اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

رواية يوما ما .. الفصل الرابع عشر

جاري التحميل...

الفصل الرابع عشر

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

خرجت و أنا أفكر في كلامه ، أفكر و أفكر و أفكر حتى كاد رأسي ينفجر ، أفكر و أنا أشعر تارة بالتردد و تارة اخرى بالشجاعة ، فبقيت أؤرجح الكفتين و انتظر في قرارة نفسي اي الكفتين سترتفع و أيهما ستنزل.
بين الأمل مجددا و الخيبة بقيت عالقة .
 بين سطوع امل خفيف و بين خوف من حزن آخر بقيت اصارع نفسي طويلا .
فلم أشعر بقدمي إلا و هي تأخذني امام عيادته ، بقيت بعيدة أنتظر و أفكر في نصيحة جدي " حين يتغلب دافعك على خوفك حينها امضي و لا تترددي" .
و كانت كذلك ، حين شعرت بأن دافعي كان أقوى تجرأت و دخلت بدون خوف و بلا تردد و بدون أن ارجو مقابل او مبادلة لما أشعر به .. دخلت و أنا مقيدة بلحظات من الوهم عشتها وحدي ..دخلت و أنا أرى الذكرياتٍ ترتسم داخل مكان شعرت فيه مرة بإرتباك اللحظة الاولى .. دخلت و أنا أرى ذلك الكرسي الذي انتظرت فيه اول مرة .. تلك اللهفة التي كنت ادخل بها إلى القاعة شوقا و أعود فيها مليئة بذكرى حالمة ترافقني لأيام .. تلك التفاصيل و الذكريات قد اعادتني لما قبل عامين .. إلى يوم رأيته فيه اول مرة و الى ولادة حب لم اتوقع ان ينمو داخل جدران مكان رأيته يوما مليئ بالمجانين.
فاغرورقت عيناي و شعرت كأنني عدت للمكان الذي لاطالما بحثت عنه .
- عذرا سيدتي هل انتِ هنا لمقابلة الطبيب ؟
فالتفتت لها و أنا اطرق برأسي لكي لا ترى احمرار عيني, ثم تمالكت نفسي و قلت بإبتسامة مصطنعة :
- نعم لكن ليس لدي موعد , ايمكنني لقاءه بدون موعد؟ فأنا كنت اتعالج هنا.
فنظرت لي نظرة شك و استغراب و قالت :
- لكن وجهك لا يبدو مألوفا فأنا اعرف معظم مريضاته.
كلمة مريضاته جعلتني أعود و أتذكر يوم قال لي أنني بالنسبة له مجرد مريضة فقط ,فإبتسمت بألم و قلت بصوت منخفض :
- نعم لأن ممرضة اخرى كانت مكانكِ , فأنا أيضا كنت مريضة عنده منذ عامين اسمي توليب عوض هل يمكنني مقابلته ؟
- حاليا هو ليس هنا ،فقد طرأ امر عاجل و لا أعرف متى سيعود , يمكنكِ انتظاره ان شئتي, حتى اسأله إذا كان بإمكانه مقابلتكِ بدون موعد.
- الا يمكنكِ الاتصال به ؟
- وددت لو اتصلت به لأجنبكِ عناء الانتظار, لكنه طلب مني الا ازعجه بأي اتصال كان, لذا أنا آسفة يا سيدتي .
حسنا هذا عذر جيد للهرب و الاختباء و العودة لما كنتُ عليه ، هيا فلنعد ادراجنا و لننسى أنني جئت هنا ،هذه إشارة جيدة للابتعاد.و العيش وحيدة كما كنت أفعل، هيا توليب عودي لحياتك المنعزلة و تجنبي الألم مرة أخرى .
 لكن في تلك اللحظة شعرت أن هناك شيئ داخلي تغلب على خوفي و جُبني اخيرا ، فهل يمكن أن تكون الشجاعة؟ تلك التي بحثت عنها طويلا كي اتخلى و اترك و استسلم و لم أجدها؟ ها هي تأتيني و تجبرني على الوقوف و الصمود .. لأول مرة في حياتي تخليت عن الجبن و تحليت بالشجاعة ، و ما بين تناقضات نفسي قلت بدون تردد و بهدوء:
- حسنا سأنتظره هنا الا أن يأتي .
ثم ذهبت إلى نفس الكرسي الذي لاطالما جلست عليه و بقيت انتظر مع دقات الساعة التي كانت تدور ببطئ و بهدوء و أنا ارسم جميع السيناريوهات المحتملة فالبرغم من يقيني أنني جئت الى هنا بأمل مخفي في أن يبادلني المشاعر أيضا الا أنني أعلم أيضا أنني سئمت من التعلق بحبال الماضي و آن الأوان لأستسلم و اتقبل رفضه و امضي بعيدا ، فطريق الخيبة سيأتيني لا محالة اما الآن أو او بعد .
فتساءلت و أنا أنظر للساعة هل إذا لم اذهب اليوم لجدي و لم يقل لي انه هناك مريضة تشبه حبه الأول هل كنت سآتي ؟ هل اذا لم اخرج و التقي بجدي الم أكن سأستجمع شجاعتي و اترك؟ فأنا الآن أعلم أنني اتيت الى هنا بكامل قواي القلبية و العقلية .. إما أن اتركه و اقطع كل ما له صلة بي .. أو اكون التي تشبه شبح حبه الأول مع بصيص آمل أن أكون معه.
 لكن بماذا اشبهها بالضبط؟ شكلها ؟ نظرتها ؟ اسمها ؟ خيانتها و كذبها ؟ ام قلبها؟ فأنا أرى أنني لا اشبهها في شيئ.
شكلي الهش الذي يوحي بالانكسار.. روحي التي زارها الفقد .. .. وجهي و تعابيره الشاحبة.. قلبي الذي صمد على اشباح الماضي و أحب شخص لم يره لعامين قلبي الذي بقي يردد اسما واحدا .. اسمي الذي يحمل زهرة الحب العميق النابع من الألم و التضحية.
يقولون لكل امرئ من اسمه نصيب و أنا نلت نصيبي من اسمي .. فمن انا لكي اعترض؟.
لاطالما كنت امرأة قدرية تؤمن بالقدر و ترتيباته.. لاطالما كنت و مازلت أؤمن و اعرف ان لكل شيئ بداية و نهاية ، فبدايتي كانت في ديسمبر و نهايتي كانت فيه و عنده و في آخره.
 لقد توقفت عن عتاب الحياة منذ مدة ، فلم أعد اغضب .. و لم أعد انهار او أحزن او اندب .. انا فقط لم أعد اي شيئ!
أنا صرت اتقبل الأمور بمجرياتها و بحقيقتها و بهدوء أيضا .. أنا تقبلت قدري و حبي و ألمي و حزني , فلم أعد أشعر لا بالغضب و لا بالسخط.. أنا لم أعد ارجو من الحياة شيئا !.
 انا التي تُركت فلماذا الغضب ؟ .
انا التي شبهت بزهرة البدايات و النهايات.. زهرة الحب و الألم فلماذا العتب؟
انا التي بدأتُ به منذ عامين و ها أنا هنا لأنتهي منه في نفس يوم لقاؤنا فلماذا الندم؟
يا لسخرية القدر! لقد اعادني الى هنا ليعيد فتح جراحي و تزويد آلامي ، لماذا اعدتني أيها القدر؟ لماذا جعلتني استجمع شجاعتي الا اليوم ؟ لماذا اليوم بالذات ؟ لماذا في ديسمبر؟ لماذا ؟ .
فإنتبهت انها مرت ساعة كاملة و لم اعد وحدي ،فقد وجدت امرأة جميلة و أنيقة تتحدث مع الممرضة و قد كانت هي أيضا تبحث عنه .
 فسمعت ما جعلني اتسمر و أنا تحت صدمة كلماتها .. شعرت أن روحي ستغادرتني .. شعرت أن قلبي ينبض و ينبض و على وشك الخروج من مكانه شعرت أنني انفصلت عن الواقع لأعيس مع كلماتها فقط.
 فتمالكت نفسي و اقتربت منهما و أنا أجر قدمي جرا لأقول للممرضة بجمود وبصوت منخفض متجاهلة المرأة الاخرى و قلبي كان يكذب ما سمعه :
- هل الطبيب سيأتي ام لا ؟.
فإبتسمت الممرضة و قالت بمرح مصطنع :
- سيأتي لا تقلقي فهو لم يفوت مواعيده قط .
ثم إلتفتت للمرأة الأخرى و قالت لها :
- انا لا اعلم إلى أين ذهب لكن هل تريدينني أن اتصل به و أخبره ان خطيبته هنا؟.
يا للسخرية ! حتى هذه الممرضة عاملتني كمريضة يجب عليها الانتظار و لا يجب أن يتم ازعاجه من طرفها .. في حين أنها ستتصل به من أجل المسماة "خطيبته" عن طيب خاطر .
 في الأخير لقد خطب! على الاقل كان أحدنا سعيدا .. على الأقل هو لم يعش على اشباح لحظات مرت مثلي أنا .. على الأقل قيصر وجد سعادته و ليس مثل توليب التي كانت تنتظر و تتمنى .
فعلمت فورًا ما الذي سينتظرني و علمت كفة من قد ارتفعت .
 أنا أدركت أنني أقوى مما كنت أتصور، فأنا قمعت رغبتي في البكاء و قمعت معها كافة احساسي المتضاربة لكي أبدو بمظهر " البخير " بعد سماع ما هز قلبي هزا .. أنا أدركت انني يجب أن أكمل ما جئت لأجله لكن بقلب اختفى منه الأمل كليا.
فإبتعدت و ذهبت للحمام و أنا أنظر لصورتي المشوشة في المرآة و احساس الشجاعة الذي كان لدي بدأ في التراجع .. هيا تمالكي نفسكِ يا توليب ! لا تنهاري على الاقل ليس الآن و هنا ! .. يجب أن اعطيه افكاري و قلبي لأنتهي منه للأبد هذا اخر شيئ يربطنا معا و أنا سأقطعه .. نعم سأقطعه الآن !.. فهذا هو الدين الأخير الذي مزال يربطنا معا لذا سأسدده و انتهي منه نهائيا .
أن توثق نفسك في الاوراق يعني أنك ستترك نسخة منك .. تترك اثرك و روحك.. أثر سيبقى في النهاية ليخبر الجميع أنك أحسست و أحببت و انهرت و حزنت . و أنا سأترك نسختي معه عله يتذكرني بين حين و آخر.. عله يشعر بماذا شعرت .
لقد جاء الوقت الذي ستقرأ فيه رسائلي يا قيصر, لكنني لن أكون معك .
ثم تنهدت و خرجت بهدوء و أنا أنظر للمكان , فرأيت أنه لا وجود للممرضة و لا للخطيبة ، الا من بعض الاشخاص الذين بدءوا في الدخول ، فإغتنمت الفرصة و ذهبت أمام باب مكتبه و بقيت اتنصت فلم اسمع اي صوت .. فتحت الباب بهدوء و دخلت و أنا اتنهد لأنني لم أجد احدا , و لأنني أيضا استطعت أن استنشق رائحته التي اشتقت اليها ، فملئت رئتاي بها لأنها ستكون كذكرى أخيرة أحملها في قلبي.
 ثم فتحت محفظتي و أخرجت المفكرة و وضعتها فوق مكتبه , و حملت ورقة كانت مرمية و كتبت فيها ما تبادر لقلبي لحظتها، و وضعتها فوقها.
 ثم نظرت نظرة حزينة و أخيرة لصديقتي و لمكتبه و خرجت بهدوء , فوجدت الممرضة في وجهي، فتفاجأتُ و قالت هي بإستغراب :
- ما الذي كنتِ تفعلينه داخل مكتب الطبيب؟
فنظرت لها و تمالكت نفسي ثم قلت بنبرة هادئة:
- لقد اختلط علي الأمر و حسبته الحمام فلم انتبه .
فإبتسمت و لحسن الحظ انطلت عليها الكذبة , ثم قالت بحماس :
- ان الطبيب في الطريق دقائق و سيصل .
- لا لا داعي انا ذاهبة لقد تأخرت و سيحل المساء قريبا.
 لم أنتظر اجابتها فخرجت و انا اهرب منها ، لكنني توقفت و بقيت أنظر لخطيبته و التعجرف يعلو ملامح وجهها لقد كانت قوية و أنيقة جدا.
صحيح فهي ليست مثلي في اي شيئ .
خرجت و أنا اضع حلواي المفضلة في فمي علها تنعش روحي بعد مرارة ما فعلتُ , ثم رأيته آتي من بعيد و توقف كل شي .. رأيته بكامل اناقته و جاذبيته .. رايته بعد غياب عامين .. رأيته بنفس الغموض و الثقة .
 رأيته و ادركت أنه و خطيبته يكملان بعضهما .. أما أنا ؟ لا أصلح لأن أكون معه لا في الواقع و لا في الأحلام .
 لقد رأيتك أخيرا يا قيصر و لم يعد لألمي أي معنى.
تداركت نفسي بسرعة و ذهبت للطريق الآخر اختبئ وراء الجدار , و أنا أشعر أن نبضات قلبي تناديه. بعد كل هذه المدة لماذا مازلت تنبض له لماذا ؟
فتملكني الفضول لأراه عن قرب و أنا اتمنى ان يكون ما زال في الردهة فلا بأس أن أراه لآخر مرة ! فذهبت و رأيت ما جعل قلبي ينهار و يتفتت .. رأيت ما جعل روحي تئن و تهوي .. فذلك الحضن الذي كان المفترض ان يكون لي بات لها.
هي الان تعانقه مغمضة العينين و قريرة القلب , و هو كان يعانقها بابتسامة هادئة , وما زاد من ألمي سوى رؤية الجميع يضحكون بخجل .. و انا ؟
أنا الوحيدة التي كان قلبها يتفتت و تبكي بقلة حيلة.
فلم أشعر سوى بسقوط حلواي على الأرض كسقوط قلبي و انا أراهم متعانقين .. لم اشعر سوى بدموعي و هي تبلل خدي و روحي
ماذا توقعتِ اذا أن يحبكِ انتِ؟ أنه لم يجد سعادته و ينتظركِ ؟ ماذا يعرف عنكِ اصلا ؟
 ليس عدلا ! ليس عدلا أن أشتاق و ابكي و في الأخير تأخذه هي ؟ ليس عدلا أن أحلم و اتمنى و هي تحقق ؟ ليس عدلا أن ديسمبر فرقنا وهما جمعهما ؟
لكن منذ متى كانت الحياة عادلة ؟ لقد اخذت كل عزيز على قلبي فأين العدل في الحكاية ؟ أنني بقيت وحدي بدون امل .. بدون قلب .. بدون روح.. بدون لا شيئ .
لم أكن اعتقد ان رؤيتي للشخص الذي أحبه في حضن غيري أن يجعلني أشعر في الاخير انني لا احد .. انني مجرد نكرة لن يتذكرها احد.. ان الاختباء و الانزواء في الاخير كان الحل الأمثل .. لم أكن أعتقد ان لي دموعا الا حين رأيتهما.
فشعرت بقطرات رقيقة تطبطب على روحي و بدون ان اقاومها او اتحرك بقيت متسمرة فقط انظر اليهما مع دموعي و المي ، فأنا لم أعد اقاوم أي شيئ .. أنا استسلمت.
ثم حملت خيبتي و هزيمتي في قلبي المنكسر و ذهبت بهدوء و بصمت بدون أن يشعر بي أحد كعادتي.
ذهبت و أنا محملة بالخيبات و في يدي خيط الأمل الذي قطعته قصرا ، ما الذي توقعته يا توليب؟ هو ليس مثلك ، سعادته ليست معكِ بل مع غيركِ .
هو لم يجعل من ذكراكِ صورة خالدة تلاحقه يوما بعد يوم دون كلل .
هو لم يكتب لك رسائل يناجيك فيها لتأتي.
هو لم يتمنى في كل ليلة أن يراكِ و لو حلما يزوره لثانية .
هو لم يبكي و يتألم لأنه اشتاقكِ و عينيكِ.
هو لم يذهب للبحر و اشتكى له و انهار أمامه بكل أسى .
هو لم يجعل من ديسمبر شهرا مقدسا لأنه كان البداية لقصة كانت احادية الطرف.
هو لم يحب المطر لأنه يذكره باللقاء الأول .
هو لم يحب و يكره القدر في نفس الوقت لأنه جمعكِ به و ابعدكِ عنه .
هو لم يتألم لألمكِ و لم يحبِ الطفلة التي مازالت بداخلكِ.
هو لم يركِ كإمرأة بل كمريضة جاءت لتشفي روحها.
هو يا توليب قد وجد السعادة و الحب و الجمال مع امرأة أخرى.
كل هذه المدة اتوقعتِ أنه هو أيضا احبكِ و بحث عنك في تفاصيل الأشياء ؟ اتوقعتِ أن النسيان لم يزره مثلك؟ اتوقعتِ أن لياليه و ذكراه ستكونِ انتِ؟ اتوقعتِ كل هذا و لم تتوقعي أن شخص مثله قد يقع في حب غيركِ ؟ شخص مثله قد وجد فيها ما لم يجده فيكِ ؟ ألم تتوقعي أنه سيبحث عن من تملئ فراغ قلبه و تتغلب على آلامه؟ .
اتوقعتي كل هذا و لم تتوقعي أن يزوره الحب ذات يوم او ذات ليلة ، تحت المطر او في الطريق؟ .
ألم تتوقعي انكِ لم و لن تكوني الامرأة التي يبحث عنها ليعيش معها ما كنتِ انتِ تحلمين به ؟
كم كانت توليب حمقاء لتتمسك بأمل زائف لمدة عامين ، كما كانت غبية و يائسة لتمارس التضحية و الإخلاص مع القدر ، كم كنتِ مثيرة للشفقة يا توليب حتى آمنتي بديسمبر و بالحب و أساليبه.. لذا تحملي خسارتكِ وحدكِ و لا حق لكِ بالبكاء او الشكوى .
وجدت نفسي أنني وصلت للمكان الذي أستطيع آن أكون فيه أنا ، المكان الذي شهد اولا لهفتي، و شهد ثانيها انهياري ،ثم كان ختامها انكساري.
مرحبا أيها البحر لقد أتيتك مرة أخرى اإشتقت لي ؟ا اشتقت لتوليب البعيدة ؟
ا انت ايضا كنت تراني مجرد إمرأة مثيرة للشفقة ؟ امرأة لا تصلح لتكون مع قيصر؟
اترى ماذا فعل بي الحب أيها البحر؟ اترى ماذا فعل بي ديسمبر ؟ ديسمبر الذي لاطالما ملئني بالفقد و الرحيل .. ديسمبر الذي تحققت فيه خرافتي الخاصة.
اتعلم ما الذي اشعر به أيها البحر ؟ في الحقيقة انا لا أشعر بشيئ ، ألا ترى أن روحي تبكي بصمت ، تبكي خشية ان تزعجني ببكاءها ، ألا ترى أن دموعي قد جفت و ها هو السحاب يبكي عوضا عني .
انا كنت امرأة معطوبة ايها البحر ، امرأة غير صالحة للحب و الأمل، امرأة تملئ روحها الفوضى من الذي سيتحمل ترتيبها ؟
أنا كنت امرأة مليئة بالتفاصيل و بالبدايات.. امرأة قدرية و ديسمبرية للحد الذي ظننت فيه أن كل شيئ كان حلم دائم سأعيشه .. لقد أحببته أيها البحر و تمسكت بالوهم عله يصبح حقيقة يوما .
لكن ذلك الوهم قتلني و دمرني .. ذلك الوهم رماني جانبا و صفعني لأستفيق من غفلتي بطريقة قاسية .. بل قاسية جدا .
لقد كنت طوال العامين ارمم ما أستطعت ترميمه و أصلح كل عطب فيَّ ، لقد كنت امسك يدي بيدي و ابتسم رغم ما بداخلي ، لقد حاولت أن أعود لما قبل اللقاء ، لما قبل الحب ، لما قبل ديسمبر، أردت العودة و المضي .
 لقد حاولت أيها البحر لكن اليوم تم تكسيري و بعثرتي إلى قطع و للمرة الثانية .
كيف سأرممني الأن مرة اخرى و اعيد القطع لمكانها ، كيف سأقنعني بالمضي ؟ كيف؟.
لقد كتبت و كنت افرغ شوقي و ألمي و انتظاري و اقول ما لم أستطع قوله اليه، كنت اشكو إلى مفكرتي و كأنه سيسمعني و يقرأني ، لقد كتبت له رسائل لم اعتقد يوما أنه سيقرأها، رسائل كانت ضائعة لمدة طويلة لكنها وجدته أخيرا و ذهبت إليه لتشكوه مني .. من ضياعي و تشتتي.. من انتظاري الطويل و يأسي الدائم.
ثم مرت في ذاكرتي سطور اغنية فيروز " ما قدرت نسيت " لتذكرني بما عشته :
 "جرب فيهن انا انساك و مقدرت.                            نسيت"
"و اكتبلك على ورقة حتى ما اقول.                 ما بقدر اقول"
"يا ريتك مش رايح يا ريت تبقى على.                           طول"
 
فأنا أيضا لم أنسى يا فيروز .. انا أيضا لم أستطع ارتداء وشاح النسيان ، و سكبت كاملي في أوراق خلت انها لن تجد طريقها ، لكنها في الأخير و بالرغم من توهانها وجدته.. لقد كتبته في أوراقي حين لم أستطع الذهاب اليه .
فأي حب هذا الذي يجعلني اخاطب شخصا غائبا بكلمات لم أستطع قولها حين كان حاضرا؟.
لقد ترجيته بعيني أن يبقى يا فيروز .. أن يأتي و لو كذبا.. أن يزورني حلما او وهما او حقيقة .. لقد رجوته و الخالق أن يحبني بالرغم من عطبي و هشاشتي.. أن يخبرني بصوته الذي اشتقته أنه معي .. يطمئنني بكلماته و يعانقني بعينه .
 لقد تمنيته و رجوته و حلمت به .. لكنه في الأخير وضع يديه على قلبه و تظاهر بالصمم ثم ابتعد و ذهب اليها.
اتعرف أيها البحر شعور ان تُحب ثم تُخذل ثم تتمسك بطيف خفي فإذا بذلك الطيف يصفعك و يخبرك أنه غير موجود لتعاود تجربة الخذلان مرة أخرى لكن بطريقة أقسى.
لقد كانت التجربة قاسية أيها البحر .. كانت مؤلمة و شديدة الوقع على قلبي اكنت ستستحمل لو كنت مكاني ؟ اكنت ستتخطى و تعود كما كنت ؟.
لكني تحملت و تحملت .. وقفت ثم سقطت و بعدها وقفت و الآن سقطت .. ثم ماذا ؟ ثم انطفئت و انطفئ معها وهج روحي , فلم أعد أشعر بأي شيئ .
لقد أصبحتُ رمادا اذا .. امرأة بُتر منها ما تحب عنوة و قَصرا .. امرأة خسرت روحها و قلبها ، امرأة أصبحت بلا روح ، أليست جثة اذا ؟.
أيها البحر هل ستبقى معي انت على الاقل ؟
لقد تُركت و وُسمت بالفقد و انكسرت ، اتخال مرأة مثلي ستمضي؟ من سيتقبلني اذا ؟ من سيتقبل بجثة بلا روح و لا قلب ؟ .
لقد علمت فور نظرتي الأولى لعينيه .. فور ابتسامتي اللاارادية و لهفتي عليه ، انه ليس شخص عاديا .. و أن ثمنه سيكون غاليا ، بل غاليا جدا.. لقد علمت فور انغماسي فيه و إليه أن ضريبة رؤيته ستعود علي اما بالمنفعة و هذا كان احتمالا ضئيلا او بالخسارة و هذا كان الأكثر ترجيحا.
لأن احساسي منذ المرة الأولى انبئني أن اثره سيبقى و لا يزول .. فيا ليتني لم أغرق فيه.. يا ليتني انتشلت نفسي منه مثله هو .
أنظر الا تتذكر هذا الطقس ايها البحر ؟
الا تتذكر ؟ اعلان الحب و الانهيار و الآن اعلان الخيبة .
الا تتذكر رقصي و بكائي و الآن خذلاني .
الا ترى أن القدر ما زال يريدني أن أعيش ما عشته لكن بطرق مختلفة؟ .
الا ترى أنني تعبت فلم أعد أستطيع المضي ولا الوقوف مجددا؟ .
انا سأذهب الآن ربما سأعود او ربما لا فكن بخير و شكرا لأنك كنت على الاقل موجودا بثوران امواجك ووقار حضورك .
 لقد كنت الوحيد الذي شهد لهفة البداية و خيبة النهاية.
ثم ودعته و ذهبت و جلست على الكرسي و بقيت أتأمل تمرده بهدوء و بدون احساس ، أتأمل و لا أشعر بقلبي او بما يحيط من حولي ، اتأمل و أنا ابتسم بسخرية للقدر و لكل الذين تركوني و عانيت الفقد منهم .
فأنا سأنسى و امضي ، الأن او بعد شهر أو بعد عامين آخرين او حتى بعد خمسون عاما .
سأنسى و لو ارغمت نفسي على أن اغير المدينة و ارحل بعيدا .
سأنساه و انسى حكايتي و ادفنها عميقا لتصبح ذكرى متربة منسية لا استرجعها الا في شهر و يوم لقاءنا .
أنا سأنسى أنني أحببته.
سأنسى أنني أحببت رجلاً جاء به القدر بدون مقدمات .
 سأنسى عن تحقق خرافة شهر الرحيل ديسمبر.
سأنسى.
                          *******

دخل بعد يوم متعب بكامل أناقته و هدوءه المعهود فوجد مذكرة مألوفة جعلت قلبه ينبض بقوة و فوقها عبارة مكتوبة بخط اليد , فحملها و بدأ يقرأ ببطئ و بصوت منخفض:
" ان ديسمبر قد جمعنا مرتين و فرقنا مرة ، فهاهي خرافة الرحيل قد تحققت في حين انها كانت يجب أن تبقى خرافة .. .اسمح لك أن.                  تقرئني لأنتهي منك."

حملها و بقي يتأمل كلماتها لقرابة دقيقة و هو يفكر بعمق في تناقضات العبارة , و قد عرف قلبه من كتبها فورا ، فخرج و نادى على الممرضة بصوته العميق ليتأكد .
- هل هناك أحد دخل مكتبي غيركِ ؟
- لا أنا لم أرى احد يدخل هنا .
بقي يفكر قليلا ثم قال بهدوء :
- حسنا يمكنِك العودة لعملكِ .
فذهبت و قبل أن يغلق الباب عادت مسرعة و هي تقول:
- لقد تذكرت لقد جاءت اليوم امرأة و لم يكن عندها موعد فبقيت تنتظرك قرابة ساعة،لقد سألتني عنك فأخبرتها أنك في الخارج و ستعود , فانشغلت بالحديث مع الآنسة خطيبتك ،ثم بعد أن تحدثت معك عدت لأخبرها انك ستكون هنا بعد دقائق فوجدتها اختفت ، و حين ذهبت لمكتبك لأضع الأوراق وجدت انها قد خرجت منه , فأخبرتني انها اخطأت بينه و بين الحمام ثم ذهبت سريعا .
اذا هي! لقد عادت بعد كل هذه المدة , بعد أن بحثت عنها طويلا ها هي قد جاءتني اخيرا بقدميها و بجمالها و لم تجدني .. ثم ماذا خطيبتي!؟ تلك الحمقاء لماذا اختارت هذا اليوم بالذات لتأتي فيه , و لماذا اخترت أنا هذا اليوم لأخرج فيه!.
فأراد التأكد مرة أخيرة فلا ضير من سماع اسمها مرة أخرى:
- هل أخبرتكِ عن اسمها ؟
- نعم اسمها أعجبني لذا ما زلت اتذكره اسمها على ما اظن توليب . ثم تابعت بتوتر :
- هل كل شيئ على ما يرام هل فعلت شيئ سيئ ؟
- لا لم تفعل بل فعلت شيئ تمنيته طويلا .
- نعم ! ماذا قلت ؟
- لا شيئ عودي لعملكِ .
فدخل و طيف إبتسامة شقت طريقها لملامحه و هو يتمتم إسمها بهمس ،فجلس على مكتبه و هو يرتشف من قهوته بهدوء , ثم حمل المفكرة و فتحها و هو يتمتم بهمس:
و أخيرا لقد طال انتظاري و سأقرئكِ يا توليب.
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.