ملكٌ على حافّة العدم الفصل السابع
بدون عنوان
.........
لحظة الالتحام....
صرخت جويريّة بأعلى صوتها، وانطلقت برفقة حصانها نحو الأعداء،
وتبعها الجنود وهم يصرخون، يمزجون الخوف بالشجاعة. كان جيشنا صغيرًا مقارنةً بجيش العدو، لكنني
تقدمت بسرعة أمام الجيش، مسبقًا جويريّة والجنود.
في لحظة واحدة، ألقيت سحرًا كثيفًا: ضباب أسود جعل أرض
المعركة غامضة، وغير واضحة.
عندما دخل الجنود هذا الضباب، تفاجأ العدو بمذبحة عظيمة. تطايرت الجثث في السماء، واحتراق أجسادهم أضاء
الأرض، بينما ارتوت الأرض من دمائهم. ما حدث كان كالسحر، لكنه حقيقي. ذلك الضباب
سحرًا كان سببًا في تهدئة الخوف والقلق لدى جنودنا، بينما أنا كنت أقضي على الآلاف
من الأعداء في صمت.
لم تصدق جويريّة ما رأته، ذهولها كان واضحًا، لكنها صرخت
بالجنود لتستعيد همة القتال. اندفعوا من
جديد نحو المواجهة، وبدأت المعركة الفعلية. انفصلت عن الجيش، وانطلقت وحدي نحو مركز جيش
الأعداء.
كانت أجسادهم تتناثر من حولي، وعيوني تتوهّج بشدة أثناء
استخدامي لقوتي. كنت أرغب فقط في أن تنتهي
الحرب سريعًا، لأعود مع جويريّة إلى القصر.
لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام...
أسئلة غريبة تراود رأسي دفعة واحدة. هناك شيء خفي… كارثة تقترب. شقت طريقي نحو مركز
الأعداء لأقتل قائدهم، وعندما وصلت، رأيت الخيمة بوضوح بعيني السحرية.
دخلتها دون تردد..
ولكن...
كان قائد الجيش مقتولًا. كان يجلس على كرسيه، جسده فارغ، مقلتا عينيه
غائبتان، والدم يسيل من كل مكان. وعلى
جبهته كانت ملصقة ورقة:
ضعيف... "
"
عرفت على الفور: هذه مكيدة خبيثة للتخلص من جويريّة.
لكن لماذا كل هذا العناء؟ " "
أليست هذه حربًا عظيمة بين البشر ومملكة الظلام بلا
داعٍ؟ " "
اقتربت من الجثة، وضعت إصبعي على جبهته، وغصت في أعماق ذكرياته...
…
…
…
عدت بالذكريات لما قبل المعركة، كان قائد الجيش هو نفسه الملك.
ملك الظلام. كان جالسًا في غرفة عرشه
برفقة ولده الصغير، يضحكان ويلعبان معًا، حتى دخل رسول القصر.
مولاي... "
"
" هناك ضيفٌ من مملكة أوريغور يطلب
التحدّث معك. "
حسنًا… أدخله. "
"
قال الملك بصرامة.
دخل الضيف إلى غرفة العرش، وحين رأى الملك يلعب مع ولده الصغير
الجالس في حجره، قال بلا تكلّف، وبنبرةٍ ساخرة:
"
أوووه… يبدو أن الإشاعات عنك كانت صحيحة. لقد أصبحتَ رقيقًا أيها الملك.... "
تقدّم الحرّاس فورًا ووجّهوا أسلحتهم نحو الضيف، لكن الملك رفع
يده، فتراجعوا.
قال الملك بهدوءٍ ثقيل:
لن أعاقبك على كلامك هذه المرّة يا هذا. عد من حيث أتيت.
" "
ضحك الضيف عاليًا، وقال:
لم أعهدك بهذا الضعف أيها الملك… ماذا ستفعل في الحرب
القادمة؟ "
"
تصلّبت ملامح الملك من شدّة الغضب، وقال:
عمّ تتحدّث؟ أيّ حربٍ تقصد؟ ""
لقد انتهى عداؤنا مع البشر منذ آلاف السنين. نحن في زمن سلام...
""
ثم أضاف بحدّة:
" اذهب أيها المختل، وعد من حيث أتيت.
لا أريد سماع هرائك مجددًا. "
وأمر حرّاسه أن يصطحبوه خارج المملكة.
ابتسم الضيف ابتسامةً ماكرة قبل أن يقول:
"
حسنًا… سنرى عمّا قريب. "
ثم غادر غرفة العرش، محاطًا بالحرّاس.
في تلك الليلة، كان الملك يتجوّل برفقة وزرائه في ردهات القصر،
يضحكون ويتبادلون الحديث، قبل أن يستأذنهم للاطمئنان على زوجته وولده الصغير.
في الحقيقة، كانت مملكة الظلام مملكةً مسالمة ومتطوّرة.
رغم امتلاكها الوحوش والمخلوقات الهجينة، إلا أن الملك
كان عادلًا رحيمًا، وشعبه مسالمًا ولطيفًا.
طرق الملك باب غرفته، ثم دخل. كان الظلام يخيّم على المكان على
غير العادة. أشعل النور ثم تجمّد في مكانه....
كانت الدماء منتشرة في أرجاء الغرفة، على السرير، وعلى الجدران، وحتى على السقف. ركض نحو السرير ليتفقّد زوجته... فوجد رأسها
منفصلًا عن جسدها. ارتجف جسده بعنف، وسقط
على الأرض، وتدحرج التاج من رأسه حتى استقر قرب سرير الطفل.
تذكّر فجأة ولده الصغير.
نهض مترنّحًا، اقترب من السرير، لكن الطفل لم يكن هناك. لم يجد سوى بقعةٍ كبيرة من الدماء. وقف الملك يحدّق في السرير بصمتٍ خانق، قبل أن
تسقط قطرة دمٍ على القماش. مدّ يده… فسقطت
قطرة أخرى على كفّه.
رفع رأسه ببطء.
كان جسد طفله معلّقًا في السقف، والدماء تتساقط منه في مشهدٍ
حطّم ما تبقّى من عقل الملك. صرخ من
أعماقه، فاندفع الحرّاس نحو الغرفة، وبجوار الجسد، كُتبت جملة واحدة بالدم:
«أراك في الحرب القريبة...»
فهم الملك في تلك اللحظة أن الضيف هو من ارتكب هذه الجريمة.
وأعلن الحرب على مملكة أوريغور. كان يشعر بالعجز، لأنه سيدفع بمملكته إلى ظلال
حربٍ لم يردها... لكنّه لم يستطع الوقوف
مكتوف اليدين بعد أن لوّث البشر سلام مملكته.
وهكذا… جاءت الحرب.
انطلق الملك برفقة جيشه العظيم، واثقًا من النصر، فلا مملكة بين الممالك الست قادرٌ على قهر جيش
الظلام.
في الليلة السابقة للحرب، جلس الملك في خيمته، غارقًا في
أفكاره، حتى طلب أحد الوزراء الإذن بالدخول.
وافق الملك.
دخل الوزير لكنّه لم يكن وحده. كان ذاك الضيف… قاتل عائلة الملك. صُعق الملك، وطالب الوزير بتفسير، لكن الأخير
التزم الصمت.
تقدّم الضيف، وقال بسخرية قاتلة:
كيف حال زوجتك وطفلك؟ " "
صرخ الملك بأعلى صوته ليستدعي الحرّاس، لكن لم يحدث شيء...
قال الضيف:
خطؤك الوحيد أيها الملك… أنك وثقتَ بمن حولك. "
"
أخرج سكينه الصغيرة، ومرّرها على رقبة الملك ، فسقط الملك
أرضًا، يتلوّى ألمًا، حتى فارق الحياة. كانت خيانةً عظيمة… من
أقرب المقرّبين.
تحدّث الوزير حينها وقال:
سيّدي… الخطة جاهزة. " "
غدًا سيُهزم جيش أوريغور، ولكن … ماذا بعد؟ "
"
ابتسم الضيف ابتسامةً ماكرة، وقال:
أشعر بحماسٍ شديد لقتل أختي الضعيفة غدًا... " "
كان ذلك الضيف هو الابن الأكبر للماركيز وأخ جويريّة.
شعرتُ بغضبٍ شديدٍ مما يحدث، وبالعجز عن كشف الحقيقة مبكرًا. كان هناك سحرٌ خفيّ يحجب قوّتي، ولم أستطع رؤية
الحقيقة.
وفجأة... اقتُلعت
الخيمة، واندفع الجنود إلى الداخل، راغبين في قتلي، ظنًّا منهم أنني قاتل الملك. كان الوقت يمر ببطءٍ قاتل، وأصبحت رؤيتي رمادية...
كما حدث يوم سقطتُ من ذلك الجرف. لكن الفارق الوحيد الآن... أنني أقوى من أيّ وقتٍ مضى. كانت السيوف تقترب
ببطء من رقبتي، ومخالب المخلوقات المتوحّشة على بُعد لحظات من تحطيم وجهي.
عندها...
توهّجت عيني الزرقاء، بينما اكتست الأخرى بالظلام، واندلع
من داخلي لهيبٌ هائل، صاعدًا كبركانٍ ثائر... حتى قضى على كلّ من حولي.
كنتُ غاضبًا للغاية، لا أفكّر إلا في شيءٍ واحد:
جويريّة… أين أنتِ الآن؟ ""
لم أجد حصاني، فقد قضيتُ عليه بتلك النار التي خرجت من داخلي. سرتُ ببطءٍ نحو موقع جويريّة، وعقلي غارقٌ في
دوّامةٍ لا تنتهي من الأفكار.
كانت الوحوش تتدفّق من كل الجهات، وجنود مملكة الظلام لا
يتراجعون أبدًا.
قضيتُ على الآلاف منهم، وفي كلّ مرّةٍ أسقط أحدهم، كنتُ أشعر
بمشاعره.... أسمع صراخه في رأسي، وأتذوّق
خوفه، لكن ذلك لم يمنعني من التقدّم. لم يمنعني من حماية جويريّة.
رأيتها من بعيد تقاتل جنود مملكة الظلام بكل شجاعة. لكن كرة نارٍ هائلة انفجرت بالقرب منها، فهاج
حصانها وسقطت عن ظهره. نهضت جويريّة عن الأرض،
ونظرت تجاهي، ثم لوّحت لي بيدها. كانت تبتسم.
في تلك اللحظة، اقترب منها شخصٌ غريب من الخلف. كان هو... الفارس ذاته الذي التقيتُ به البارحة، ذاك الذي
همس في أذني بأنني سأرى بنفسي ما سيحدث في المعركة.
اقترب منها، وشهر سيفه ليقضي عليها، بينما كانت غير منتبهة. لكن... خرج
كايسر من خلف عباءتها. بضربةٍ واحدة، شقّ
جسد الفارس إلى نصفين بسيفه العظيم. ذُهلت
جويريّة حين رأت الجسد ينفصل، نصفين بلا حياة.
أما أنا فشعرتُ براحةٍ جارفة.... جويريّة في أمان.
اقتربت نورسن من جويريّة، وطلبت منها أن تتراجع. نظرت إليّ جويريّة نظرة اطمئنان، بينما كانت
عيناي تتوهّجان بشدّة.
هناك خطرٌ وشيك...
نظرتُ إليها بقلق، فرأيت نورسن تقف خلفها... وفي يدها سيفٌ طويل. طلبت من جويريّة أن تلتفت إليها، وحين أدارت
جسدها، رفعت نورسن السيف. في تلك اللحظة اندفعتُ بكل قوتي نحو جويريّة لأمنع الضربة، لكن
شيئًا غريبًا قيّد حركتي، سحري… لم يستجب
لي.
لقد دُستُ على فخٍ سحريٍّ وُضع قبل المعركة… ولم ألحظه. كنتُ عاجزًا عن الحراك. حاولتُ أن أأمر كايسر بالتقدّم لحماية السيّدة، لكن
قوّتي لم تستجب لي. الفخّ كان أقوى.
لا يُعقل... " "
هل سأشهد موت من أحبّهم مجددًا؟ ""
أمي... " "
أبي... " "
جويريّة... " "
هل أنا حقًا بهذا الضعف؟! ""
شخصٌ ما... ""
أرجوكم... " "
" فليتقدّم أحدٌ ما لينقذ جويريّة...
"
كان السيف يقترب أكثر وأكثر...
تبًّا لك يا جسدي... " "
تحرّك… تحرّك..." "
أرجوك تحرّك... " "
لكنّي كنت عاجزًا. سحري
خانني، وقلبي كان يرتجف بعنف.
لا لا لا... " "
اقترب السيف أكثرمن جسد جويريّة، لكن فجأة... تراجعت نورسن. بدأت يداها ترتجفان، وسقط السيف من قبضتها، ثم
انهارت باكية.
"
أرجوكِ سامحيني سيدتي... "
لم يكن بمقدوري فعل شيء... " "
لقد هدّدني بقتل عائلتي إن لم أقتلك في المعركة..."
"
ثم تابعت وهي تبكي:
لكنّي لم أستطع...
" "
لم أستطع أن أكون سببًا في أذيتك..."
"
أرجوكِ سامحيني... " "
ابتسمت جويريّة، وسارعت لتعانق نورسن. لكن قبل أن تصل إليها، اخترق سيفٌ جسد نورسن. تفجّرت الدماء من فمها بغزارة، وقُذفت بعيدًا.
كان هو.. الخائن... ابن
الماركيز.
قتل نورسن بلا رحمة، وقذف جسدها بعيدًا، بينما صرخت جويريّة
بألمٍ وهي تنادي اسمها.
في تلك اللحظة شعرتُ وكأن حياتي كلّها توشك على الانهيار. ذلك الأمان الهش، كان ينهار أمام عيني.
" هل حقًا ستموتين يا جويريّة؟ "
هل هذه نهايتك؟ " "
غرقتُ في أعماقي، تائهًا بين ذكرياتي، أخاطب نفسي بتلك الأسئلة
التي لا ترحم.
ما العمل الآن؟ "
"
هل بقي أمل…؟ " "
أم أنّ عليّ أن أنكث عهدي مجددًا… لأجلها؟ "
"
بدأتُ أغوص أعمق في الظلام. رأيت روحي تائهة، حتى
وجدتُ نفسي واقفًا أمام قلبي. كان ضخمًا...
ينبض بشموخ. رأيت الندبة... تلك التي شقّت قلبي نصفين. نصفٌ مظلم، ونصفٌ مضيء... لكن كلاهما ينبضان.
مددتُ يدي، وخاطبت نفسي بصوتٍ مكسور:
أرجوك التهِم قلبي لكن أنقذها… مهما كلّف الأمر. "
"
في تلك اللحظة، ظهرت سلاسل عملاقة من العظم، التفّت حول قلبي،
وبدأ الظلام يزحف نحو النصف المضيء حتى اكتسى القلب كلّه
بالسواد.
اجتاحتني طاقة هائلة. عروقي
احترقت. عيني الزرقاء ازداد توهّجها، حتى
امتدّ النور إلى عيني الأخرى. فأصبحتا كلتاهما زرقاوتين. شعري الرمادي تحوّل إلى أبيض، وازداد طولًا. كانت تلك علامات قوتي الجديدة. تكسر الختم عن جسدي، وهمستُ بصوتٍ خافت:
انطلقوا... "
"
في لمح البصر، اندفع من خلف ردائي جيشٌ لا ينتهي من الظلال، يلتهم
كلّ شيء ويقضي على كلّ حركة. كانت قطرات
سوداء مشبّعة بالظلام،تنساب من عيني كما لو أنّها دموع.
انطلقتُ بأقصى سرعة نحو جويريّة.
كانت تنظر إليّ وتبتسم. لحظة... لن أنساها ما حييت. لكن السيف اخترق درعها من الخلف، وخرج من الجهة
الأخرى.
لقد… تأخّرت. " "
بدأ جسد جويريّة يهوى نحو الأرض. وصلتُ في اللحظة الأخيرة، التقطتها قبل أن تسقط.
رفعتُ يدي في وجه ابن الماركيز، الذي كان
يضحك بهستيريا، وقلت بصوتٍ ميت:
فلتَمُت... " "
اندفع الظلام من كفّي إلى جسده، بدأ يتلوّى، تتفجّر الدماء من
منافذ جسده،
حتى سكن... ثم
انفجر، واختفى أثره تمامًا.
جويريّة... " "
"
لا تتركيني… أرجوكِ..."
جويريّة… جويريّة... " "
كنتُ أناديها بقلبٍ محترق، وأحاول عبثًا إيقاف نزيفها، لكن دون
جدوى.
كان البريق ينسحب من عينيها شيئًا فشيئًا، وأنفاسها تصبح أخفّ…
أقلّ ضجيجًا، كأنها تستعدّ للغياب. أمسكتُ
يدها، وأبعدتُ خصلات شعرها عن وجهها لأتأمّل ملامحها للمرة الأخيرة. حينها تحدّثت بصوتٍ متقطّع، بالكاد يُسمع:
لقد أصبحت عيناك زرقاوين جميلتين، يا إيلينور. " "
ثم رفعت يدها ووضعَتها فوق صدري، واستخدمت قوّتها لتكشف ما
بداخلي.
لقد نقضتَ العهد مجددًا وقلبك أصبح مظلمًا. أخشى أن تفقد لطفك بسبب هذه القوّة... رفعت يدها بصعوبة، ومسحت آثار الدموع السوداء عن عيني، وقالت
بهدوءٍ موجع:
لا أريد رؤيتك تبكي مجددًا... ابقَ سعيدًا في كل لحظة من حياتك... "
لقد كنتَ عونًا لي، بل أصبحتَ محور حياتي. "
توقّفت لبرهة، ثم تابعت بأنفاسٍ مضطربة:
"
استمتعت كثيرًا برفقتك يا إيلينور. أتمنى لو أستطيع قضاء المزيد من الوقت
معك. أتمنى لو نستطيع العيش سويًا... "
كانت جويريّة تبكي بصمت، بينما أنفاسها تتكسّر شيئًا فشيئًا.
إيلينور... " "
منذ اللحظة الأولى التي التقيتك فيها، وأنا هائمة بك.
" "
ابتسمت ابتسامةً ضعيفة، وقالت:
أحببتك طوال الوقت، لكنني كنت أتردّد في إخبارك... "
أنت لطيف، شجاع، وقوي...
لن أجد فارسًا أقوى منك، حتى لو بحثت في كل الممالك. "
ثم همست، وكأنها تجمع آخر ما تبقّى من روحها:
إيلينور... " "
أ… ح… ب… ك. " "
وسقطت يدها على الأرض. كان صوت ارتطامها أقسى من أي سيف اخترق قلبي. لم أستطع النطق. اكتفيتُ بالنظر إليها، عاجزًا،
فارغًا، مكسورًا. شعرتُ بالغضب لأنني فقدت
هدفي مجددًا، لكن في تلك اللحظة تقدّم كايسر، وانحنى أمامي.
مولاي... " "
لقد قضينا على جميع الأعداء والخونة من جيش المملكة.
" "
ما هي أوامرك التالية؟ " "
لم أُجبه. كنتُ يائساً للغاية في تلك اللحظة.
حينها تقدّم ساحرٌ من بين الظلال، وانحنى أمامي وقال:
"
مولاي... "
هناك طريقة لإنقاذ السيّدة جويريّة... ""
لكن... لها
ثمنًا باهظًا. " "
رفعتُ رأسي نحوه بكل حزن و انكسار.
" يمكنك أن تشاركها المانا خاصتك. بهذه الطريقة سيعود قلبها سليمًا وينبض من جديد.
لكن… لن تستطيع أن تكون قريبًا منها.
"
صمت لحظة، ثم تابع:
"
إن اقتربتَ منها كثيرًا، سيخمد قلبها مجددًا. وإن ابتعدتَ عنها… سيضعف قلبك أنت، وستعاني من نقص المانا، لكن قوتك… ستبقى عظيمة على هذا
العالم. "
نظرتُ إلى ملامحها الشاحبة وسألته بهدوءٍ بارد:
هل ستنجح هذه الطريقة…؟ ""
بالطبع، مولاي. "
"
إذًا… افعلها. " "
اقتربت خادمات جويريّة حين علمن بموتها، الحزن والذهول يكسوان
وجوههن. كان الجميع يتهامسون عن جنود
الظلال. وعن قوّتي التي كُشفَت لأول مرة.
ابتعدتُ عنها قليلًا، كما طلب الساحر. تقدّم نحوي واستأذن أن
يضع يده على قلبي. كنتُ أحدّق في وجه جويريّة لآخر مرة.
ثم... صدر صوتٌ هائل وسكن
كل شيء.
شعرتُ بروحي تُنتزع من جسدي، كأن حياتي تنتهي، وفي الوقت ذاته
شعرتُ بالمانا في قلبي تضعف.
أضعف...
أضعف...
سحب الساحر يده، وترنّح جسدي بقوة، وتفجّرت الدماء من فمي. اقترب الساحر من جويريّة، ووضع يده على رأسها،
ثم أطلق وميضه المظلم داخل جسدها.
ارتجف جسدها بعنف.
…
…
…
فتحت جويريّة عينيها، وسعلت بقوة.
قال الساحر:
لقد نجح الأمر، مولاي..."
"
عليك الآن أن ترحل بعيدًا عنها. " "
نظرتُ إليها نظرةً أخيرة، رأيت ارتباكها، ألمها، حياتها
العائدة. ثم قذفتُ نفسي في الهواء، واختفى
جنود الظل من أرض المعركة.
إيلينور...
" "
ماذا فعلت؟! " "
صرخت جويريّة، لكن صوتها لم يلحق بي. تقدّمت الخادمات
والفرسان لحمايتها، بينما كنتُ أنطلق نحو وجهةٍ لطالما تمنّيتُ محو الحياة منها.
نحو قصر الماركيز... "
"
هبطتُ في حديقته الواسعة. كان الماركيز وأبناؤه يضحكون، والراقصات يتمايلن
من حولهم. حطمتُ نافورة الحديقة بهبوطي و عمّ
الذعر بينهم فتقدّم الحرس يحمونهم.
ما الذي تفعله هنا أيها الحقير؟ "
"
"
كيف وصلت إلى هنا؟! "
تقدّمت ببطء نحوهم حتى انحنت أسلحة الحرس، وتكسّرت عظامهم، وتعالت
صرخاتهم.
لا تستحقّون البقاء على قيد الحياة أيتها الحشرات.... "
"
توهّجت عيناي الزرقاوان، وتفجّرت الدماء من عيون الماركيز
وأبنائه
حتى انفجرت رؤوسهم وسقطوا أرضًا....
كايسر... " "
خرج من الظلال وانحنى.
"
نعم، مولاي. "
اقتل الجميع ما عدا الأنقياء... "
"
أمرك، مولاي. "
"
اندفع كايسر، وقضى على جنود القصر جميعًا، ثم عاد وانحنى.
أُنجزت المهمة بنجاح، مولاي. " "
ترنّح جسدي بينما الدماء
سالت بغزارة من فمي. الألم كان لا يُحتمل.
بالكاد كنتُ واقفًا. حينها قال كايسر
بصوتٍ منخفض:
مولاي... " "
لماذا لا تذهب إلى مملكة الظلام وتحكمها؟ "
"
....
....
....