كاليسترا: أعماقك بين يداي | مقهي الأسرار
مقهي الأسرار
.........
الساعة الثالثة عصراً في
مقهى الجد، كان مالك يساعده في تنظيف الطاولات الفارغ وهو يراقبه بعناية إلى أن رن
هاتفه فكانت عمتهم المتصلة رد يلقي التحية وهي فعلت المثل ثم أخبرته أنها اتصلت
كثيراً بهانا لكنها لم ترد حتى أن زوجة عمها الأوسط اتصلت بها ولم ترد أيضاً فقال
لها الجد بنبرة جدية:
" من الممكن أن تكون مشغولة بالعمل، لما هل هناك شيء مهم "
ردت عليه عمتهم قائلة
بنبرة سعيدة حاملة الاستهزاء بها:
" أجل زفاف أبن عمها سيقام فالخامس عشر يوم الأربعاء من الشهر المقبل لذا
ندعوكم للحضور ويجب عليها أن تأتي لتلتقط لها عريساً لا يجب أن تضيع الفرصة مثل
المرة الماضية كانت في كل مرة يتقدم لها أحد لطلب الرقص معها ترفضه لذا عقل حفيدتك
قليلاً أيها الجد "
رد الجد بامتعاض محاولاً
اخفاء غضبة:
" حفيدتي عاقلة تماماً وانا فخور بما تفعله اما أن كان لكي رأىً أخر فيفضل أن
تحتفظي به لنفسك أن كنا سنأتي فسنأتي للمباركة فقط وليس لالتقاط القمامة ووضعها
بمكانه أعلي من مكانتها أفهمتم! "
لم يعطها فرصتاً للرد ثم
أغلق الخط فوراً وهو يشعر بالغضب ويحمد الله أن هانا لم تجب عليهم وأنه من تلقي
المكالمة هذه المرة، في تلك الأثناء حاول الانشغال بأي شيء لكن لم يستطع التوقف عن
التفكير فجلس يتنهد على أحدي الطاولات ليأتيه مالك قائلاً بقلق:
" جدي هل كل شيء بخير؟ هل أختي بخير!!؟ "
جاوبه الجد وهو يحاول
رسم ابتسامة صغير تطمئنه:
" أجل أيها الشقي الصغير كل شيء بخير وكذلك أختك فقط شعرت بالإرهاق لأن اليوم
كان ممتلأ بالزبائن "
رد مالك تاركاً جدة وهو
يذهب لثلاجة المشروبات:
" لا بأس أسترح أنا هنا سأجلب لك عصيراً "
ابتسم الجد وهو ينظر له
باهتمام فلفت نظرة ضوء أحمر شديد يخرج من أحد الكتب بالمكتبة وينتشر بالأرجاء، نظر
بتجاهه وهو يقول بصوت منخفض وساخر:
" عدت أخيراً! ولكنك تشع باللون الأحمر هذه المرة على غير عادتك!! وبشدة ....
هذا مخيف.. "
ضوء الكتاب لا يمكن لأحد
رؤيته غير الجد وكذلك عندما يتفحص أحد الزبائن المكتبة لاستعاره كتاب أثناء وجودة
لا يري الكتاب وكأنه غير موجود، لا يمكن لأحد رؤيته غير الجد والشخص المختار.
أتجه الجد للمكتبة ثم
أخرج الكتاب من الرف ليري من الذي سيظهر أسمه على الغلاف هذه المرة فظهر أسم هانا
بالون الأحمر الناري، لم يتخيل الجد أنه يقصد حفيدته وظن أنها أحدي الزبائن فسأل
بتعجب:
" من هانا!! أين شعرت بها ؟!! "
فبداء الكتاب بأظهَر
الكلمة الأخرى ببطء فكانت باللون الأزرق الجليدي والتي كانت ..... حفيدتك.
كان مالك يجلس على
الطاولة التي كان يجلس عليها جده في وقت سابق وهو ينظر له منتظر عودته ومن صدمة
الجد قرر الذهاب لمكتبه فقال لمالك:
" سأكون في مكتبي قليلاً أنتبه لنفسك جيداً اتفقنا سأجلب شيء ثم أعود سريعاً
"
هز مالك رأسه إيجاباً
بعدها دخل الجد مكتبه وأغلق الباب خلفه ثم وضع الكتاب على سطح المكتب وهو يقول:
" الان أنا لا أفهم !! تقول إن المختار حفيدتي !! "
أضاء الكتاب بالون الأخضر
وبشكل خافت كاستجابة وكأن كل منهما يفهم الأخر، فسأل الجد باستغراب شديد:
" لما؟؟ ولما الون الأحمر أنت غريب هذه المرة دائماً ما كنت أراك تشع باللون الأزرق،
الأصفر أو الأخضر حتى ..... لكن أحمر ناري!! أليس هذا غريباً كفاية! أنت حتى تكتب
أسمها بنفس اللون وكأنك غاضب ولقب حفيدتي باللون الأزرق الجليدي "
أضاء الكتاب هذه المرة
بالكامل وبشدة باللون الأحمر حتى أنه حول لون كلمة حفيدتك بالأحمر الناري هي
الأخرى فقال الجد بعد رؤيته يتوهج بتلك الطريقة ولأول مرة منذ مرور أربعين عاماً:
" أوه أنت غاضب بالفعل صحيح! تباً لا أفهمك بحق ...... حسناً لا بأس سأعطيك لها
ولكن لا تكن قاسياً عليها فأنا لا أعرف ألاما تنوي أن تفعل "
انطفئ ضوء الكتاب بعد أن
سمع تصريح الجد ثم خرج الجد من مكتبه وتجه للمكتبة ليضع الكتاب مكانه بعدها أتجه
لمالك وجلس بجواره وبداء بشرب العصير الذي أعطاه له حفيده ليسترخي قليلاُ قبل دخول
أي زبائن جديدة.
الساعة السابعة
مساءً، ما بين اختفاء الغروب وحلول الليل، ظلّت السماء منيرة بلونٍ أقرب إلى
البنفسجي، على الرغم من ظهور القمر وبعض النجوم الصغيرة. كان الجو دافئًا على نحوٍ
غريب.
أنهت هانا عملها،
وفي طريق عودتها إلى المنزل كانت تتفقد عدد المكالمات الفائتة التي وردتها خلال
اليوم. تنهدت تنهيدة خافتة خالية من الحياة، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها، ورفعت
رأسها نحو السماء وهي تسير بهدوء. حدّثت نفسها قائلة:
"كم مرة أنظر إلى السماء وأراها
بهذا اللون؟"
تنهّدت مرة أخرى، واسترسلت:
"نادراً، أليس كذلك؟ ولكنني
دائمًا ما أراها على هذا النحو حين أكون في الطريق."
تلألأت عيناها
بالدموع، فضمّت شفتيها محاولة حبس بكائها، ثم همست:
"إن كان هذا المنظر جميلاً إلى
هذا الحد، فلمَ أبكي في كل مرة؟"
سكنت برهة، ثم
تابعت بصوتٍ خافت متعب:
"أشعر أنني لا أنتمي إلى هذا
العالم... لا أحب ما أصبحت عليه البشرية... لا أطيق شيئًا. يا رب، إما أن تُنهي كل
هذا، أو أن تأخذني بعيدًا. لقد تعبت من الشعور بالوحدة والخذلان."
انهمرت دموع هانا
على وجنتيها، كأن قلبها لم يعُد يحتمل ما فيه. سقط القناع الصلب الذي كانت تخفي به
ضعفها، وتكسّر أمام دعاءٍ يائس. أما عقلها، فقد بدا مستسلمًا هو الآخر، وكأنه
يتوسل إلى راحة مؤقتة بعد سنواتٍ من التصرف والتفكير بعقلية تفوق عمرها، حُرمت
فيها من النمو الطبيعي والبراءة.
همست بكلماتٍ
ممزوجة بالحزن والسخرية:
"أتراني لم أكن لأوجد؟ أم ليت
الكون كله لم يُخلق؟ ... كل شيء بدأ من أول خطيئة... من تلك التفاحة... هل كانت
حقًا تستحق؟ هل كان طعمها لذيذًا إلى درجة تجعل المرء لا يندم على كل ما يحدث لنا
الآن؟"
وما إن غاصت في
أفكارها، حتى اصطدمت برجلٍ ضخم البنية كان يسير في الاتجاه المعاكس. خفضت رأسها
على الفور، واعتذرت بخجل دون أن تنظر إليه، ثم واصلت سيرها وكأن شيئًا لم يحدث.
أما هو، فتوقّف
مكانه، واستدار يراقبها وهي تبتعد. لم ينطق بكلمة، ولم يعرف لماذا ظل واقفًا. لم
يرَ ملامح وجهها، بل لم يرَ سوى ظهرها وشعرها الطويل المموج، الذي بدا كأنّه سجادة
ليلٍ سوداء أو أمواج بحرٍ هادئة تنساب على كتفيها. كان هناك شيء غامض في داخله
يجبره على البقاء ناظرًا إليها، وكأن عينيه تودّعان شيئًا ثمينًا لا يُعاد.
تنهد بيأس،
واستدار ليُكمل طريقه، وتمتم في نفسه:
"لِمَ ننجذب أحيانًا إلى أشخاصٍ
نعلم أننا لن نراهم ثانية؟ وكيف نُفتَن بهم ونحن لم نرَ ملامحهم بوضوح؟"
هزّ رأسه، وكأنّه
يطرد الفكرة من ذهنه، ثم مضى في طريقه، مقتنعًا أنّ ما شعر به... مجرد وهم.
بعد وصولها لشارعهم الرئيسي رأت أضاءه مقهى
جدها وكان الاسم ينير بشكل يبعث للراحة والغموض بنفس الوقت، فمنذ أن كانت طفلة
صغيرة وجدها لم يغير أسم المكان أبداً ثم تمتمت وهي تنظر للافته تعيد قرائه الاسم
*ضوء الكتاب السحري ... أتذكر عندما كنت بالسابعة من عمري سألت جدي لماذا سماه
بهذا الاسم جاوبني وقتها بشيء لن أنساه ما حيت، قالي لي ماذا تحتاج الحلوى ليكون
مذاقها جميل قلت له السكر فسألني مره أخري وماذا تحتاج المخبوزات أثناء صنعها
لتشتهيها العين و الأنف فقلت له الحب أن تكون مخبوزه بحب فقال لي كذلك الأشخاص
يحتاجون لضوء سحري صغير لينير طريقهم لذا سميت المقهى ضوء الكتاب السحري علي أمل
أن يجد شخص غايته عند دخوله ... أو أن يجد السحر هذا الشخص ..... لقد كانت قصة
لطيفة من جدي وراء تسميه المقهى هكذا*
فهزت
رأسها مستنكري القصة ثم دخلت وهي مبتسمة قائله بلطف وصوت هادئ:
" لقد عدت "
كان هناك زبائن حاضرين يعرفونها فرحبو بها
بترحاب حار وهم يشكروها ويدعموها على مجهودها بعملها ومخبوزات المقهى وهم منتظرين
المخبوزات الجديدة التي سيتناولونها عن قريب وعندما رقد مالك بتجاهها لمعانقتها
بادلته العناق وهي تقول بابتسامة حامله الاستغراب وعدم الفهم: "لايزال الوقت
مبكر على المخبوزات الجديدة !! "
ليضحك الزبائن على عدم استيعابها أن مخزون
المقهى لهذا الأسبوع أنتهي سريعاً ليوضح لها مالك قائلاً:
" أختي المسكينة ... مخبوزات هذا
الأسبوع انتهت قبل انتهاء الأسبوع بسبب سرعه الأقبال عليها "
صدمت هانا قليلاً فهذه حقاً المرة الأولي
التي ينتهوا بها أسرع بكثير من المعتاد ففي العادة تنتهي مخبوزات المقهى بكل نهاية
أسبوع وهم الان في ثالث يوم من الأسبوع لذا سيتوجب عليها تحضير دفعه أخري ولكن
بكمية أكبر هذه المرة لتسد حاجة أسبوع ونصف.
بعدها أبعدت صدمتها لتُربت على رأس أخيها
الصغير وهي تسأله:
" كيف كان يومك؟ "
ليرد عليها مالك وهو يتشبث بعناقه لها:
" كان ينقصكِ .... اشتقت لكي أختي ...
أشعر بالتعب وأريد النوم ... أنا حقاً أفتقدك وأفتقد النوم بين يديكِ"
ابتسمت هانا بحب وهي تحتضن مالك لتمده
بالطاقة فتقول وهي تفرك ظهره:
" أنا هنا الان، أفتقدك أيضاً .... هيا
تعال سنودع الجد ونصعد لمنزلنا ونرتاح "
توجهت هانا لمكان جلوس جدهما وجلست بالجهة
المقابلة له ليصعد مالك ويجلس بجانبها على الأريكة فيمدد جسده الصغير، ويضع رأسه على
فخدها لتقول لجدها وهي تداعب شعر مالك بتروي:
" فيما أنت شارد أيها العجوز الشاب
"
ضحك الجد علي لقبه الذي اعتادت حفيدته أن
تناديه به كلما أرادت مشاكسته:
"لا شيء يا صغيرة "
هزت رأسها مستنكرة وهي ترفع حاجب وتخفض
الأخر:
" أنت حتى لم تشعر بي عندما دخلت كيف لا
يوجد شيء ... هيا، هيا أخبر هانا حبيبتك سرك ببئر "
ضحك الجد مره أخري ولكن هذه المرة كانت ضحكته
هادئة ومشوبة بالقلق:
" حسناً، حسناً ليس وكأنه سر "
بداء جدها بالحديث أولاً عن مكالمة عمتها له
فأخبرته هي الأخرى بعدما فهمت سبب اتصالها أنها أتتها الكثير من المكالمات تخصهم
ولكنها لم تجب ووضعت هاتفها بالوضع الصامت، ثم بداء جدها بفتح موضوع الكتاب معها
تدريجياً إلى أن أخبرها كل شيء لتقول هي بلا مبالاة:
" جدي لم أعد صغيره على تلك القصص كتاب
سحري ماذا وتحقيق أماني ماذا أنا ليس لدي أماني غير أن تكون أنت ومالك بخير "
عقد الجد حاجبيه لعدم تصديقها لما يقول فنهض
من أمامها دون قول كلمة متجهاً لرف الكتب كي يحضر الكتاب أما هانا فظنت أنه غضب
منها وقبل أن تقول أي شيء عاد جدها والكتاب بيده وبما أن الكتاب أختارها فهي
تستطيع رؤيته، ليضعه على المنضدة امامها وهو يقول بنفاذ صبر:
" شأتِ أم أبيتي الكتاب عليه أسمك خذي
معكِ للمنزل وأقرائه جيداً وخصوصاُ التحذيرات انتبهي منها وان
لم يحدث شيء بعدها فيمكنك رمي بالمصحة العقلية ..... ولكن.. أن حدث... فالكتاب
سيعود للمكتبة من تلقاء نفسه"
غضبت هانا من كلام جدها بشدة وشعرت أنه جرح
مشاعرها بقوله هذا:
" إلا يمكنك التوقف عن قول تلك الكلمات
القاسية أنا لا أحب هذا، أن كنت ستظل تقول أشياء كهذه فأنا لن أخذه معي"
أنهت جملتها ثم حملت مالك علي كتفها بعد أن نام،
أثناء ذالك وقبل أن تأخذ حقيبتها لتغادر وضع جدها الكتاب في حقيبتها دون أن تلاحظ ثم
أخذتها لتغادر وهي تقول:
" تصبح علي خير جدي " ولا تزال
نبرة صوتها تحمل الاستياء.
أردف جدها بصوت شبه منخفض، على وجهه ابتسامه
صغيرة وهو يراها تغادر:
" أحلاماً سعيدة صغيرتي ... أتمنى لكي
ليلة مليئة بالسحر ".
بعد دخولها للمنزل اتجهت لغرفتها ورمت
حقيبتها على الأرض بلا مبالاة ثم وضعت مالك علي السرير بهدوء وحزر لكنه كان متشبث
بعنقها ولم يتركه حاولت فك زراعية بهدوء كي لا تيقظه لكن بات الأمر بالفشل لتجده
يتمتم أثناء نومة وهو يحكم قبضته على عنقها:
" اشتقت لكي أمي ..."
طريقة نطقه لها وتشبثه بها جعلت مُقلتيها
تمتلئ بالدموع فلم تكن تعرف أن كان يعتقد أنها أمه أثناء نومه أم هو يراها أمه
لأنها من ربته! لكن الحقيقة التي لم تلاحظها هانا وكان يقصدها مالك أنه يحب أخته
لدرجه أنه يراها أمه ليس فقط لأنها من ربته بال لأنه يراها كل شيء في حياته
بالنسبة لمالك هانا هي ملجأه ومصدر راحته وأمانه ويتمني أن يكبر سريعاً ليكون لها
الرجل الذي تستند عليه لترتاح من عبئ الحياة فمهما كان الجميع يراه لا يعرف أو
يفهم شيء فهو مدرك بما يحيط به جيداً وطالما الأمر سيتعلق بأخته فهو سيتصرف كما لو
أنه شخص بالغ وليس طفل أمامك.
حاولت هانا حبس دموعها قدر الامكان لكنها لم
تستطع فرفعته لحضنها وجلست به على السرير إلى أن يترك عنقها بالكامل.. لم تعرف ما
المدة التي ستبقي جالسه به هكذا ولكن بسبب انهيار الدموع على وجنتيها لم تهتم لشيء
فتقول بداخلها وهي تبكي بصمت وتتمني لو تستطيع أن تنهار وتبكي بصوت عالي:
"لا تقولها مره أخري، لست أمك.. أنا
اختك يا صغيري أختك فقط ولكني أحبك مثلما كانت ستحبك أمنا ...."
كان صراخها صامتاً لتتزايد دموعها وتصبح
كالشلال بلا توقف على وجنتيها ليتألم قلبها وهي تقول بداخلها:
" أمــــي.. أمــــــــي أين أنتي
الان؟؟ هل تسمعينني هل ترينني ...أنا أشتاق لكي كثيراً ... لقد تعبت من هذه الحياة
....، لماذا !!فقط أخبريني لماذا؟؟ لماذا تركتني وذهبتي أنتي وأبي ...... ليت
أحدكما بقي ليعتني بنا لكن كلاكما رحلتما وتركتماني بمفردي.. ليس هذا فقط بال تركتم
على عاتقي قطعه لحم صغيرة كان يجب أن أتعلم كيف أكون له الأم والأب بالأضافة لكوني
أخته لكي أصنع منه رجل يعتمد عليه حينما يكبر ... لماذا!!! إلا تشفقان على أبنتكما
".
أغمضت عينيها، فاجتاح عقلها طوفان من الذكريات، وأعادها صوت والدتها
إلى تلك الليلة المشؤومة قبل ثماني سنوات من الآن...
كانت هانا تجلس مع جدها تشاهد الرسوم
المتحركة ليرن هاتف المنزل فترقد لتجيب وتسمع صوت والدتها قائلة بكل حب:
" هانا صغيرتنا الجميلة نحن عائدون
للمنزل.. ساعة وسنصل لكي يا زهرتي "
لتسمع هانا صوت والدها أيضاً يعترض على كون
أمها تخبرها أنها زهرتها وحدها وأنها زهرته هو أيضاً فتضحك على شجارهما المرح
لتسأل هي:
" ماذا عن أخي هل هو بخير ؟؟ "
لتجيب والدتها وهي تنظر لطفلها الرضيع الذي
تحتضنه بين يديها:
" أجل يا زهرتي كانت نزله برد صغيرة
وسارع الطبيب بعلاجه، هو بخير الان "
أردفت هانا بعد أن أطمئن قلبها على أخيها:
" هذا جيد، اذاً فانتظاركم أنا وجدي
"
وبعد انغلاق الخط من كلا الطرافين عادت هانا
لمشاهده الرسوم المتحركة.
لكن مع مرور الوقت شعر الجد بأن موعد وصول
أبنته وزوجها أطول من المعتاد وكذلك هانا فسألته وهي تنظر لساعة الحائط بإحباط:
" جدي! لما والداي تأخروا هكذا لقد قالو
سيصلون بعد ساعة !! "
ليرد الجد وهو يخفي علامات قلقه:
" لا أعرف يا صغيرتي ربما......"
وقبل ان يكمل الجد جملته قاطعه صوت رنين هاتف
المنزل مرة أخري لينهض هو كي يجيب فتسبقه هانا بالرقد بتجاه الهاتف أولاً لترد
فتسمع صوت رجل غريب يقول:
" مرحباً! أهذا منزل السيد راشد "
لترد هانا بصوت طفولي بريء:
" أجل أنا ابنته، ما الأمر؟ "
فسألها عن عمرها وعندما فهم أنها لاتزال طفلة
طلب منها محادثة شخص بالغ أن كان متواجد أحد، فأعطت السماعة لجدها ليري ماذا يريد
هذا الرجل.
منذ أن التقط الجد سماعة الهاتف كان هناك
شعور بالترقب والانتظار، شعور بأن الوقت توقف عند تلك اللحظة ... رغم أن صوت دقات
الساعة كانت منتشرة بأرجاء المنزل وكأنه منزل مهجور، كان الصوت مرعباً للحد الذي
يقتلك من الخوف.
سأل الرجل الجد أن كان والد الأستاذ راشد
فأخبره أنه والد زوجته، عرف الرجل بنفسه وأخبره أنه محقق شرطة وبأن أبنته وزوجها
توفيا فحادث ولم ينجو أحد غير الطفل الصغير الذي كانت تحتضنه أبنته.. صمت الجد
قليلاً محاولاً التماسك وهو يسمع خبر وفاة أبنته وزوجها ثم قال بهدوء وهو يضغط على
مقبض السماعة والحروف تصارع لتخرج من فمه:
" كيف ومتي !؟"
فقال له المحقق متفهماً الخبر الصادم:
" منذ ساعة ونص أستغرقنا وقتاً بالاتصال
لحين طلب الإسعاف والبحث عن الشخص الذي يجب أبلغاه، كان الحادث نتيجة عطل بالفرامل
وكان السيد راشد يقود سيارته على الطريق السريع فبعد مراجعه كاميرات المراقبة يبدو
أنه كافح لأبطئ السيارة لكنه لم ينجح وانقلبت بهم رأساً على عقب ... حمداً لله
أنها لم تنفجر"
صمت المحقق قليلاً ليعطي الجد مجالاً لاستيعاب
ما يقوله ثم أردف:
" أرسل تعازي الحارة، لكن أرجو منك أن
تتفهم أننا بحاجتك هنا لاستكمال التحقيق والاطمئنان علي الطفل الصغير ثم اكمال
إجراءات المتوفيان "
لم يعد هناك دموية بوجه الجد أصبح لونه مائل
للأصفر لكنه حاول التماسك ثم قال:
" حسناً، أعطني العنوان وسأكون هناك
قريباً "
بعد أن أعطاه المحقق العنوان أغلق الخط فقالت
له هانا:
" من هذا الرجل وماذا كان يريد من أبي؟
"
نظر لها الجد وهو يفكر في ماذا سيقول ثم ربت على
رأسها وأردف:
"أنه.. أنه صديق راشد يا صغيرتي يبدو أن
راشد أتته رحله عمل وسيأخذ والدتكِ معه لذا سأذهب لمقابلته لأخذ مالك وسأعود
سريعاً "
نظرت له هانا بتشكك فالجد سيء بالكذب وهي لم
تعد صغيرة بما يكفي لتصدق كذبه الواضح:
" جدي أنت تكذب! وان لم تكن كذلك فخذني
معك لأودعهم معك "
وليتها لم تقل ذالك فهي لم تكن علي علم بعد
ان هذا سيكون ... الوداع الأخير.
ذهب الجد لغرفته لتبديل ملابسه ولم يرد عليها
فظنت أنه مواقف لتذهب هي الأخرى لغرفتها لتبدل ملابسها، عندما انتهي كلاهما كان
الجد يرتدي زي رسمي اسود بالكامل وحينما لاحظ أن حفيدته ترتدي ألوان مبهجه قال لها
وهو غاضب بحزن مشيراً لما ترتديه:
" ان كنتِ ستأتين معي فبدلي ملابسك وأرتدى
أي شيء اسود "
اردفت هانا باستغراب وصدمة على طريقة حديث
جدها معها:
" لكن أمي لم تشتري لي أي شيء اسود
"
أخذ الجد بيدها وخرجوا من المنزل وهو يقول:
" سأشتري لكِ ونحن بالطريق"
وبالفعل توقف الجد عند أحدي المتاجر وأشتري
لها فستاناً اسود يناسبها ثم أنطلق لمكان الحادث.
بعد أن وصل كان هناك سيارتان اسعاف والكثير
من سيارات الشرطة عندما لاحظهم المحقق اقترب بتجاه الجد قائلاً وهو يمد له يده
ليحييه:
" انا سمير المحقق الذي حدثك على الهاتف
سيدي "
صافحه الجد قائلاً:
" انا ماجد "
ثم نظر سمير للطفلة التي يمسك بيدها ليشعر
بالألم لوجودها هنا فعينها التي تحمل السعادة والشوق لرؤية من تحب تدل على انها لم
تعرف بعد بوفاتهم، عاد سمير بنظرة للجد مره اخري ليقول:
" هل لديكم أعداء؟ "
رد الجد مستغرباً لسؤاله:
" بالطبع لا! لماذا؟ "
أردف سمير وهو ينظر خلفه لباقي فريق التحقيق:
" البعض يشك انها جريمة مفتعلة وان
الفرامل تم تخريبها عن عمد ولكن البعض الأخر يقول انه عطل طبيعي فالفرامل "
ثم عاد بنظرة للجد ليكم:
" الأمر ليس طبيعياً عندما فحصتها بنفسي
ستبدو لك من الوهلة الأولي انه عطل طبيعي ولكن عند التركيز قليلاً ستظن انها
معتمدة ولا نعرف بعد ان كان عطل طبيعي او لا وهذا التردد ما يجعلني اشك أكثر انه
عطل متعمد "
أجابه الجد ماجد بكل هدوء:
" اسمع أيها المحقق نحن....
يتبع...