اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

حب بالتقسيط | الفصل الثاني صديق الظل

جاري التحميل...

💢²| الفصل الثاني • صديق الظل💢

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

مكان آخر من المدينة



في زاوية بعيدة من المدينة، حيث لا تصل أصوات الشوارع ولا أضواء المصابيح إلى النوافذ، كانت غرفة صغيرة مضاءة فقط بشاشة كمبيوتر، ضوءها الأزرق يتراقص على الجدران، يرسم ظلالًا خفيفة تتحرك مع كل اهتزاز في الشاشة.


جلس شاب على كرسي قديم، ظهره مستقيم قليلًا، عيناه مركّزتان على الصورة التي تظهر أمامه على الشاشة.
صورة لم تغادر ذاكرته منذ سنوات، صورة تحمل معه شيئًا من الماضي، شيئًا حيًّا لم يتوقف عن الوجود رغم مرور الوقت.




تسللت ابتسامة قصيرة على وجهه، خفيفة، عابرة، كأنها محاولة لحبس شعور دفين بداخله، شعور لا يعرف كيف يعبر عنه، أو ربما يخشى أن يفقده إذا خرج إلى الخارج.


رفع يده، ضغط على زر الإغلاق فجأة، فتلاشت الصورة، وأطفأ الضوء الأزرق، تاركًا الغرفة في نصف ظلام، نصف ضباب، نصف صمت...
صمتٌ ثقيل، مكتوم، مليء بما لم يُقال، بما لم يُحل، بما لم يجرؤ على مواجهته منذ سنوات.


استند إلى الكرسي ببطء، شعر بثقل كل ليلة، كل لحظة سهر، كل صرخة خفية لم يسمعها أحد.
كان وكأن ظهره يحمل كل الذكريات، كل الندم، كل الحنين واللوم، كل شيء لم يتسرب إلى الخارج لكنه حفر عميقًا في داخله.


أغمض عينيه للحظة، تنهد ببطء، وأحس مرة أخرى بوجوده في هذا المكان... الغرفة أصبحت أكثر من مجرد جدران، أكثر من مجرد كرسي ومكتب.
كانت خزانًا لكل لحظة لم يستطع نسيانها، لكل صدى من الماضي يطارده في هدوء الليل.


ثم همس لنفسه بصوت منخفض، كأن أحدًا لن يسمعه:
- كل شيء هنا... مش هيموت أبدًا.


رفع رأسه قليلًا، نظر إلى الحائط المقابل، حيث تتدلى صور قديمة، وثلاثة كتب مفتوحة، وأوراق مبعثرة...
شعر فجأة بأن كل شيء مرتبط بالماضي، بأن كل خطوة في الحاضر ما هي إلا انعكاس لما مضى، وكأن الذكريات لا تسمح له بالهروب.


أغمض عينيه مرة أخرى، وتمنى أن ينام، أن ينسى، لكنه عرف في أعماقه... أن الليل لن يعطيه هذه الرحمة، وأن الماضي لا يزال حيًا بداخله، كما هو... حي، صامت، لكنه حاضر في كل شيء.


*


الشارع




خرج الرجل من المستشفى مع أول خيطٍ للفجر، في تلك اللحظة الرمادية المعلّقة بين الليل الذي لم ينتهِ تمامًا ونهارٍ لم يبدأ بعد، حيث تبدو الأشياء وكأنها مترددة، غير قادرة على أن تختار شكلها الأخير، وحيث يصبح صوت الصمت أعلى من أي صوت.


توقف عند الباب للحظة، يده ما زالت على المقبض، كأنه يحتاج أن يتأكد أنه عبر فعلًا، يتأكد أنه ترك خلفه تلك الجدران البيضاء، ذلك الضوء القاسي، تلك الصرخات التي لا تتوقف حتى عندما يتوقف كل شيء.
لكنه كان يعرف أن بعض الأشياء لا تُترك خلف الأبواب.


نزل إلى الشارع، الهواء كان باردًا بطريقة خفيفة، باردة بما يكفي لتوقظ جلده، لكن ليس بما يكفي لتمنحه راحة.
برودة تتسلل ببطء، مثل ذكرى ثقيلة لا تختفي.


الشوارع الضيقة بدت كأنها نائمة، أو ربما تتظاهر بالنوم.
نوافذ مغلقة بإحكام، أبواب لا تُفتح، مصابيح باهتة تلقي ضوءًا شاحبًا على الأرض، كأنها تضيء المكان بدافع العادة فقط، لا بدافع الحياة.


بدأ يمشي، خطواته لم تكن سريعة، ولا بطيئة بشكل ملحوظ، لكنها كانت خطوات شخص لا يسير نحو شيء محدد، بل يسير فقط لأن الوقوف أصبح أصعب.


صوت حذائه على الأرض كان واضحًا بشكل غير مريح، منتظمًا، حادًا في هذا السكون، كأنه يعلن وجوده في مدينة لا تريد أن تسمع أحدًا الآن.


ثم توقف فجأة.


كأن جسده التقط شيئًا قبل أن يفهمه، الصوت عاد...صرخة.


ليست صدى بعيدًا، ولا ذكرى باهتة...
بل صرخة حاضرة، واضحة، بنفس الحدة التي مزّقت الممر قبل ساعات، بنفس ذلك الألم الخام الذي لا يمكن تجاهله.


رفع رأسه بسرعة، والتفت حوله بعينين متوترة، تبحثان عن مصدر واضح، عن تفسير منطقي.


نظر إلى اليمين...
لا أحد.


إلى اليسار...
الشارع فارغ.


خلفه...
لا شيء سوى الطريق الذي جاء منه.


تقدم خطوة، ثم توقف مرة أخرى.


أنفاسه أصبحت أثقل قليلًا، كأن الهواء لم يعد يدخل بسهولة كما كان.


استمع.
بكل تركيز.


لكن الصرخة اختفت.
انقطعت فجأة، كما لو أنها لم تكن.


عاد الصمت، لكن هذه المرة لم يكن صمتًا عاديًا.
بقي واقفًا في مكانه، وعيناه ثابتتان، لا تبحثان هذه المرة... بل تفكران.


ثم، دون حاجة إلى دليل آخر، دون أن يسمع الصوت مجددًا...فهم، بهدوءٍ بارد.


الصوت لم يكن في الخارج.


لم يكن في الممر.
ولا في الشارع.
ولا في أي مكان يمكن الوصول إليه.


كان في داخله.
كان هناك منذ البداية... لكنه فقط لم يعترف به.


أغلق عينيه ببطء، كأن هذا الإدراك يحتاج مساحة ليستقر، يحتاج لحظة كاملة من الصمت ليأخذ شكله الحقيقي.


وعندما فتحهما، لم يكن هناك ارتباك.
فقط قبول بثقل.


تسللت إلى وجهه ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ابتسامة ارتياح، ولا حتى سخرية كاملة، بل ابتسامة شخص أدرك شيئًا كان يحاول تجاهله، ولم يعد يملك رفاهية الإنكار.


ابتسامة متعبة، منهكة، كأنها خرجت فقط لأن الصمت لم يعد كافيًا.
هز رأسه قليلًا، كما لو كان يوافق على شيء لم يختره، ثم بدأ يمشي من جديد، هذه المرة، لم ينظر حوله، ولم يحاول أن يبحث عن الصوت.


كان يعرف الآن أين يسكن، مرر يده على وجهه، ببطء، كأن الحركة نفسها تحتاج جهدًا، وتنهد.
زفرة طويلة، خرجت من مكان عميق، من ذلك المكان الذي تتراكم فيه الأشياء التي لا تُحل.


ثم قال بصوت منخفض، يكاد لا يُسمع، لكنه واضح بما يكفي ليبقى:
"النوم... بقى بالتقسيط."


سكت لحظة... كأن الجملة لم تكتمل بعد.
ثم أضاف، بصوت أهدأ، أعمق، كأنه لا يخاطب أحدًا سوى نفسه:
"ويمكن... الحياة كلها كده."


اختفى صوته في الشارع الفارغ، لكن المعنى...لم يختفِ، كان يسير معه، خطوة... بعد خطوة.


*


ضوء 


بينما كان يمشي، بخطواتٍ أصبحت أكثر بطئًا دون أن يشعر، التقطت عيناه ضوءًا دافئًا يتسرّب من نافذة في إحد البيوت المطلة على الشارع الضيق.


لم يكن الضوء قويًا، ولا لافتًا بشكلٍ خاص، لكنه كان مختلفًا، أضاء بداخله شيئًا ما!




ضوء لا يشبه مصابيح المستشفى، ولا يشبه برودة الفجر، ضوء يحمل في داخله شيئًا من الحياة، من الدفء الذي لا يحتاج تفسيرًا.


توقف رغن عنه، دون أن يخطط لذلك، ورفع عينيه نحو النافذة.


ومن خلف الزجاج، تسللت ضحكة طفل، ضحكة خفيفة،صافية، غير مكتملة، كما لو أنها خرجت في لحظة لعب عفوية، دون خوف، دون حساب، دون أي إدراك لما يمكن أن يكون عليه العالم خارج تلك الجدران.


الضحكة لم تكن عالية، لكنها كانت كافية، كافية لتخترق صمت الوقت والمكان الذي يحيط به، كافية لتوقظ شيئًا في داخله كان يحاول أن يظل ساكنًا.


ظل واقفًا، لا يتحرك.
كأن قدميه فقدتا رغبتهما في الاستمرار، وعيناه ما زالتا معلّقتين بالنافذة، لكن ما يراه لم يعد ما في الخارج فقط، بدأت صورة أخرى تتشكّل في ذهنه... ببطء.


شقة صغيرة، ليست مثالية، ولا واسعة، لكن فيها ما يكفي للحياة، طاولة بسيطة في منتصف الغرفة، أكواب موضوعة بعشوائية، ضوء دافئ لا يؤذي العين، وضحكات...ضحكات حقيقية، لا تُقاس بدرجة الألم، ولا تُقارن بشيء.


أطفال يركضون دون خوف، يتكلمون دون أن يختاروا كلماتهم بعناية، يضحكون فقط، لأنهم يستطيعون.
لا أسرّة مستشفى، لا صرخات مكتومة، لا ذلك الإحساس الذي لا يُفسَّر.
فقط... حياة.


تنفّس ببطء، كأن هذه الصورة، رغم بساطتها، تحتاج جهدًا ليحتملها.
ارتعشت شفتاه قليلًا، محاولة الابتسام، لكنها كانت بسمة مكتومة.


ثم خفتت الصورة.
كما تأتي الأشياء الجميلة أحيانًا، سريعًا، ومؤلمًا.


عاد إلى الشارع، إلى البرد الخفيف، إلى السكون، وإلى نفسه.
خفض عينيه، وأكمل السير، لكن الفكرة لم تتركه، ظلت تمشي بجانبه، بصمتٍ ثقيل.


ثم، بعد لحظة طويلة من التفكير الذي لم يكتمل، همس لنفسه، بصوتٍ منخفض، كأنه يخشى أن يسمعه أحد... أو أن يسمعه هو بوضوح أكثر مما يحتمل:
"هو ده... ممكن يكون حقيقي؟"


سكت، خطوة أخرى، ثم أضاف، وكأن الإجابة لا تأتي إلا بهذه الطريقة:
"ولا (شهيق) كل حاجة لازم تتدفع (زفير) قسط قسط؟"


لم ينتظر ردًا، لم يكن هناك من يرد أصلًا، لكن السؤال، بقي، يسير معه، أثقل من أي إجابة.


*


الصباح


في صباح اليوم التالي، وفي مكانٍ يبدو كأنه ينتمي إلى عالمٍ آخر لا يعرف شيئًا عن الممرات البيضاء ولا عن صرخات الليل، جلست الفتاة على كرسيٍ صغير داخل غرفة تمتلئ بالألوان.


الجدران مغطاة برسومات أطفال؛ شمس كبيرة بوجوه مبتسمة، بيوت غير متناسقة، أشجار تميل في اتجاهات لا تتبع أي منطق... لكنها، رغم ذلك، تبدو صادقة أكثر من أي شيءٍ آخر.


الضوء هنا مختلف، لا يهاجم العين كما يفعل ضوء المستشفى، ولا يختبئ كما يفعل ضوء الفجر في الشوارع الضيقة، بل ينتشر بهدوء، كأنه يعرف طريقه، ويعرف أنه مرحّب به.


جلست وهي تُرتب دفاتر الأطفال واحدًا تلو الآخر، تمرر يدها فوق الأغلفة، تعدّها، تفتح بعضها، تغلق الآخر، كما لو أنها لا تُحضّر لحصة فقط، بل تحاول أن تُعيد ترتيب شيءٍ أعمق بداخلها.


كان في حركتها هدوء محسوب، لكن ليس هدوء الراحة، بل هدوء من تعلّم أن يُخفي ما لا يريد أن يراه الآخرون، توقفت عند دفترٍ معين، لم يكن مختلفًا من الخارج، لكنها، دون سبب واضح، فتحته.


وقبل أن تقرأ، قبل أن تبحث، رأت الرسم،شمس: دائرة غير مكتملة، خطوط تمتد منها في اتجاهات متفرقة، بسيطة، لكنها مألوفة، بشكلٍ أربكها قليلًا.
تجمّدت يدها فوق الصفحة، اقتربت أكثر، كأنها تحاول أن تتأكد أن ما تراه ليس مجرد تشابه عابر، ثم، ابتسمت، ابتسامة حقيقية هذه المرة، لكنها لم تكن واسعة، كانت هادئة، حذرة، كأنها تخشى أن تكبر أكثر من اللازم.


لمع شيء سريع في عينيها، لمعة لا تدوم، لكنها تكشف أكثر مما ينبغي، مرّ في ذهنها اسم، وجه، صوت لم تسمعه منذ فترة، لكنه لم يغب تمامًا.
شخص... لم يعد حاضرًا، لكنه، بطريقةٍ ما، لم يرحل أيضًا.


بقيت تنظر إلى الرسم لثوانٍ أطول مما يتطلبه الأمر،
كأنها تسمح لذاكرتها أن تأخذ مساحتها، أن تقول ما تريد،
دون أن تقاطعها، ثم أغلقت الدفتر ببطء.


وضعت يدها فوقه للحظة، كما لو كانت تُثبّت شيئًا، أو ربما... تُهدّئه، تنفّست بعمق.


رفعت رأسها، ونظرت حولها، الألوان ما زالت كما هي، الرسومات، الضحكات البعيدة في الممر، صوت الأطفال الذي سيملأ المكان بعد قليل، الحياة ما زالت هنا، حتى لو لم تكن كاملة.


ابتسمت مرة أخرى، هذه المرة عن قصد، كأنها اتخذت قرارًا بسيطًا، لكنه ليس سهلًا، هو أن تبدأ، رغم كل شيء.
ثم همست، لنفسها، بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
"هنبدأ النهارده... من غير ما نفكر كتير."


وأخذت الدفتر التالي، كأن اليوم هو فرصة صغيرة، لا تُحل كل شيء، لكنها كانت كافية للمحاولة.


***
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.