ملكٌ على حافّة العدم (ليلة مظلمة) | نوفلاي
ليلة مظلمة
.........
تقدّمتُ نحو
أودين. كان جسده يرتجف، وأنفاسه متقطّعة،
وملامحه مشدودة من شدّة الألم. السمّ كان ينتشر في عروقه. كنت أراه… كنت أشعر به…
كأنه نارٌ سوداء تزحف داخل دمه.
جثوتُ إلى
جانبه بسرعة، ومددتُ يدي المرتجفة ثم أشعلتُ نارًا في راحتي.
لم تكن نارًا عادية... كانت نارًا مؤلمة، قاسية، بلا رحمة، ثم غرستُها في كتفه.
انبعث صوت
احتراقٍ مكتوم، رائحة لحمٍ محترق. انتفاضة جسده كانت كافية لتجعل قلبي يرتجف. صرخ أودين صرخةً لم أسمعه يطلق مثلها في حياتي. وضعتُ يدي الأخرى على صدره وقلت له بصوتٍ حاولتُ
أن أثبّته:
تماسك يا أودين. "
"
تماسك… وإلا ستموت الآن. " "
ثم أطلقتُ
نارًا أعنف. نارًا هائلة اندفعت داخل
كتفه، تلتهم العروق، وتحرق الممرّات التي كان السمّ يسلكها. كنتُ أوقف الموت... لكن بثمن. كنتُ أرى اللحم يتقلّص، وأسمع صرير أسنانه، وأشعر
بأن شيئًا مقدّسًا يُكسر إلى الأبد.
فعلتُ ذلك
لأمنع انتشار السمّ في جسده... فعلتُه
لأنقذ حياته... لكن حين انتهى كلّ شيء، وسكنت
النار، سقط جسده بلا حراك...
كنتُ أعلم أن
يد أودين لن تعود كما كانت أبدًا. أن تلك
اليد التي كانت مصدر رعبٍ في ساحات
القتال، وتقود النار كأنها جزء من روحه... قد فقدت جزءًا كبيرًا من قوتها إلى الأبد.
أنقذتُ حياته...
لكنني أخذتُ منه ذروة مجده.
نظر إليّ والدك
بتلك النظرة المرتبكة، وكأن قلبه يتأرجح بين الألم والفخر.
أجبته بصوت ثابت، رغم اهتزاز قلبي:
" اذهب أودين…
انطلق أنت وأديان نحو الحرية. "
سأحرص على أن تظلّا في أمان. "
"
اقضوا حياتكم في سعادة وسلام دائمين، يا صديقي العزيز. نظر أودين نحو أديان، التي ساعدته على النهوض،
وقال لها بنبرة حزينة وملؤها الامتنان:
" هل
ستشاركينني ما تبقى من حياتي؟ "
لم تتفوه أديان
بأي كلمة، اكتفت بمعانقة والدك مطولًا، بينما تساقطت دموعها على خديها. قلت لهما، وأنا أشعر بالوجع والسرعة في آن واحد:
" هيّا،
أودين… عليكما أن تذهبا الآن، قبل أن يرانكما أحد. "
نظر إليّ والدي
للمرة الأخيرة، ربّت على كتفي بحنان، وكأن يده تحاول نقل كل قوته وحبه في لمسة
واحدة، ثم انطلق أودين مسرعًا برفقة أديان، التي أصبحت فيما بعد زوجته ووالدتك،
وابتعدا بعيدًا نحو مستقبلهما الجديد.
كانت تلك هي
قصة والدك في القبيلة... لم ألتقِ به بعد
ذلك اليوم.
كل ما وصلني عنه… أنه كان سعيدًا، وأنه عاش مع والدتك في
بيتٍ متواضع، بعيدًا عن الدم، بعيدًا عن النار، بعيدًا عن العشيرة.
كنتُ أستمع إلى
أسيلاف وهو يروي لي حكاية والدي، والنار تنعكس في عينيه كأنها شريطُ ذكرياتٍ لا
ينطفئ. وحين انتهى، ساد صمتٌ ثقيل، فترددتُ
قليلًا قبل أن أسأله.
وأنت…؟ "
"
ماذا حدث لك بعد أن ذهب والداي نحو الحرية؟ "
"
نظر أسيلاف إلى
السماء طويلًا، صامتًا، كأن عينيه تحفران في ظلامها بحثًا عن شيءٍ ضائع… ثم قال:
بعدما رحلا،
بقيتُ وحدي في ذلك المنزل… بين الجثث. أشعلتُ
نارًا من جسدي، فابتلعت كل شيء. البيت… الذكريات… الدم… وحتى الرائحة.
ثم عدتُ إلى
القرية. أخبرتُهم أن والدك والفتاة قد ماتا في النار. لكن... لم
يصدقني أحد. لم يكن لديّ دليل، والمجموعة التي أُرسلت لقتلهما… اختفت.
فسُجنت سنواتٍ
طويلة... بين أربعة جدرانٍ متشققة، باردة،
خانقة. كنتُ أعدّ الأيام من خلال الشقوق،
وأعدّ أنفاسي كي لا أنسى أنني ما زلت حيًّا.
إلى أن
استيقظتُ في إحدى الليالي على صراخٍ لم يشبه أي صراخٍ سمعته من قبل.
القرية… كانت
تُباد.
عدوٌّ مجهول، وجوهٌ
بلا أسماء، وأجساد أبناء عشيرتي تُدنّس، تُعلّق على الأوتاد، وتُترك بصمت.
كنتُ أراهم... ولا
أستطيع أن أفعل شيئًا.
مسجون، ضعيف، أختنق بالعجز.
ثم... ارتفعت
أعمدة من النار.
نارٌ لم تكن
كالنار.
ابتلعت القرية،
أكلت البيوت، وانقضّت على السجن.
ذاب الحجر، وتحوّلت
الجدران إلى رمادٍ يتطاير في الهواء.
تحمّلتُ
الحرارة… لأن جسدي مقاوم لها فبقيتُ حيًّا... رغم أنني تمنّيتُ، لمرّةٍ واحدة فقط لو أن النار أخذتني معهم.
خرجتُ أترنّح
بين الركام. أبحث عن صوت، عن أنين، عن
جسدٍ يتنفس. لكنني لم أجد أحدًا.
لا أحد.
القرية كانت
ميتة. حينها… أقسمتُ أن أجد والدك. أن
أخبره بما حدث.
أن أعيد إليه الحقيقة التي دُفنت مع الرماد.
واليوم... كان هذا أول يوم أراه فيه منذ ودّعته مع والدتك.
لم أكن أعلم أن كل شيء سينتهي هكذا...
توقّف أسيلاف.
انخفض صوته، وكأن الكلمات صارت أثقل من أن تُحمل:
أحيانًا... "
أشعر أن كل ما حدث كان خطئي. "
……
……
ولكن… لماذا اليوم
بالذات؟ " "
لماذا من بين كلّ الأيام؟ " "
سألتُ أسيلاف،
وأنا أراقب الشرارات تتطاير وتصعد كأنها أرواحٌ صغيرة تحاول الهرب من النار.
قال، وعيناه
معلّقتان باللهيب:
لا أعلم الدافع
الحقيقي... " "
لكن ما أعلمه… أننا لم نعد آمنين. "
"
علينا أن نتحرّك فورًا نحو آخر قريةٍ صامدة لنا… في
الغابة المظلمة."
هناك فقط… قد نضمن البقاء. " "
ثم صمت لحظة،
قبل أن يضيف بصوتٍ أخفض:
والدك... لم يكن في الحقيقة من أبناء النار. ""
نظرتُ إليه
بذهول.
" قوته… لم تولد معه. لم تنبض في قلبه منذ صرخته الأولى. بل جُلبت إليه… عبر طقوسٍ محرّمة، وهو رضيع. طقوسٍ شيطانية… استدعت النار إلى دمه. ربّما شيوخ العشيرة فعلوا ذلك
لسبب... ربّما كانوا يهربون من قدرٍ أسوأ.
"
ابتلعتُ ريقي،
ثم سألتُه بدافعٍ لم أفهمه:
إذًا… ما هي
قوتي أنا؟ " "
نظر إليّ
طويلًا.
لا أعلم إن
كنتَ قد ورثتَ نار والدك... أم أن في
داخلك شيئًا آخر."
سنعرف الحقيقة… حين نصل. "
ثم قال وهو
ينهض:
والآن… عليك أن
تخلد إلى
النو....م "
"
لم يُكمل كلمته.
حتى اندفع سهمٌ اخترق النار وسقط بيننا.
ثم... انهمر الموت.
أسهمٌ تتهاوى
من الظلام، تمزّق الهواء، وتغرس أنيابها في الأرض من حولنا. قال أسيلاف بصدمة وغضب:
سحقًا سحقًا سحقًا...!
""
ثم التفت نحوي
صارخًا:
هيا إيلينور! ""
علينا أن نهرب… الآن! " "
نسيتُ كتاب
والدي...! ""
صرختُ وأنا
أندفع نحوه.
ليس لدينا وقت،
سنستعيده لاحقاً! " "
قالها وهو
يحملني فجأة، ثم انطلق بي بسرعةٍ خاطفة نحو الأشجار.
لكنّ المجموعة التي كانت تطاردنا كانت سريعةً للغاية. كان أسيلاف بصعوبةٍ يتفادى الأسهم المسمومة التي
كانت تتطاير نحونا، مخترقةً أغصان الأشجار بلمح البصر.
كان الوضع يشتدّ ضراوةً، فيما كانت الأسهم تقترب أكثر فأكثر من
جسد أسيلاف، حتى اخترق أحدها ساقه، فسقط أرضًا وسقطتُ معه.
نهض بسرعة، ثم اقترب مني و طلب مني بحزمٍ شديد أن أختبئ بين الأغصان
الطويلة، وأن ألتزم الهدوء حتى يبتعد الأشرار. أمّا هو فسوف يقودهم بعيدًا عني.
فعلتُ كما أراد، واختبأتُ تحت شجرةٍ كثيفة، بينما بدأ أسيلاف
يصرخ بصوتٍ عالٍ وهو يضغط على ساقه المصابة، ثم ركض مبتعدًا,
بعد ثوانٍ قليلة، ظهرت أعدادٌ غفيرة من المقنّعين، فانطلقوا
خلفه بأقصى سرعة,