اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

سوريسوس - الشاهدة الوحيدة

جاري التحميل...

الشاهدة الوحيدة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بعد أن قضت ليلة كاملة في المستشفى كانت سارة رغم وجهها الشاحب، و الإجهاد البادي بوضوح عليها، و الحزن البارز بقوة في عينيها، كانت قد ركبت السيارة برفقة والديها و هي الآن متجهة لمركز الشرطة من أجل أخذ أقوالها بإعتبارها أحد الشهود الأساسيين، و ذلك بخصوص حادثة موت خالد الغريبة. و في واقع الأمر كان من المفترض أخذ أقوالها في الأمس مع بقية الشهود، لكن ضابط الشرطة الذي ذهب لإحضارها بعد أن رأى حالتها المزرية، و بعد أن أخبره الأطباء بأنها ليست في حالة يسمح لها بالتحدث و هي بحاجة على الأقل لليلة واحدة للراحة، كان قد أعلم والديها بضرورة الحضور لمركز الشرطة في اليوم الموالي. و هكذا، بعد أن نالت قسطا كافيا من النوم لتريح جسدها و تصفي أفكارها، رغم أنها لم تشعر بأي تحسن منذ تلك الحادثة الأليمة، أصرت سارة على الخروج من المستشفى، رغم أن والديها و الأطباء أخبروها بأنها تستطيع البقاء لمدة أطول حتى تشعر بالتحسن، فهي بالفعل تحمل ذكريات سيئة في ذلك المكان.. ذكريات تريد أن تنساها، و بالتالي فهي لا تريد أن تفسح المجال لذكريات سيئة جديدة لتزيد من ألمها و تعاستها.جلست سارة في الخلف، بجانب باب السيارة، مستندة برأسها على زجاج السيارة، منكمشة على نفسها، صامتة، مشيحة ببصرها بعيدا حيث  تسبح الغيوم بحرية وسط السماء، سارحة بأفكارها في أماكن أخرى، و أوقات أخرى، أفكار تتمحور فقط حول خالد، الشاب الذي أحبها و أحبته، و الذي ظنت بأنه هو الشخص المنشود الذي سيشاركها مستقبلها، و قد كانت متأكدة بأن لا شيء قادر على التفرقة بينهما، ناسية بذلك أن الموت ضيف مفاجئ قادر على دق باب أي شخص يريد متى يشاء. كانت تغرق ببطء داخل هذه الذكريات، متجهة إلى قاع مظلم لا مفر منه حيث تنتظرها جثة خالد لتسحبها من بين ذكرياتها السعيدة و تعيدها إلى الواقع البائس و الحقيقة المرة، لكنها في كل مرة ترمي بنفسها إلى بحر الذكريات لتواسي نفسها ببعض السعادة المؤقتة قبل أن تصل لقاع الحقيقة و ترتطم بأرض الواقع مجددا. كانت مشتتة التفكير، مبعثرة المشاعر، شبه ميتة كشخص وقع في غيبوبة مفاجئة، فكان كل من عقلها و حواسها منقطعين تماما عن أي شيء يربطها بالعالم الخارجي، و بالتالي فهي لم تكن تستمع لكل ما قاله لها والداها طول الطريق في محاولة يائسة منهما لمواساتها، فلم تستيقظ من غيبوبتها تلك، إلا بعد أن توقفت السيارة و تقدم أباها نحوها ليفتح لها الباب.
تحركت سارة بخطى متثاقلة و دخلت لمركز الشرطة، و بعد أن انتظرت لبعض الوقت أتى ضابط شرطة و قادها بمفردها لغرفة الإستجواب، و كانت قد جلست هناك بمفردها لبعض الوقت قبل أن يدخل الرجل المسؤول في هذا التحقيق، وجه مألوف كانت قد تعرفت عليه سارة على الفور، لكن تعابير وجهها لم تتغير عند رؤيتها له، بل قد زادت عبوسا أكثر من ذي قبل، فقد كان هو نفس المحقق الذي قابلته في المستشفى منذ مدة غير بعيدة عندما تعرضت لحادث السيارة الذي كاد يفتك بحياتها.
تقدم المحقق بخطى متثاقلة و هو يحمل كوب قهوة بيد و بعض الأوراق باليد الأخرى، و بعد أن وضع كل ما كان يحمله فوق الطاولة سحب الكرسي و جلس، و كان قد سحبه دون أن يرفعه لأعلى فأصدر صريرا مزعجا من خلال احتكاكه بالأرضية. كان المحقق مجهدا، محمر العينين قليلا، مشتت التركيز نوعا ما، فهو قد سهر لوقت متأخر ليلة البارحة من أجل العمل على هذه القضية. أما الآن و قد جلس في الجهة المقابلة لسارة، و بعد أن تثائب، و أخذ رشفة كبيرة من القهوة، كان قد فرك عينيه ليبعد عنه النعاس، ثم وضع تلك الأوراق أمامه، و بعد أن أخذ رشفة أخرى من القهوة لكنه ابتلعها ببطء هذه المرة كان قد وضع الكوب بعيدا عنه و قد نظر إليه بإشمئزاز، فبدا و كأن القهوة لم تنل إعجابه، أو أنه أفرط في شربها لدرجة أنه لم يعد يستطعمها، لكنه قد بدا أيضا في تلك اللحظة أنه قد حصل على جرعة صغيرة من النشاط، فقط ما يكفي ليجعله مستعدا للبدء في عمله. قال:
- أنت تتذكريني، أليس كذلك.
فأومأت سارة برأسها دون أن تتكلم.
فقال المحقق، بابتسامة طفيفة على وجهه:
- و الإصابة التي في رأسك، هل شفيت؟
في تلك اللحظة أحست سارة بوخزة خفيفة في مكان الإصابة، و أرادت أن ترفع يدها لتلمسها و تتفقدها، فقد أرادت أن تعرف إن كانت تلك الوخزة حقيقية أم مجرد تهيئات لا غير، لكنها سرعان ما غيرت رأيها و أبقت يدها في الأسفل. و قالت بصوت خفيض و متردد:
- إنها.. تتحسن.
كان المحقق قد أحس بالخوف، و خاصة القلق الذي تشعر به سارة، فقال بلطف محاولا طمأنتها:
- لا تخافي، فأنت الآن موجودة هنا بصفتك شاهدة لا متهمة.
ثم أكمل قائلا بعد لحظات من الصمت:
- أنا أعرف بأنك قد عانيت بالفعل من وقت عصيب بسبب الحادث الذي تعرضت له، و لا بد بأنك الآن تمرين بموقف مشابه بإعتبار العلاقة التي تربطك بالضحية، لكن إن كانت هناك إجابة منطقية تفسر ما حصل له فأنت الشخص الوحيد الذي يستطيع مساعدتي، لأنني بصراحة.. لم أرى طوال حياتي المهنية ماهو أغرب من هذه القضية.
فقالت سارة باستغراب:
- مساعدتي؟
عندئذ فتح المحقق تلك الأوراق التي أمامه و قال:
- و هذه الأوراق.. لقد كنت شبه متأكد بأنها ستحمل الإجابة التي أبحث عنها، لكنها لم تكن ذا فائدة، بل إنها زادت من حيرتي، فهي تقول بأن جسده كان نظيفا و أن دمائه خالية من أي مواد غريبة. لا سموم، لا مخدرات، لا شيء على الإطلاق، أي أنه كان واعيا تماما عندما فعل ما فعله.
- أنا متأكدة بأنه لا يستهلك أي شيء من هذه الأشياء، بل إنه لا يدخن حتى.
- هذا تماما ما أخبرني به والديه في الأمس، لكنني رغم ذلك لم أكن واثقا تماما بما قالاه، فالأهل سيفعلون أي شيء من أجل حماية أبنائهم. لكن هذا لا يمنع أن ما فعله بنفسه لم يكن تصرف شخص عاقل، لذلك يجب أن أسألك إن كانت لديه مشاكل عائلية.
- لا على الإطلاق.
- مشاكل نفسية إذن.. ربما كان يتناول بعض اللأدوية المهدئة للأعصاب؟
- لا أعتقد هذا.
- و العمل؟.. إنه معلم مدرسة إبتدائية، أليس كذلك؟
- لم يذكر لي يوما بأن لديه مشاكل في عمله.
- حسنا، هذا لا يمنع أنني بحاجة للذهاب هناك و طرح بعض الأسئلة. أما الآن فلنركز عليك أنت.
قالت سارة و قد ازدادت حيرتها:
- أنا؟
فقال المحقق:
- فقط بعض الأسئلة البسيطة لا غير. حسنا، منذ متى و أنتما مخطوبان؟
- سنتان و نصف.
- و منذ متى تعرفان بعضكما البعض؟
- سنتان و نصف.
- في نفس الفترة؟
- لقد استغرق الأمر شهر فقط حتى أتى لخطبتي، لقد كنا على وفاق منذ البداية.
- و كيف تقابلتما؟، فحسب المعلومات التي لدي فكل واحد منكما يعيش في مدينة مختلفة.
- إنه صديق طفولة فرح، زميلتي في السكن و الدراسة، كما أنهما جيران و عائلتهما أصدقاء. أول مرة تقابلنا فيها كانت عندما قام بتوصيل فرح للسكن، و بعدها بأيام عندما أحضر لها بعض الأغراض التي أرسلها لها والداها كنا قد تحدثنا قليلا فكان هناك إعجاب متبادل بيننا، ثم تطورت علاقتنا بسرعة.
همهم المحقق ثم قال:
- لنعد الآن ليوم أمس، قبل الحادثة بساعات و بالتحديد منذ أن تقابلتما، هل تصرف على نحو غريب؟، أو فعل شيئا لا يفعله عادة؟، أو ربما طريقة حديثه معك؟.. أنا أعني هل لاحظت أي شيء غريب بتصرفاته؟
- لقد كان يتصرف بطريقة عادية كالعادة، لا شيء غريب على الإطلاق. لقد تجولنا في المنتزه لبعض الوقت ثم توجهنا مباشرة للمطعم.
- و في اللحظات الأخيرة قبل موته، ماذا كان يفعل؟
- كان ممسكا بقائمة الطعام ليختار لنا ما سنأكله.
فرك المحقق رأسه ثم نظر مطولا لكوب القوة بنفس تلك النظرة المشمئزة السابقة، ثم التفت نحو سارة و قال:
- لقد طلبت من كل شخص كان متواجدا في المطعم في ذلك الوقت بأن يصف لي ما رآه بالتفصيل، و كان كل واحد منهم قد أخبرني بنفس الشيء، لكنني مازلت لم أسمع منك أنت.
- لقد كان جالسا في مكانه دون حراك، و فجأة أصبح يتصرف كالمجنون، فأسقط كل شيء من فوق الطاولة ثم أمسك بعلبة الملح و بدأ بحشرها داخل فمه.
- و أنت؟.. ألم تفعلي أي شيء لإيقافه؟
- لم أستطع، لقد تجمد جسدي و أصابني خوف شديد. أنا.. أنا.. لم أستوعب ما كان يحدث أمامي. 
أكمل المحقق طرح الأسئلة و في النهاية كان قد وصل لطريق مسدود فلم يضفر بأي شيء يمكن أن يساعده على فهم سبب موت خالد الغامض، و رغم أنه قد راوده إحساس غريب تجاه سارة، مجرد حدس عابر بأنها قد تكون تخفي عنه شيئا ما، إلا أنه لم يستشعر فيها نية القتل، و لم يرى في عينيها شخصية القاتلة الباردة، فقط مزيج متجانس من الألم و الحزن. لم يتشبث المحقق سوى بالحقائق التي توصل إليها و لم يثق سوى بالمعلومات التي حصل عليها، هذا إضافة إلى كل الأشخاص الذين حقق معهم و شهدوا على ما حصل في المطعم و أكدوا له بأن ما فعله خالد بنفسه كان تصرفا فرديا لا غير، و بالتالي لم يكن أمامه سوى أن يترك سارة تذهب، فهو بعد كل شيء لم يكن يتوقع أن يجدها مذنبة من الأساس، فأخبرها بأنها تستطيع المغادرة، كما أنه نصحها بأن تريح نفسها لبعض الوقت بعيدا عن أجواء الدراسة.
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.