رواية ملكٌ على حافّة العدم: (الفصل الأول) الدفء قبل الانهيار
الدفء قبل الانهيار
.........
لكي تقضي على الشرّ، عليك أن تصبح شرًّا أعظم منه.
فماذا تفضّل أن تكون؟
بطلًا محبوبًا...
أم شريرًا قاتلًا؟
البطل يضحّي بمن يحبّ، لأجل عالمٍ قد لا يتذكّره.
أمّا الشرير، فيضحي بالعالم كلّه لأجل من يحب.
لكن...
كيف يصبح الإنسان شريرًا؟
وهل يولد الشرّ فينا منذ البداية؟
أم أن الانكسارات المتتالية هي ما يجعل القلب مظلماً و بارداً؟
لا أزال أسأل نفسي:
من أنا حقًّا؟
رجلٌ طيّب؟
أم شريرٌ فقد دفئه؟
ومهما كانت حقيقتي، فلن أنسى أمرها ما حييت...
حتى لو ابتلع الظلام قلبي،
وأسدل الستار على بصيرتي،
ستبقى هي كلّ ما أملك،
حتى لو خسرتُ نفسي.
لم أكن غنيا، ولم أكن قويًا… كنت مجرد فتى في السابعة من عمره، أعيش تحت سقفٍ يكاد أن ينهار، تحيط بي جدران هزيلة بالكاد تصمد.
حين تهب الرياح العاتية، كانت أمي، بنظرتها الحنونة، ترتجف خوفًا على بيتنا الصغير… وترجوا ألا ينهار فوقنا سقفنا الهش، ألا نُبتلع نحن وذكرياتنا قبل أن نكبر.
والدتي… أديان.
اسمها يوحي بعظمة الروح، كأنها عالم كامل ينبض بهدوء وسلام، حتى وإن اشتدت حولنا عواصف الحياة.
كانت أشبه بالمعجزة… لطيفة حدّ أن الظلام نفسه يلتفت بخجل أمام نورها.
كنت أحبها… أعشقها حبًا يجعل قلبي يخفق في كل لحظة تمر بها، وما زلت أحبها إلى اليوم، بكل تفاصيلها، بكل أنفاسها.
والدي… أودين.
قلبه صلب، وملامحه باردة، وهدوؤه يوحي بالقوة والهيبة. لكنه، رغم كل ذلك، أصبح لي عالمًا… أصبح يلين أمام حنّة والدتي، أمام ابتسامتها… أمام كل ما هي عليه.
كيف استطاعت والدتي أن تصنع هذا المستحيل؟ أن تكسر صلابة الرجل… وتجعله يحبها كما لم يحب أحدًا؟
كنت أنا، إيلينور، الابن الوحيد لهذه العائلة… لم نكن الأغنى، ولا الأقوى، لكننا كنا أسعد عائلة، محبّة، صادقة… نقف جنبًا إلى جنب، رغم كل ما يحيط بنا.
كنا نعيش في أفقر بيت بالقرية، ضيق، متعب، لكن مليء بالدفء والحب.
أبي لم يكن قادرًا على العمل بسبب إصابة أصابته منذ زمن، فكانت أمي تعمل في المخبز طيلة النهار، تجمع القروش القليلة، لتبقي على بيتنا، على دفء عائلتنا.
ومع كل هذا، كنا سعداء… أكثر من أي شخص آخر.
كنت أنتظر أمي كل يوم أمام المخبز بعد المدرسة، لنرجع معًا إلى بيتنا الصغير، حيث تمسح وجهي من التراب ودموع صغيرة كانت تلطخ وجنتي، لتبقى ابتسامتها تحرسني من غضب أبي على أهل القرية.
في المدرسة، لم يترك الأطفال فرصة إلا وأصابوني بأذى: ركلات، نكات، ألقاب مؤذية.
كنت “ابن الشيطان” بالنسبة لهم… بسبب عيون أبي الذهبية.
كيف يجرؤون أن ينطقوا بهذا الكلام عن أبي؟ " "
" ألا يعرفون أنه لطيف؟ ألا يعرفون أنه أعظم من أن يقاس بعالمهم القاسي؟ "
كنت أسأل نفسي كل يوم...
لكن والدتي… كانت تشرح بصمتها. كانت تحكي لي عن بطولات أبي، عن قوته التي لا يراها أحد، عن قلبه الذي يحبني ويحبها...
حتى بدأت أرى فيه فارسًا نبيلاً، خرج من قصص الخيال، ليحرسني أنا وأمي من كل العالم.
مرّت الأيام… كأنها صفعة واحدة طويلة، كل يوم يشبه الذي قبله، كل ضربة تراب على وجهي تذكرني بما سأواجه غدًا.
لكن ذلك لم يمنعني من انتظار ابتسامتها، من الانتظار أمام باب المخبز، من انتظار دفئها حين أجد ثيابي متسخة قليلاً، أو قديمة، لكنها كانت دائمًا نظيفة في عينيها.
وعندما استقبلنا أبي في البيت، كانت عيونه الحمراء كالشمس حين تغيب خلف الغيوم، ساحرة… مخيفة… محبّة...
كنت أتساءل دائمًا، كيف يمكن لهذه العيون أن تجعل الناس يرتعبون، بينما هي تجعلني أشعر بالأمان… بالحب… بالدفء.
كان أبي قد أعدّ لنا مائدةً صغيرة، جمع فيها كل ما تبقّى في بيتنا من طعام.
كانت مائدة فقيرة في عيون الناس، لكنها في عينيّ كانت أبهى مائدة رأيتها في حياتي.
فأبي وأمي كانا يجلسان معي حولها… وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها وليمة ملوك.
تسامرنا، وضحكنا، ولعبنا معًا طيلة الليل.
كنت أضحك من قلبي… من ذلك المكان الطريّ الذي لم تلمسه الحياة بعد.
حتى ثقل جفناي، وسقطتُ ببطء في حضن أمّي، كأنني أعود إلى مكاني الطبيعي في هذا العالم.
لكنّ القدر شاء أن تبقى روحي مستيقظة للحظة أخيرة...
لحظة سمعتُ فيها صوتيهما.
بدأ أبي الكلام بنبرة هادئة، وهو يتأمّلني، وقال بصوتٍ خافت كأنه يخشى أن يوقظ حزنه:
يبدو أن إيلينور سعيدٌ اليوم… أتمنّى أن يبقى كذلك للأبد. " "
قالت أمي وهي تمرّر أصابعها برفق في شعري الطويل:
" هو سعيدٌ لأنه يمتلك أبًا رائعًا مثلك… رغم أنه لا يعلم أنك أنت من تصدّيتَ لأطفال المدرسة الذين يضايقونه. "
شكرًا لك يا عزيزي… لأنك أبٌ رائع لابننا الصغير. " "
وفجأة...
انهار صوت أبي.
سمعت أنينه يخرج بلا قوّة، كأن شيئًا في داخله قد انكسر، ثم قال بصوتٍ مخنوق بالدموع:
" لم أكن أظن أن البشر الذين ساعدتهم يومًا… يمكن أن يكونوا بهذه الوحشيّة. "
تبًّا لهم جميعًا… أريد أن أحرقهم في لحظة واحدة." "
ابتسمت أمي… تلك الابتسامة التي كانت دائمًا تطفئ حرائق العالم، وقالت برفق:
لا تفكّر هكذا يا عزيزي… فابننا هو أيضًا من البشر. ""
ساد صمت قصير... ثم قال أبي بصوتٍ أهدأ، أكثر انكسارًا.
أعتذر أديان لقلّة صبري… لكنني أكره أن أرى ولدي مصابًا كل يوم بسببي.
قاطعتْه أمي بصوتها الرقيق، كأنها تضمّ قلبه بكلماتها:
لو رأيت كم يحبّك ابننا... " "
دائمًا يخبرني أنك أفضل أب في العالم. " "
هو يحبك كثيرًا يا أودين... " "
نحن محظوظان لأننا نملك هذا الطفل الشجاع. " "
صمت أبي للحظات... ثم رفع رأسه نحوها. كان يبتسم… تلك الابتسامة الرقيقة التي لم أرَها إلا نادرًا، بينما كانت الدموع تنساب من عينيه بصمت.
كنتُ قد فتحتُ عينيّ قليلًا… أسترق النظر إليهما من حضن أمّي.
رأيت أبي… ورأيت أمي... ورأيتُ عالمي كله في تلك اللحظة.
قالت أمي بهدوء:
هيا يا عزيزي… لنذهب إلى النوم. لا بدّ أنك متعب من عمل اليوم. " "
وانقضت تلك الليلة...
بكل هدوءٍ...
بكل أمانٍ...
كأن العالم، في تلك الساعات القليلة، كان لا يزال مكانًا رحيمًا.
في صباح ذلك اليوم، كان الثلج يتساقط بهدوء على القرية، كأنه يغطي كل شيء ببطانية بيضاء هادئة. كانت المدرسة في إجازة، لذلك بقيتُ مع والدي، بينما ذهبت أمي إلى المخبز القريب لتعمل، تاركة البيت يعجّ بسكون الشتاء. جلستُ على سريري، أراقب الصور في إحدى القصص التي أهداني إياها أبي. كانت الصور كنافذة لعوالم بعيدة، لكنها لم تقترب أبدًا من الدفء الذي أشعر به.
سمعتُ طرقًا خفيفًا على الباب، وصوت أبي المألوف:
" هل تسمح لي بالدخول يا إيلينور؟ "
ابتسمتُ من قلبي، وقلت بصوت عالٍ ومرح:
بالطبع، أبي! " "
دخل أبي غرفتي، وجلس بجانبي على السرير، وعيناه تتلألأ بالحب والسرور.
قال بنبرةٍ حنونة:
يبدو أنك في كامل طاقتك اليوم، إيلينور. " "
ماذا تقرأ؟ أرى أنك لا تزال تغوص في آخر رواية أهديتك إياها. ""
ثم ابتسم، وكأن لديه مفاجأة، وقال:
ماذا لو أقصّ عليك اليوم رواية غريبة… خيالية؟ ""
اتسعت عيناي من الدهشة، وارتفع صوتي بلهفة:
موافق! موافق! موافق!... " "
ابتسم أبي أكثر، وعدّل جلسته ليقترب مني أكثر.
رفعني برفق ووضعني بجانبه، لأشعر بدفء جسده وأمان حضنه.
ثم أخرج كتابًا من خلف ظهره. كان قديمًا ومهترئًا، صفحاته متعبة من الزمن، لكنه بالنسبة لي كان كنزًا لا يُقدّر بثمن.
هل أنت مستعد يا ولدي؟ " "
أومأتُ رأسي بحماس.
فتح والدي الكتاب أمامي، وصوتُه بدأ ينساب كنسيم هادئ، يحكي لي قصةً كانت على وشك أن تأخذني إلى عوالم لم أرها من قبل.
.........
منذ قديم الزمان، يحكى أنه في زمنٍ غابر، قبل أن يسود هذا العالم السلام الهش، كانت نار الحروب تلتهم الأجناس بلا رحمة.
كان العالم مكوّنًا من سبع ممالك عظيمة، تفصل بينها البحار الهائجة، الغابات الكثيفة، والجبال العاتية...
أماكن محظورة ومظلمة تنتشر بينها، يهابها الجميع، وتكتنفها أسرار لم تجرؤ عين على رصدها.
عاشت في هذه الممالك أجناس متعددة… لكن سوء الحظ جعل الحروب الدامية تستعر بينهم، حتى غدت الأرض كلها ساحة لاقتتالٍ لا نهاية له.
لم ينجُ أحد من وطأة هذه الحرب، حتى الأشجار احترقت، والورود ذبلت، والأنهار ارتوت بدماء الأبرياء.
من بين هذه الأجناس، كانت هناك قبيلة قوية… قبيلة يكتنفها الغموض، معروفة بصلابتها التي لا تلين، وقوتها التي ترهب كل من يقف في وجهها.
كان حضورها يكفي لتزرع الرعب في القلوب، ويجعل الأعداء يرتجفون حتى قبل أن يرفعوا أسلحتهم.
كانت هذه القبيلة تنتمي لسلالة النار… سلالة غريبة، غامضة، تجنّبها الجميع لغرابة طقوسها وأفكارها التي تتجاوز فهم البشر.
أما البشر… فقد كانوا دائمًا يلجأون إلى سلالة النار طلبًا للحماية من بقية الأجناس، وكانت سلالة النار توافق… لكن مقابل شروط صارمة.
وكل مرة، كان البشر ينكثون عهودهم. حتى جاء اليوم الذي طالب فيه حاكم سلالة النار البشر بأن يختلطوا بسلالة النار، لأن نساء القبيلة كنّ قلة، وسلالة النار كانت على شفير الزوال.
لم يكن أمام البشر خيار سوى القبول، لكن قلوبهم كانت مليئة بالاحتقار تجاه أبناء النار، احتقار جعل التحالف هشًّا منذ البداية.
مرت مئات السنين، واستقر العهد، لكن البشر خانوا الاتفاق… اجتمعوا على القضاء على سلالة النار، معتقدين أنها أصبحت ضعيفة وفقدت قوتها.
سلالة النار كانت على شفا الانهيار، فقد سقط الكثيرون منهم في الحروب الماضية، وقلّ عددهم بشكل يثير الرثاء.
لكن غدر البشر كان أشدّ فظاعة… ففي ليلة مظلمة، لم يكن للقمر ضوء، انقضّت جيوش البشر على بيوت أبناء النار الذين تزوجوا النساء البشريات.
أحرقوا المنازل، وذبحوا الصغار، ولم يتركوا سوى آثار الدماء على الثلوج...
كانت مذبحة لم يجرؤ التاريخ على سردها، لشدّة وحشيتها… آلاف الأبرياء سقطوا في تلك الليلة، وكأن العالم تذكر أن الشر يمكن أن يكون بلا حدود.
وفي اليوم التالي، ظنّ البشر أن سلالة النار قد اختفت إلى الأبد...
لكن القليل من أفرادها نجا، هربوا قبل أن تمتدّ إليهم الرماح والسيوف، ووجدوا ملاذهم في الأماكن المظلمة لهذا العالم...
تلك الأماكن التي حذّر الجميع من الاقتراب منها، لأنها كانت مليئة بالغموض، ومهددة بالموت لكل من يجرؤ على الدخول.
ثم، بعد مئات السنين، بدا أن العالم قد نسي ما حدث… حتى البشر أنفسهم.
لكن شيئًا واحدًا بقي محفورًا في ذاكرة الجميع: تلك العيون الذهبية التي كان يمتلكها أبناء النار.
عيون لم تختفِ، عيون استمرت في مطاردة أحلام البشر وأوهامهم، رغم أنهم لم يعرفوا أبدًا الحقيقة كاملة… الحقيقة التي تقول إنهم نكثوا عهودهم مع سلالة النار منذ زمن بعيد.
ومع مرور الأيام، حلّ السلام على هذا العالم بعد معاناة طويلة، واتفق الجميع على العيش بسلام.
وبينما شعر الباقون من أبناء النار ببعض الأمان، قرروا العيش مع البشر… لكن بقلوب حذرة، وبعيون متيقظة دائمًا.
كنتُ أجلس بجانب أبي، بينما كان يقبّل صفحات كتاب قديم، ويُريني الصور التي تحكي قصة القبيلة...
ثم توقفت عيناي عند شيء غريب:
كل هؤلاء الذين في الصور… كانوا يمتلكون وشومًا غريبة على أيديهم.
قلتُ بدهشة:
أبي… هذه تشبه الوشوم الموجودة على ذراعك! " "
ابتسم والدي بخفّة، وعيناه تلمعان بلمحة سرّ:
هذه مجرد مصادفة، لا أكثر يا صغيري... " "
ثم تابع والدي سرد القصة، وصوتُه يأخذني بعيدًا في عالمٍ كان بين الحقيقة والأسطورة:
خسرت سلالة النار قوتها، لكنها لم تختفِ… بل خمدت.
اتضح أن الارتباط بالبشر يجعل قوة أبنائها كامنة في قلوبهم، لا تخرج إلا حين يفرض القدر ظروفًا معينة.
ولم يجرؤ أي من أبناء النار على إيقاظ هذه القوة في قلوب أطفالهم، خوفًا من أن يلاقوا نفس مصير أجدادهم… ذلك المصير المرعب الذي لا يعرف الرحمة.
منذ ذلك الحين، وحتى يومنا هذا، ما زال بعض أبناء النار يعيشون في الخفاء...
يخافون وشوم أيديهم، ويخفون عيونهم، ويتجنّبون البشر قدر الإمكان، كأنهم يحملون في عروقهم جريمة لم يرتكبوها.
…
إذًا، ما رأيك بهذه القصة يا إيلينور؟ " "
كنتُ مأخوذًا تمامًا بكلمات والدي. كان قلبي يخفق، وعيناي تلمعان، ولم أستطع أن أقول سوى كلمة واحدة.
راااائعة... " "
ضحك أبي بصوتٍ عالٍ، ضحكة دافئة تشبه حضنه، وبدأ يربّت على شعري بلطف وهو يقول:
" أنت أقربُ صديقٍ لي يا إيلينور... "
أنا محظوظٌ للغاية لأنني والدك. " "
وأنا أحبك كثيرًا. " "
همستُ وأنا ألتصق به أكثر:
" وأنا أحبك أيضًا يا أبي... وأحب أمي كثيرًا.... "
سكت قليلًا، ثم قال مبتسمًا:
بالمناسبة، لقد حان موعد عودة أمّك من العمل... " "
وفجأة..
دوّى صوت طرقاتٍ عنيفة وسريعة على الباب. انتفض والدي واقفًا، وتوجّه نحو الباب، فانطلقتُ خلفه دون وعي، كأن شيئًا داخلي كان يشعر أن هذا الصباح لن يبقى كما هو.
فتح أبي الباب... فاندفع رجلٌ غريب إلى الداخل.
كانت عيناه تشعّان باللون الذهبي، مثل عيون والدي… لكن بشكلٍ مخيف، كأن نارًا حبيسة ترتجف داخلهما. أمسك بكتفي أبي وبدأ يهزّه بعنف وهو يقول بصوتٍ متقطّع:
حلّت كارثة جديدة يا أودين... " "
البشر... ""
إنهم يحاولون القضاء علينا مجددًا... " "
علينا أن نهرب فورًا… حالًا! " "
بقي والدي صامتًا، كأن الكلمات اصطدمت بروحه قبل أذنيه. ثم نظر الغريب نحوي. كنتُ أتشبّث بساق والدي بكل قوتي. وحين تلاقت أعيننا، قال بصوتٍ خافتٍ لكنه حاد:
إن كنتَ تريد حماية ابنك… فعليك أن ترحل معي الآن. ""
وزوجتك... " "
أين هي الآن؟ " "
اتّسعت عينا والدي فجأة، وكأن الحقيقة سقطت على رأسه دفعةً واحدة.
أديان… زوجتي… لم تعد بعد. " "
ما زالت في الخارج. " "
عليّ أن أذهب إليها… الآن. " "
ارتدى معطفه بسرعة، وأخذ الكتاب القديم، ثم أمسك بيدي بقوة وطلب مني أن أرافقه. طلب الغريب أن يأتي معنا… فوافق أبي دون تردد. كانت الرياح تعوي، والثلوج تتساقط بكثافة، والبرد ينهش أطرافنا. لم يمضِ وقت طويل حتى وصلنا إلى المخبز الذي تعمل فيه أمي... لكنه كان مغلقًا.
وليس إغلاقًا عاديًا... كان المكان يبدو كأنه شهد عاصفة في داخله.
أغراض مبعثرة، صمتٌ ثقيل، ورائحة غريبة في الهواء.
نظرتُ إلى والدي، فوجدتُ فكه مشدودًا، وعينيه تضطربان بغضبٍ وخوف.
قال الغريب بتوتر:
يبدو أنه لا أحد هنا... ""
أودين، علينا البحث في مكانٍ آخر. " "
وقبل أن نتحرّك، نظرتُ إلى الأرض وتجمّدت.
أبي... هناك دماء... " "
كانت بقعًا صغيرة متناثرة فوق الثلج.
قلتُ ببراءة مرتجفة.
" هل… هل مات طائر هنا؟ "
في تلك اللحظة، شدّ أبي على يدي بقوة أكبر. نظرتُ إلى وجهه… فرأيت عينيه تتوهّجان بذهبٍ حيّ، مرعب، كأن شيئًا قد استيقظ داخله.
قال الغريب وهو ينحني قليلًا:
هناك دماء هنا أيضًا... " "
إنها تتجه نحو الغابة... ""
لم يقل أبي كلمة واحدة.
حملني فجأة واندفع راكضًا نحو الغابة، وتبعه الغريب. كان يركض بسرعة غير بشرية، كفهدٍ مفترس أو غزالٍ مذعور والغريب كذلك، عيناه تمسحان الأشجار كأنهما تبحثان عن شبح.
بعد لحظات، توقّفا. أنزلني أبي على الأرض، ثم قال للغريب بصوتٍ خافتٍ حاد أن يبقى بجانبي وألا يبتعد.
تقدّم وحده. كانت بقع الدماء تزداد... وتبدو، بشكلٍ مرعب، جميلة وهي تتفتح فوق الثلج الأبيض. تقدّم أبي أكثر... إلى أن وصل إلى بقعة كبيرة من الدم. كان الثلج المتساقط يبدأ ببطء يخفي معالمها حتى اتّضحت الرؤية أمامه.
كان هناك جسدٌ ممدّد فوق الثلج… ساكنٌ تمامًا. كان الثلج قد غطّى وجهه، كأنه يحاول أن يرحمه من أن يُرى. تقدّم والدي ببطءٍ شديد، كأن كل خطوة كانت معركة. جثا قرب الجسد، ومدّ يده المرتجفة، وبدأ يزيح الثلج عن الوجه…
ذرّةً ذرّة...
كنت أسمعه يتمتم، بصوتٍ مكسورٍ لا يشبه صوته:
أرجوكِ كوني بخير... ""
أرجوكِ كوني بخير... " "
ثم....
صمت
سكت فجأة.
سكونٌ ثقيل ابتلع الغابة...
لم يتحرّك.
في تلك اللحظة، تقدّم الغريب نحوه، وأمسك بيدي ليقرّبني... كنت أعرف، دون أن أفهم، أنّ شيئًا قد انتهى إلى الأبد.
اقتربتُ... وانحنيتُ قليلًا لأرى.. وقبل أن تتضح الصورة في عينيّ، انفجر صوت أبي. بكاءٌ حاد… بدائي... صرخة خرجت من عمق شيءٍ لم يكن إنسانًا فقط.
رأيتُ وجهها.
عرفته فورًا....
رغم الدم، رغم الجروح، رغم البرودة... كان وجه أمي.
" أبي…؟ "
لماذا أمي هنا…؟ " "
قلتُها ببراءةٍ مشروخة، وأنا أقترب خطوة.
هيا… لنأخذها معنا... " "
ستمرض بسبب البرد... " "
كنت أتكلم، وكأن الكلمات يمكن أن تعيدها.
لكن أمي كانت غارقة في دمائها، وجروحٌ قاسية تشوّه وجهها اللطيف،
كانت قد مرّت… بجحيم.
والدي...
كان يصرخ.
لم تكن دموعًا عادية. كانت دموعًا حمراء، تنحدر من عينيه المتوهّجتين، كأن النار نفسها تبكي.
ثم قال، بصوتٍ يرتجف من الغضب:
سحقًا... " "
سحقًا... " "
سحقًا للبشر... " "
ثم ارتفع صوته، وتحطّم:
سأقتلهم جميعًا... " "
سأبيدهم عن هذا العالم... " "
لن أرحم صغيرًا… ولا كبيرًا... ""
رفع رأسه نحو السماء، وصرخ كما لو أنه يتحدّى الوجود كله:
سوف أقتلكم جميعًاااا...! " "
ثم... انكسر.
انخفض صوته و انهار جسده. أمسك يد أمي، وقرّبها إلى وجهه، وبدأ يقبّلها وهو يبكي بصمتٍ موجع.
كنتُ واقفًا...
لا أعرف ماذا أفعل، لا أفهم، لا أستطيع حتى أن أبكي.
أمي...
تلك التي كنت أظنّ أن السلام في العالم وُجد لأجلها... كانت الآن ممدّدة في الثلج... غارقة في دمها. اقترب الغريب، ووضع يده على كتف أبي وقال بصوتٍ منخفض:
يبدو أننا تأخّرنا... ""
علينا أن نغادر الآن قبل أن يجدونا. ""
من المحتمل أنهم متجهون إلى منزلك… ليقتلوك أيضًا. " "
نهض أبي ببطء. كانت عيناه مختلفتين. لم تعد فيهما حياة… بل وعد.
قال بصوتٍ أجوف:
سأقتلهم جميعًا... " "
ثم التفت نحو الغريب:
اذهب أنت و خذ ولدي معك. " "
ثم انحنى قليلًا، ونظر نحوي...
اعتنِ به جيدًا... واجعله قويًا… قويًا للغاية. " "
اقترب منّي والدي.
كان الغضب يتصاعد منه كما لو كان دخانًا أسود... كأن قلبه لم يعد قلبًا، بل موقدًا على وشك الانفجار. انحنى أمامي، حتى أصبح وجهه في مستوى وجهي، وقال بصوتٍ مبحوح.
إيلينور... " "
" القصة التي رويتها لك هذا الصباح… لم تكن خيالًا. ثم وضع يده على صدره، ثم على صدري. "
أنا أودين… ابن النار.
وأنت… ولدي العزيز.
وقد ورثتَ منّي هذه القوة… لكنها مختومة داخل قلبك.
شعرتُ بحرارةٍ غريبة تحت كفّه. ليست حريقًا… بل شيئًا نائمًا.
قال وهو يضغط برفق على صدري:
احرص… على ألّا تبقى ضعيفًا. ""
أريدك أن تنتقم لأمّك… ولعشيرتنا. " "
ثم انخفض صوته، وصار أثقل:
أريدك أن تذيق الأشرار بأس قوّتنا. " "
لقد أحببتك أنت وأمّك كثيرًا... " "
لكنني لم أكن أعلم أن البشر… بهذه الوحشيّة." "
سكت لحظة، ثم قال:
لقد قتلوها… رغم أنّها منهم. " "
ثم ناداني باسمي كما لو كان يودّع روحه:
إيلينور... " "
ولدي العزيز... " "
أنت ابن أودين... " "
وضع يده على رأسي، وربّت عليها ببطء...
تذكّر هذا دائمًا... " "
ثم نهض، واستدار نحو الغريب الذي بدا كأنه صديق عمره.
إنني أعتمد عليك… كما في الأيام الخوالي.
همّ أن يبتعد.
لكن الغريب قاطعه:
لن تستطيع أن تواجههم يا أودين... ليس وأنت بهذه الحالة. " "
قوتك مختومة داخلك… لن تصمد أمامهم. " "
كما أن ولدك يحتاجك، ابقَ أودين ولا تذهب. " "
ألا ترغبُ في رؤية وبدك و هو بكبرُ ويصبحُ أقوى ؟ " "
" هااا !! "
ابتسم أبي ابتسامةً واهنة… وقال:
" أدرك أنَّ ما أفعله ليس الصواب، ولكن لا أستطيع أن أقف ساكناً أمام ما يحصل. "
" لم أكن أملك وقتًا كثيرًا منذ البداية. السمُّ بدأ ينتشر في جسدي من جديد. لا ألم وقتاً كافياً يا صديقي القديم. "
أريد أن أقاتل… لآخر نبضة في قلبي. ""
ثم عاد نحو جسد أمي و جثا قربها ثم لمس خدّها الناعم بأصابعه المرتجفة.
وقال بصوتٍ مكسور:
سامحيني يا عزيزتي... لكنني لن أبقى لطيفًا… كما طلبتِ مني. " "
وفي لحظةٍ واحدة....
انبثقت النار من جسده. ليست نارًا عاديّة... كانت حيّة، غاضبة، كأنها خرجت من أعماقه. امتدّت إلى جسد أمي... وأشعلته. نهض أبي، والنيران تملأ جسده، وتلتهم ملامحه، وتحوّله إلى شيءٍ آخر.
ثم قال بصوتٍ لم يعد صوت إنسان:
انطلقوا الآن... ""
وجدتُ جسدي يرتفع فجأة عن الأرض. ذلك الغريب حملني بين ذراعيه وبدأ يركض... يركض مبتعدًا عن أبي. كنتُ أراه يصغر أمام عيني... يبتعد... يذوب وسط الثلج والنار، وعيناي... كانت تمطر.
أبــــي...! " "
لا تذهب… أرجوك.... " "
ابقَ معي… أرجوك.... " "
صرختُ بكل ما تبقّى في صدري من طفولة.
نظر والدي نحوي.
نظرةٌ واحدة.
لم تكن نظرة وداع... كانت وصيّة.
رفع إصبعه نحوي، كأنه يأمرني بلا كلمات:
"كن قويًا. "
ثم... وفي لحظةٍ واحدة... اختفى. انطلق كوميضٍ مشتعل نحو بيتنا.
وبقيتُ أنا... وذلك الغريب.