسأل فارس: "يعني إيه؟"
فاتن: "لما رحنا صبحية أمينة، كانت هند ودياب بيبصوا لبعض بطريقة تأكد إن كان فيه حاجة بينهم ."
الحاج حماد (بصوت آمر): "خلاص.. افطروا وأنتوا ساكتين، الموضوع ده اتقفل."
لكن "بكر" لم يستطع الصمت، فقال بمرارة: "والله هند تستاهل العيلة دي وتليق فيهم، لكن أمينة له.. رغم إننا كلنا قسينا عليها، بس مكنتش تستاهل الوقعة دي، دا غير (جبل).. أتقل دم عرفته في حياتي!"
مروة: "ده بقالها كام يوم متجوزة وما كملتناش واصل.. مش عارف يجيبلها تليفون ولا هو فقير؟"
الحاج حماد (بحدة): "بكر! كمل أكلك عشان تطلع على شغلك.. وأنتي يا مروة، عيب، واحد ومراته هو حر في ماله وفي بيته."
ساد الصمت قليلاً، قبل أن تنطق "أم أمينة" بقلق الأم: "معاكم حق من يوم صبحيتها مسمعناش حسها.. قلبي واكلني عليها، خايفة يكونوا شيلوها ذنب جوازة هند وبقوا يعاملوها عفش."
فارس (مطمئناً أمه): "خلاص يا ماي.. لما نرجع الليل إن شاء الله، هخليكي تكلميها من تليفون جوزها ونطمن عليها."
ـــــــــــــــ
في تلك الأثناء بدار الملاح..
كان جبل ينهي إفطاره، وعينه تلمح "ملاح" وهو يمازح دياب، بينما هند تراقب المشهد بابتسامة صفراء، تنتظر خروج الرجال لتبدأ في بث سمومها.
ــــــــــــــــــ
في وقت الظهيرة، اجتمعت النساء في المطبخ كالمعتاد لتجهيز طعام الغداء. حاولت هند أن تضع يدها في الطعام، لكن سمية استوقفتها بحدة:
سمية: "أنتي ملكيش دعوة بالوكل.. إحنا بنعمله، أنتي امسحي، او اكنسي، شوفي مصلحة غير دي."
هند (بمياعة وقلة حياء): "لا.. أنا هطلع أنام، جتتي مكسرة من سلفك! كأنه مشافش حريم قبل كدة هد حيلي طول الليل !"
وقع الكلام كالصاعقة على مسامع الجميع. شهقت أمينة من الذهول،
بينما اعتصر قلب عبير ألماً، وانهمرت الدموع من عينيها كالجمر وهي تجري لغرفتها لتداري انكسارها. في تلك اللحظة،
دخلت الحاجة صفاء وكأنها إعصار:
الحاجة صفاء (بصوت يزلزل المطبخ): "اتحشمي يا قليلة الرباية! المسخرة دي تتكلمي فيها هناك عند أمك، مش في دار الملاح! هنا تتأدبي وتتكلمي زين.. غوري على شقتك!"
خرجت هند سريعة وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة، وصعدت لغرفتها هرباً من نظرات الحاجة صفاء القاتلة. التفتت الحاجة صفاء لسمية وقالت بلهجة آمرة:
الحاجة صفاء: "انتي مكاني لو أنا مش موجودة.. لو الفاجرة ديتي ضايقت عبير بكلمة، أوعاكي تسكتي! أنا اللي بقولك أهه، هحاسبك أنتي.. سامعة؟"
سمية: "حاضر يا ماي.."
ثم وجهت الحاجة صفاء نظرها لأمينة التي كانت تقف مرتعشة من هول الموقف:
الحاجة صفاء: "البت دي طبعها إيه؟ وإيه المسخرة اللي بتقولها دي؟ هي كدة دايماً؟ دي عادتها؟"
أمينة (بارتباك): "لا والله يا ماي.. كانت عادي، معرفش مالها جرا لها إيه!"
******
في المساء، اجتمع آل الملاح حول المائدة. نزلت هند وهي تنشر عطرها الفواح في المكان، ومرت بجانب جبل الذي كان يستعد للجلوس، فالتفت بعيداً بضيق حتى مرت. بدأ الجميع في الأكل،
وفجأة ارتسمت علامات الاستمتاع على وجه الحاج بكري.
الحاج بكري: "الله! الملوخية زينة قوي النهاردة.. تسلم إيدك يا أم فاروق."
جبل (بتلقائية وهو يتذوق الطعام): "صح يا بوي.. الظاهر الحاجة صفاء اتنازلت ودخلت المطبخ النهاردة."
غمزت سمية لأمينة وهي تبتسم،
بينما قالت الحاجة صفاء بمكر: "له.. كدة أزعل! معرفتوش تفرقوا بين وكلي و وكل غيري؟"
ملاح (ضاحكاً): "مش محتاجة نباهة.. تسلم يدك يا بت يا ماي!"
فاروق (يخبط كتف ملاح): "مش قولنا بلاش 'يا بت يا ماي' ديتي؟ احترم شيبتها!"
ضحك الجميع في جو عائلي دافئ،
لتقطع الحاجة صفاء الشك باليقين: "له.. دي ملوخية أمينة."
الحاج بكري (بإعجاب): "آه.. قولي كدة! طلعت مرت ولدي نَفَسها طيب في الوكل."
تسلم يدك يا بتي.
خجِلت امينه من مدحهم قليلاً.
نظر جبل بابتسامة خفيفة جداً لأمينة، وكأنه فخور بها، لكنه بمجرد أن لمح نظرة سمية المنتبهة له، عاد لوجهه الجمود فوراً. أما هند، فكانت تجلس كأنها على جمر، تنظر لأمينة بحقد أسود؛
فالجميع يمدح "بنت عمتها" وهي لا أحد يلقي لها بالاً.
********
في البرنده
بعد العشاء، خرج الرجال للحديث، بينما وقفت سمية قلقة تنظر نحو بوابة الجنينة.
أمينة: "مالك يا سمية؟ واقفة كدة ليه؟"
سمية: "أخويا اتأخر بالعيال قوي.. قلقت."
أمينة (باستغراب): "عيال مين؟"
سمية (بابتسامة حانية): "عيالي.. بكري ويوسف."
أمينة: "صوح! قالوا إنك معاكي ولدين بس مشفتهمش من ساعة ما جيت."
سمية: "أيوه.. أمي لما جت فرحكم خدتهم وهي ماشية، قالت يقعدوا معايا يومين على ما الدنيا تهدى في الدار ، وأهوه أخويا جايبهم دلوك."
كانت سمية تقف مع أمينة بانتظار وصول أخيها. وما إن ظهر طيفه من بعيد،
حتى انقبضت أسارير جبل؛
فرغم أنه أخو سمية، إلا أن جبل لا يحب أن تقع عين غريب على أهل بيته، فما بالك بزوجته!
تنحنح جبل بصوت جهوري (كحة مسموعة) وهو ينظر لأمينة بحدة. فهمت أمينة الإشارة فوراً، فأومأ لها برأسه آمراً إياها بالدخول قبل أن يخطو أخو سمية خطوة واحدة داخل البرندة. دخلت أمينة مسرعة لغرفة عبير لتجدها في حالة ترقب وفرح.
عبير (بلهفة): "بكري ويوسف جُم؟"
أمينة: "أيوه لسه واصلين بره "
عبير: "الحمد لله.. الدار كانت ناقصاهم."
أمينة (بابتسامة): "شكلك بتحبيهم قوي يا عبير."
عبير: "قوي.. دول ولادي أنا كمان، هما اللي كانوا مهونين عليَّ الوحدة."
أمينة: "عقبال يا رب ما تشيلي ولدك في حضنك وتفرحي بيه."
عبير (بأمل مكسور): "آمين يا رب.. وأنتي كمان يا منّة، تشيلي ولد الجبل وتملي بيه الدار."
فجأة، انفتح الباب ودخل الصغيران (بكري 6 سنوات، ويوسف 4 سنوات) كالإعصار، وارتميا في حضن عبير التي استقبلتهما بقبلات حارة.
عبير: "كل دي غيبة؟ ولا جدتكم خلتكم نسيتونا ؟"
التفت بكري (الطفل الأكبر) نحو أمينة بعينين واسعتين وقال ببراءة: "دي مرت عمي جبل؟"
عبير: "أيوه يا بطل.. إيه رأيكم فيها؟"
نظر بكري الصغير لأمينة بإعجاب شديد وقال بعفوية: "حلوة قوي.. مـزّة!"
تسمرت أمينة مكانها من الصدمة والضحك، بينما لطمت عبير على وجهها ووضعت يدها بسرعة على فم الصغير وهي ترتجف من الضحك والخوف: "إيه ده؟ يخرب بيتك يا واد!
جبت منين الكلام ديتي؟"
يوسف (الأصغر): "خالي محمد بيقول كدة!"
عبير (بتحذير وهي تضحك): "اسكت أنت وهو! أوعاكم تقولوا كدة قدام حد واصل.. والله عمكم جبل لو سمعكم يموتكم ويقطع خبركم وخبر خالكم محمد معاكم!"
احتضنت أمينة الصغيرين بحب وقبلتهما، وشعرت بدفء لم تشعر به منذ دخولها الدار. في تلك اللحظة دخلت سمية لتطمئن على ولديها، فاستقبلتها عبير بضحكة مكتومة:
عبير: "الحقي يا سمية.. الحقي شوفي ولدك بيقول إيه!"
سمية (بقلق مصطنع): "إيه؟ لحقتوا تعملوا مشاكل من أول دقيقة؟"
عبير: "قول لأمك يا بكري قولت إيه."
نظر بكري لأمه بكل ثقة وبراءة: "مرت عمي جبل مزة يا ماي!"
شهقت سمية وضربت على صدرها: "يا مري! إيه الكلام ده؟ اوعاك تقول كدة واصل.. عيب، أبوك يقص لسانك لو سمعك!"
عبير (وهي تضحك بهستيريا): "أبوهم اللي يقص لسانهم؟ ولا عمهم جبل اللي هيطير رقبيهم؟"
أمينة (بمحاولة لتهدئة الموقف وهي تداعب بكري): "عادي يا جماعة مكبرين الموضوع ليه؟
الواد بيفهم في الغزل أهو..
هو كمان (مز) ولا إيه يا بكري؟"
بكري (بفخر): "أيوه.. أنا كمان مز يا ماي!"
انفجر الجميع في ضحك عالي ملأ الغرفة، ونسوا للحظة أن جدار الغرفة خلفه رجال لا يقبلون "بصوت الحرمة" أن يخرج.
لم تمر لحظات حتى طُرق الباب بقوة وهدوء في آنٍ واحد. فتحت سمية الباب لتجد "ملاح" واقفاً وعلى وجهه ابتسامة يحاول إخفاءها.
ملاح: "فاروق بيقولكم وطّوا صوتكم شوية.."
سمية (باحراج): "ليه؟ هو صوتنا طلع لبره؟"
ملاح (بغمزة): "الشارع كله سمع الضحك يا مرت اخوي.
وجبل وشه اتقلب، فالأحسن توطوا حسكم."
سمية: "خلاص.. حاضر، هنوطي صوتنا."
أغلقت سمية الباب والتفتت لهن وهي تضع إصبعها على فمها: "هس.. سمعتوا؟ جبل وشه اتقلب، يعني الليلة هتقلب نكد لو مسكتناش."
ساد الهدوء الغرفة، لكن العيون كانت لا تزال تلمع بالضحك.
في الخارج، كان جبل جالساً يفرك سبحته بعصبية، وصوت ضحكة أمينة لا تزال ترن في أذنه.. ضحكة كانت جميلة لدرجة أنها أزعجته، لأنه لا يريد لأحد غيره أن يسمع عذوبتها.