" أنتِ تشبهين زهرة البدايات الأولى و مطر اللقاء الأول بالأرض ..مذهلة أنتِ حد التعب".
هكذا ظلت تدور كلماته في قلبي ، كدوران الأرض حول الشمس .. فلم استطع نسيانها و لا تخطيها، و كيف اتخطى و أنا قد عشت في يوم واحد ما تمنيت ان اعيشه طوال حياتي ،و شعرت بما لم اشعر به من قبل .
فأنا مازالت للآن أشعر بأنفاسه و كأن كل شيئ حدث اليوم ، فصوته الذي حلمت به لليالي و كذا همسه الذي هز روحي قد جعلا مني امرأة لا تعرف نفسها.
بإختصار لقد كان يشبه المستحيل الذي اريد الوصول اليه رغم صعوبة الطريق , و خيالا يصعب على شخص واقعي مثلي أن يلمسه و ماله الا أن يهيم به و يحلم بطيفه البعيد .
كيف سأنتظر لأراه مرة أخرى ؟ هل جميع العشاق مثلي؟ ينتظرون حتى تكاد قلوبهم تذوب ام انني الوحيدة التي تكاد تهوي في جحيم الانتظار؟.. هل جميعهم مثلي يعيشون على فتات اللحظات السعيدة؟ .. هل جميعهم متعمقون حد النخاع و لا يهتمون لمقدار الأذى الذي سيأتي بعد نشوة اللحظات؟ .. هل جميعهم يتجملون و يضعون اللمسات الاخيرة على شوقٍ جرف قلوبهم لمكان الحب المنشود؟ .
فتذكرت حين اتصل بخالتي اليوم ليحدد موعد الجلسة و التي حددها يوم الجمعة مساءا .. و هو لا يعلم بأنه قد كتب فرحا لقلبي خصوصا حين اخبرني تلك الجملة التي جعلتني أطوف العالم في لحظات .. كرحالة ارتحلت لجميع الأماكن و بقي لها مكان أخير حلو تختتم به رحلتها الخيالية.
فأنا مازلت أتذكر تفاصيل ذلك اليوم .. فلمسته مازالت للآن أشعر بها تحرق جلدي و تخترق مسامي , ناهيك عن نظرته التي حُفرت في قلبي .
فلو حللت و فسرت تصرفاته بناءاً على منطقيتي و قلبي ذلك اليوم سأقول بأن لديه مشاعر تجاهي.. لكن هل جميع الأطباء هكذا؟ أو هل هو من النوع الذي يحب جذب النساء اليه و أنا وحدي كثيرة التفكير؟.
تارة أقول أن فراشة الحب قد دغدغت قلبه و تارة اقول أن أفعاله نابعة عن أفعال طبيب مهتم بمريضته أو لعوب يجيد تلحين قلوب النساء.
لكن هل الطبيب يمسك بيد مريضته ويكتشف باطنها و يخبرها غزل غير مباشر؟..هل الطبيب ينظر تلك النظرة المليئة بالرقة لمرضاه ؟ هل الطبيب يعطي وشاحه الخاص لمريضته؟ ذلك الوشاح الذي كان الهدية الثانية منه و الذي لا أنفك اشتنشق رائحته ليبفى داخلي.. ليجاور قلبي و يعانق روحي.
تلك الهدية التي أخفيتها بقلب بخشى عليه من الضياع .. اخفيتها بطفولية قلبي وبنضج عقلي و كلما زارتني ذكراه متأنقة ارتديته بسعادة الكون.
فلو كان يتصرف معهم مثل ما يتصرف معي أجزم بأن جميعهم قد وقعوا في حبه.. فجاذبيته تبرز حين يهتم و اذا ما اهتم أصبح آسرا و ساحرا , من هي تلك التي تستطيع مقاومته ؟ لا أحد .
- توليب هل تسمعينني اين ذهبتي !.
فأجبت هامسة " عنده" .
- هاه ماذا قلتي ؟
- لا شيئ يا خالتي انا هنا ماذا قلتي ؟
- لقد اخبرتك أنكِ قد تغيرت كثيرا منذ ذهابك لذلك الطبيب انه ماهر حقا كما اخبرتني صديقتي و فضلا عن أنه رجل حقيقي لم يتركك وحدك و بقي معك و أحضرك للمنزل ، فالعالم يزدهر بأمثاله.
- بل أنا من ازدهر به و ليس العالم .
- توليب ارفعي صوتك قليلا لماذا تهمسين ؟.
فتداركت الأمر و قلت باضطراب :
- نعم هو ماهر جدا أنتِ قلت هذا و كذا صديقتك .
- حسنا لذلك أنا أرى أنكِ لم تعودي بحاجة اليه .
احسست ان قلبي قد سقط و تبعثرت اجزاءه ، شعرت كأن يدا صفعتني أو يدا هزتني لأفيق من حلم تمنيته أن يدوم ، شعرت كأن الطريق الذي مشيت فيه قد اختفى منه النور فجأة .. شعرت ..و شعرت .. وشعرت .
كم أنا حمقاء و اقر انني غبية ،كيف غابت عني هذه الفكرة و نسيت بأن رؤيته مؤقتة؟،كيف أعجبت بشخص لن أراه مرة اخرى ؟ كم أنا غبية يا الهي كيف تعلقت بشخص سيغدو وهما بعد ان اتعافى ؟ .
- زهرتي لماذا شحبت فجأة هل انت بخير ؟
فقلت بصوت حاولت جعله عادي لكي لا تعرف أن ما قالته قتل قلبي :
- انا بخير يا خالتي لقد داهمني الدوار فجأة فقط لا غير.
- اذهبي لتأخذي قسطا من الراحة و سأحضر لك شاياً ينعش قلبك .
فقلت بهمس و بخيبة العالم أجمع " لا شيئ سينعش قلبي يا خالتي .. سواه."
ذهبت الى غرفتي و الحزن قد عرف طريقا لقلبي ولم اعرف ماذا أفعل لأطرد ما قالته خالتي من رأسي , فهو يدور و يدور و يجعل عقلي على وشك الانفجار , فذهبت لأستحم و لأنزع عن عقلي و قلبي هذه الأفكار علها تتركني و تبتعد.
فخرجت و أنا أجفف شعري المبتل ، فوقعت عيني تلقائيا على سطح المكتب حيث مفكرتي التي وعدت قيصر أن أكتب فيها فإقتربت منها و في داخلي رغبة غريبة في أن أكتب .. تولدت فجأة في نفسي رغبة أن أترجم ما أشعر به.
ففتحت المفكرة و أنا أفكر كيف سأبدأ؟ فلو كانت البداية هي الشيئ الحاسم و الأساسي،.. فبدايتي كانت في شهر ديسمبر ..بدايتي كانت هو .. لذا سيكون أيضا نهايتي كنهاية هذا الشهر المقدس .. لقد جعلته مقدسا لأنني أعلنت ايماني بالحب فيه ، لأنني تجردت من كل ما هو تقليدي و عبثي ، لأنني كسرت القواعد المنطقية في اللعب على أوتار الحب .. لذا قررت أن تكون اولى كلماتي عنه.
فبدأت بتجسيد قيصر و ديسمبر على الورق.
و قد كانت هذه بداية سلسلة من رسائل تكتب و لا تقرأ.
***
- توليب عزيزتي استيقظي لماذا أنتِ نائمة على المكتب ؟
فأجبتُ بصوت ناعس :
- لقد كنت اكتب حتى زارني النوم فنمت و لم أشعر .
فقالت باستغراب :
- تكتبين ؟! منذ متى تكتبين ؟
- منذ أن زرت الطبيب انها وسيلة من وسائل العلاج .
- حقا ؟؟ لقد تطور العالم يجب أن نواكبه . ثم تابعت بصوت مرح :
- هيا اغتسلي لقد اعددت الفطور و جهزي نفسك للذهاب.
فقلت بتعجب و استغراب :
- أذهب ؟ الى أين أذهب ليس عندي شيئ اليوم .
- ستذهبين معي للسوق لنشتري بعض الأشياء .
- حسنا يا خالتي سأستحم و أجهز نفسي ثم سآتي .
فكانت خالتي على وشك الخروج ثم عادت كأنها تذكرت شيئا و قالت :
- يالي من مستهترة لقد نسيت أن أخبركِ ، هذه الأيام اصبحت أنسى كثيرا ! .. لقد اتصل ذلك الطبيب أمس و قد قدم موعد الجلسة انه اليوم في الخامسة مساءا لقد جئتُ لأخبركِ أمس الا انني وجدتك تستحمين , فقررت اخبارك بعد الاستحمام الا انني نسيت الأمر تماما .
لم أكن مع خالتي ابدا و لم اركز مع كلامها أيضا كل ما ركزت فيه هو " طبيب .. موعد .. اليوم .. الخامسة مساءا " و فقط.
و أخيرا ذهبت سحابة الحزن و الاحباط التي عكرت مياه مزاجي ، فالقدر فاجئني و قد قرر اخيرا أن يُدخل السرور لقلبي.
- تولييب هل أنت معي ؟
- اه نعم يا خالتي معكِ لقد شردت قليلا .
- حسا يا حبيبتي سأترككِ تستحمين و تجهزي نفسك و من ثم تعالي لنفطر سويا .
- حسنا يا خالتي .
حين اقفلت خالتي الباب ذهبتُ فوق السرير و أنا اقفز كطفلة صغيرة.. من يراني الآن لا يتوقع أن توليب الفتاة الرزينة و العاقلة تقفز و سعيدة لأنها ستراه ، لو رأتني خالتي الآن بحالتي هذه جتما ستمنعني من الذهاب اليه، لأنني أنا أيضا لم أتوقع أنني سأصبح يوما انسانة هائمة .. حالمة .. و تؤمن بالقدر وترتيباته ، خصوصا بعد الحادث الذي حطمني و جعلني جثة متحركة بلا روح و قلب.
***
- اذا توليب كيف حالكِ ؟
قالها بصوته الذي بعثرني و أنا اجبته بعد بعثرة صوته لقلبي :
- انا بأحسن حال كما ترى .
- وهل تعافيت كليا من مرضك ؟
- ليس كليا انما اشعر بتحسن عما كنته. ثم تابعت اسأله مترددة و أنا لا أعلم انه لو بقيت في ترددي لكنت حافظت على الاقل على رفرفة جناح قلبي .
- لماذا جعلت الجلسة اليوم؟.
فأجاب ببساطة وثقة :
- لكي اراكي و لأعرف حقيقة مرضك أيضا .
فقلت بقلب يكاد يحلق فرحا :
- لماذا؟
- لأكتشف مدى تمسك مرضاي بالجلسات فأحيانا يجعلون من المرض حجة لهم لعدم الحضور .
ثلاث ثواني كانت كافية بكسر جناحي قلبي .. ثلاث ثواني مع ثلاثة خيبات, مرضاي .. حجج .. عدم حضور.
هو لا يعلم أنني لو علمت ذلك اليوم لذهبت اليه ركضا جاعلة من مرضي وحججي و ظروفي طريقا اخطو فيه بكل لهفة والم و مع كل خطوة اهمس باسمه بسعادة .. هو لا يعلم ان رؤيته ترتب فوضى روحي و وجوده نعمة لا اريد زوالها.
كنت سأقسم له برب الكائنات اجمع انني كنت مريضة .
كنت سأبرر له و انا التي لم تبرر لأحد من قبل .. كنت سأخبره بأن تلك النوبة التي داهمتني يوم كنت معه كانت نوبة مرض وليس نوبة هلع بالرغم من انه شهد هشاشتي و ضعفي .. كنت سأصرخ في وجهه واخبره بمرض اخر غير مرضي الجسدي و النفسي .. كنت سأخبره بمرض قلبي به .
لكن لم اقل شيئا من كل هذا و ابتلعته داخلي و دفنته في اعماق روحي و اكتفيت بنبرة هادئة حين قلت :
- لقد اخبرتك بأنني لا ابرر لأحد اي فعل من افعالي لكن لو كنت اجعل من الحجج و الظروف شيئان مهمان في حياتي لما استمررت في المجيئ أيها الطبيب, ولو كنت اريد الانسحاب لما اتيت كل الطريق الى هنا .
فبقي للحظات ينظر لي نظرة غامضة و غريبة و خالية من كل شيئ كأنه يريد تكذيب ما قلته ثم قال :
- حسنا أخبريني يا توليب ما هو لونك المفضل؟ .
فتنهدت و قلت و أنا أتمنى أن ابقى متماشكة حتى تنتهي الجلسة :
- البنفسجي .
- لماذا هو بالتحديد ؟
- لأنني كنت امقت كل ما يحبه الجميع .. انت تعلم أنه منذ أن فتحنا أعيننا على هذه الحياة. و الواننا قد تم اختيارها الوردي للبنات و الأزرق للذكور .. و أنا منذ كنت طفلة لم احب هذا اللون أبدا لأنه عادي و كان مملا بالنسبة لي.. فأصبحت أبحث عن لون نادر و لا يحبه الجميع لون يجمع بين الرقي و الكآبة .. و بين أناقة الأشياء و مسمياتها .. جامع لكل ما هو نادر و فريد , فوجدته! لون في ظاهره لون عادي و في باطنه يعبر عن الحب و غموض التفاصيل .. لون حين يحضر يجعل جميع الألوان هامشية لا صفة استثنائية تجمعهم .
و كل هذا وجدته في البنفسجي.
- كل شخص ينجذب لما يشبهه لهذا انتِ تشبهين هذا لون .. مختلفة بشكل نادر.
- هل هذا اطراء ؟
فإبتسم ابتسامة جانبية و لم يجب ثم قال :
- هل لاحظتِ بأن المفكرة التي اعطيتها لكِ لونها بنفسجي أم انكِ وضعتها في درج مكتبك ليأكلها التراب ؟
هو لا يعلم بأن المفكرة معي الان و انها اصبحت رفقتي الوحيدة , لذا أنا لن ادعه يقرأ كلماتي عنه ابدا , فأجبته ببرود :
- بل كتبت فيها و علمت بأن لدي موهبة الكتابة .
- حسنا هذا جيد فعلى الأقل اكتشفت موهبتكِ بسببي، لكن متى سأقرأها ؟
- و هل يجب على الطبيب أن يقرأ مفكرة شخص ما ؟
فأطرق برأسه ثم أجاب بمهنية :
- هذا عملي و هو التوصل لحل جذري لكن هذا يعود لرغبة المريض على كل حال لأنه حتى و بدون كلماته فأنا أستطيع معرفتها في عينيه و في تصرفاته فبعد كل شيئ هذا عملي .
- اذًا تستطيع معرفة ما في عيني و قلبي دون أن أخبرك أو ادعك تقرأ مفكرتي ؟
- نعم هذا صحيح .
- و اذا لم تستطع ؟
فأجاب بغرور جعلني انفر منه للحظة :
- لا توجد كلمة نفي في حياتي حين أستطيع فأنا أستطيع.
فقلت بتحدٍ و أنا اركز عيني في عينيه :
- سنرى بهذا الشأن اذا كنت ستستطيع في الأخير أن تعرف ماذا يوجد في قلبي أم لا .
-انتِ مختلفة .
-عفوا ؟
-لقد علمت منذ المرة الأولى بأنكِ مريضة مختلفة .. نظرتك الحزينة .. تصرفاتك المتناقضة .. كلماتك التي تارة ما تكون منتقاة و تارة اخرى عبثية لا تأبه لأصول اللغة و قواعدها .. عمرك الذي يتناقض مع مظهرك.. توتر يدك حين اسالك.. انغماسك في افكارك و بعدك عن الواقع .. لهذا أنا اخترت لكِ مفكرة تشبهك و بلون مختلف.. لأنكِ تنتمين لهذا اللون و فقط.
و الان انا وجدت ان حدسي قد صدق لأنك اخترت لونا يشبهك و أنا اخترته بناءا على ذلك .. الا زلت تشككين في مهاراتي كطبيب يا توليب؟
ألم.. خيبة .. غضب .. أمل .. لهفة.. حزن . لقد شعرت بكل هذا في ثانية واحدة اثر كلماته التي لم اسمع مثلها من قبل .. لقد كان أول شخص وصفني بهذه الطريقة و الذي جعل من قلبي ينبض مرة و يتألم مرة اخرى .. لقد عرفني و قرأ كل تحركاتي , شخص مثل هذا سيعرف ما أحمله في قلبي تجاهه .. اليوم او مستقبلا. ثم قلت ما تبادر لذهني لحظتها رغم التشويش الذي يعيشه قلبي :
- اذا سأعتبره ا اطراء هذه المرة .
فقال بهدوء :
- و هو كذلك .ثم غير دفة الحديث و سألني سؤال غريب :
- هل بكيتِ يوما؟
-نعم؟!
-هل بكيت يوما يا توليب؟
-حسنا و من فينا لم يبكِ فجميعنا في الأخير تعرضنا لمواقف جعلتنا نذرف دموعا.
- و هل هذا ينطبق على الحادثة التي جلبتكِ لي؟
- في تلك الحادثة بالتحديد لم اذرف دمعة واحدة.
- لماذا؟
فتنهدت ثم اجبته بشرود و أنا أتذكر ما عشته في تلك اللحظة :
- لأن صدمة رؤيتي لهما في ذلك الوقت الجمتني وجعلتني لا أفرق بين الخيال و الواقع .. كان عبارة عن حادث سيارة لذا مازلت أتذكر برودة جسدهما و خدوش وجههما في تلك المشرحة الكئيبة التي لم و لن تغادر ذاكرتي، ففي جنازة والديَّ لم ابكي او اندب حظا و كل ما فعلته هو النظر في المجهول و كأنني لا انتمي الى هنا.
وجه والدي البشوش رأيته مليئ بالخدوش , و دفئ يد امي كانت باردة و شاحبة.. و هذا كله بسبب كرة ثلج أعجبتني يوما ، فبقيت ألوم نفسي مرة بعد مرة حتى لم أشعر بنفسي الا و أنا اقذف الكرة للحائط لتتهشم إلى قطع مثل ما تهشم قلبي حين رأيتهما اخر مرة .. ناهيك على الهمز و اللمز الذي لم اسلم منه و من اقاربي عن انني ابنة عاقة لم تندب حظها على فقدان والديها و عن انني لا احساس لي لأنني لم أبكي ، وحدي من كنت أعلم انني كنت في حلم ذلك اليوم لا بل في كابوس ، وحدي من علمت أنني في تلك اللحظات لم أشعر إلا بقلبي و هو يتمزق بصمت و بدون أن ينتشلني احد مما انا فيه , الا خالتي التي ساعدتني و بقيت معي تحثني على الخروج لذا فقد نجحت نوعا ما لأنني أمامك الآن .
حين اكملت اصبت بالذهول لأنني استرسلت في الحديث هكذا بدون حواجز أو مقدمات .. لأول مرة اجدني أتحدث هكذا بدون قيود أو عوائق.. ا بسبب ما اشعر به اتجاهه ؟ ام بسبب انه طبيب ماهر؟ ، فنظرت له ووجدته يكتب في اوراقه و حين رفع رأسه نظر لي نظرته الغامضة و قال :
-رحم الله جميع الموتى و اسكنهم فسيح جناته فوالديَّ ايضا وافتهم المنية .
اشتراكنا في يتمنا جعلني أشعر بالراحة لأنه هناك شخص يشعر مثلما أشعر و أن دائرة اليتم التي ادخلته فيها جعلتني أشعر بشعور الانتماء إليه.
قاطع أفكاري سؤاله المفاجئ :
- هل تعلمين ما هو النحيط؟
- النحيط؟ ما هو ؟
- هو البكاء الذي يتردد في القلب و لا يظهر، فليس كل من يذرف الدمع هو شخص متألم أو يتعذب .. قد يكون الإنسان الذي لا يبكي هو أكثر الأشخاص توجعا و وحدة , فتنصدم دموعه في جدران القلب و لا تخرج للعين معلنة عن نفسها .. انما تبتغي في حالات أن لا تظهر نفسها لأن الألم أقوى من أن يقذفه قلب عاجز و ضعيف .. مثل قلبك. لذا ليس كل شخص لا يذرف دموعا يعني انه لا يتألم فالصدمة وحدها تجعل تلك القطرات تجف و يبقى ترددها في القلب ، فهو ليس خطأكِ و لا تحاولي أن تجعلي من دائرة الذنب تحاوطكِ فهذا و قضاء و قدر.
بقيت للحظات صامتة اتدبر في كلامه لأنني شعرت بأن روحي قد تم وضع ضماد عليها .. شعرت بأنني أريد لهذا الشخص أن يكون هو من أخبره كل شيئ و إن كنت تألمت منه اليوم و كثيرا .. أريد أن أخبره عن شعور الانكسار و العجز .. عن كوابيسي الواقعية .. عن وحدتي التي كانت تنهشني لسنوات .. أريد أن أخبره عن كل شيئ .
لكنني علمت اليوم أنني بالنسبة له شخص يريد الفضفضة فقط .. أو كما سماني مريضته ، لذا سأعطيه ما يريد .. الفضفضة بصفتي شخص يريد أن يريه ندوبه و شقوقه ليضع عليها ضمادا آخر كما فعل الآن.
ثم قلت لكي انهي الجلسة فطاقتي نفذت من وجوده :
- أيها الطبيب هل يمكننا التوقف هنا اليوم !
- حسنا كما تريدين سأراكِ يوم الاثنين نفس الساعة.
فوقفت و حين هممت بالمغادرة تذكرت شيئا كنت أريد أن أسأله عنه :
- أيها الطبيب هل يمكنني سؤالك شيئا؟ .
- نعم تفضلي
- اريد ان أسألك إذا ما جاء يوم و أردت ترك الجلسات هل ستوافق ؟
- نعم فرغبة المريض تأتي اولا ثم رغبة الطبيب، حين اعالج جروح قلبك حينها فقط يمكنكِ التوقف عن المجيئ هنا .
- لكن قلبي به جرح جديد لن يُعالج للأبد انا أعلم.
- عفوا ماذا قلتي!
- لا لا شيئ سأراك يوم الاثنين أيها الطبيب.
- قيصر و ليس الطبيب أخبرتكِ بأن تسقطي الألقاب.
فإبتسمت بألم و قلت :
- سأراك يوم الاثنين يا قيصر.
خرجت و أنا أشعر أنني سقطت من السماء السابعة حين كنت احلق.. فقد علمت أنني أنا أيضا وقعت في الحب , لأنني معه حلقت عاليا مطلقة لجناحي طريقة للذهاب لمكانه .. مطلقة لنفسي و لقلبي العنان في الذهاب اليه و اللجوء داخله.
أما الآن فقد انكسر كل شيئ و وقعت في قاع الحب.
حين كنت صغيرة اتذكر جدتي حين كانت تخبرني عن الخرافات و معانيها الساحرة.. أخبرتني عن خرافة تطابق الساعات و التي تحمل معنى انك في بال أحدهم ، و عن أن النجوم ما هي الا أرواح الغائبين الهائمة .. أخبرتني أن النيازك ما هي الا دموع النجوم المتألمة .. و أخبرتني ايضا عن اهداء الساعة للحبيب فال للفراق .
خرافات كانت تلقيها على قلبي ليبتسم بطفولية , و انا كنت انظر اليها بعينين طفلة صغيرة متسعتين من هذا الكم من الأشياء الساحرة التي تلقيها علي .
بقلب طفلة صغيرة صدقتها .
بقلب فتاة كبيرة صدقته.
لطالما ذكرني بالخرافة التي لن تتكرر ، خرافة كانت تلقيها الجدات قديما .. فقد كان خرافة نسيت جدتي ان تحكيها لي .. خرافة ايقظت الطفلة الفضولية التي اختفت داخل روحي .. كان خرافة لا يصدقها العقل و المنطق .. خرافة صدقتها إلا أنا و تمسكت بها كأنها تميمة الحظ في حياتي الكئيبة.
فقد كنت لحظتها أراه في جميع من حولي .. في تطابق ساعات الانتظار و في لمعان النجوم و الامطار المنهمرة .. كنت أراه في كآبة الشوارع و وحدتها.. أراه في حنو النظرات و الابتسامات الموزعة .. أراه في الرسائل الورقة و الكلمات المتربة أراه في الحروف و هي تترصف لتعلن عن وجودها .. كنت أراه في السماء الرمادية و برد لقائنا .. كنت أراه في شهر ديسمبر و أيامه .
لقد ملئني و أنا المليئة بالثقوب.. لقد جعلني لا أريد من العالم سواه دون أن يفعل أي شيئ .. فكل ما بجعبتي سوى نظرة من عينيه الغامضتين و برودة في تصرفاته المتناقضة و عبارة غزل لحظية و مفكرة و وشاح ملئ روحي دفئا.
لم أكن أعلم يا جدتي كم أنه خرافة ساحرة تحبها العجائز و تحكيها للأحفاد.
إلا انني ما علمت يوما كم أن قلبي عجوز هرم يهوى الخرافات .
فأنا لدي ما يبكيني و ما يشعرني بأنه لدي قلب .. لدي ما يشغل ليالي المظلمة و وحدتي .
انا لدي خرافته و لقاءنا و ديسمبر.
وقفت أنظر للسماء الملبدة بالغيوم و الرياح تلفح وجهي و شعري .. يذكرني هذا الجو بيوم لقائنا الا ان المطر يومها كان سبب سحر الأجواء ، فذهبت ناحية البحر الذي شهد جنوني و لهفتي و قلة حيلتي .. شهد انغماسي في حلم خيالي مليئ بالمطر و به.
مرحبا أيها البحر هل تذكرتني؟ أنا تلك التي جائتك لتعلن إيمانها بالحب .. لعلك لا تتذكرني لكن امواجك المتمردة تذكرتني فأنا الوحيدة التي رقصت على امواجك و انغمست في عالم الحب و الأحلام الوردية .. فأنا التي أعلنت أمامك بأن قلبي المشيد بأسوار عالية قد اسقط منطقه ليصعد الحب مرفرفا فرحا .. أنا التي جائتك بهذه المفكرة لأنها اول هدية منه و فيها اسمي و لوني .
أنا هي توليب التي ألحدت بالحب منذ ولادتها و أمامك فقط أعلنت ايمانها .
آمل أن تكون بخير أيها البحر لكنني لست كذلك .
هل تعلم بأنني لم أقع في الحب.. بل حلقت فيه؟ .
كنت اعتقد انني مختلفة عن اللواتي وقعن في الحب .. فأنا كنت احلق بحرية الزمان و المكان .. أحلق بلهفة اللقاء المربك و سعادة القلب الأول .. أحلق داخل غرفتي بلهفة و شوق لرؤيته لأن جناحي لم يسعانني.
كنت أحلق و في قلبي بصيص أمل أنه سيبادلني يوما الشعور و سأتحول من مريضته إلى صديقته ثم حبيبته .. كنت مؤمنة بالوقت و اساليبه العجيبة في تغيير الأشخاص و القلوب.
الا أنني في الاخير اكتشفت أنني كنت كاللاتي وقعن في الحب .. كنت كاللاتي يفاجئهن الحب بوجهه الأخر .. كنت كاللاتي يعشن على مزاجية اللحظات ووهم التفسيرات .
لقد كنت أعتقد انني مختلفة عنهن لأنني بدون تجربة أو خبرة .. و هذا ما جعلني ارفع سقف توقعاتي عاليا .. عاليا حتى لا تكاد تراه عيني .. عاليا و مليئ بثقل الأيام و اللحظات. فاذا به يسقط على قلبي و يرديه صريعا بسبب ثقل ما حمله.
أيها البحر .. هل تؤمن بالخرافات ؟
حين كنت صغيرة آمنت بها و صدقتها ، لكن حين كبرت و اصطدمت بالحياة علمت أنها حكايات تناقلتها الجدات لتفسير ظواهر خارجة عن المألوف في حياتهم لأنهم أرادوا تصديق كل ما هو غريب و ساحر .
لكن الذي حدث أنني عدت الى تلك الطفلة ذات العيون الفضولية حين رأيته.
لقد عاد قلبي الطفولي لأنني علمت حينها أنه خرافة ساحرة و غريبة كاللي تحكيها الجدات .
هل تعلم أيها البحر؟ أن لقاءنا كان في يوم وفاة والديَّ .
في الأول من شهر ديسمبر.. التقيت بأول رجل يجمع بين تناقضات عديدة ..اول رجل وجدت فيه ما لم أجده في اي رجل قط .. رأيت فيه الغموض و برودة القلب و دفئ الروح .. رأيت فيه ندوبا لا أعلم سببها.. رأيت تناقضات الأشياء و ندوبا مازالت ظاهرة .. رأيت فيه كل شيئ .. لأنه الكل شيئ.
غريب هو ديسمبر أيها البحر .. غريب كيف أنه يجمع بين التناقضات مثله .. شهر فيه نفحات رقيقة من حنين زاخر .. شهر لهفة اللقاء الأول .. شهر اجتماع الأحبة و فراقها .. شهر رحيل الأرواح و اختفائها.
غريب هو ديسمبر أيها البحر .. لأنني فقدت فيه شخصين و التقيت فيه بشخص .
غريب هو لأنني فقدت فيه قلبي وعاد لي مجددا .
غريب هو لأنه كسرني و رممني.. رماني و اعادني .. تركني و عاد لي .
ألم أخبرك أنه غريب .؟
كنت أخالني أرى فيه برودة الشتاء و عينيه.. و مطر الحب و لهفته .
و الآن بت أرى فيه الرحيل و الغياب .. أرى فيه الخيبة متدثرة برداء الخفاء..أرى فيه الخذلان و الألم منقوشا في أسابيعه و ايامه و ساعاته.. بت أرى في ديسمبر أيها البحر الأشياء التي لم ارها منذ اول مرة .
الجانب الآخر للحب في شهر الغياب ديسمبر .
الجانب الآخر لخرافة الرحيل و الخذلان.
أيها البحر سأتركك الآن مع امواجك المتمردة أما أنا فسأعود اليك مرة أخرى.
كن بخير.
فذهبت لذلك الكرسي الذي جلست فيه المرة الماضية و كُللت بالانتصار من طرفي , ثم أخرجت مفكرتي و بقيت اتلمس فيها كشخص وجد كنزه الثمين ، فأنا لا أعلم منذ أن أعطاها لي و انا اكتب فيها اليه .
فوجدتني ادون لا شعوريا كل شيئ يشعر به قلبي .. اكتب اليه بحروف مبعثرة علها تصله .. اكتب اليه و اصب فوضى روحي صبا عله يجدني يوما و يرتبني.