كفن من حرير من رواية حبيبتي... ولكن
كفن من حرير
.........
لم يكن الفجر الذي بزغ فوق القصر مجرد بداية ليوم جديد، بل كان إعلانًا عن هدنة هشة في حرب صامتة لا يراها أحد سواهما. استيقظت ليلى قبل أن يوقظها صوت زين، وبقيت ساكنة في فراشها، تشعر بثقل جسده بجوارها. كانت تنظر إلى سقف الغرفة المزخرف بنقوش كلاسيكية معقدة، وبدا لها اليوم كأنه متاهة من الخيوط المتداخلة؛ كل خيط يشدها نحو الحقيقة، يقابله خيط آخر يلفه زين حول عنقها باسم الحب.
تحرك زين، وشعرت بأنفاسه تقترب من أذنها. "ليلى.. حبيبتي، هل أنتِ مستيقظة؟"
أغمضت عينيها لثانية واحدة، استجمعت فيها كل قوتها لتمثيل دور الزوجة المطيعة، ثم التفتت إليه بابتسامة ناعسة. "نعم يا زين.. كنتُ أفكر في كلامك بالأمس. ربما معك حق، أنا بحاجة للتركيز على تعافيَّ فقط."
لمعت عينا زين ببريق من الرضا والانتصار. اقترب منها وطبع قبلة طويلة على جبينها، ممسكًا وجهها بين كفيه بقدسية زائفة. "هذا هو الكلام الذي كنتُ أنتظره. أريدكِ أن تثقي بي تمامًا، ليلى. كل ما أفعله، حتى القسوة التي قد ترينها أحيانًا، هي درع أحميكِ به من عالم لا يرحم."
نهض زين وبدأ في طقوسه الصباحية المعتادة، لكن ليلى لاحظت تغييرًا طفيفًا؛ كان اليوم أكثر حيوية، وكأنه يخطط لشيء ما. بعد الإفطار الذي أعده بعناية فائقة، حيث وضع لها أصنافًا تحبها وزين الطاولة ببتلات الزهور، جلس مقابلها ونظر إليها بعمق.
"ليلى، فكرتُ في أن المنزل هنا أصبح مرتبطًا بذكرايات مشوشة تثير قلقكِ. ما رأيكِ لو ننتقل لبضعة أسابيع إلى الشاليه الخاص بي في الجبل؟ الجو هناك أكثر نقاءً، والخصوصية مطلقة. لن يزعجنا أحد، لا سارة ولا غيرها."
سقطت الكلمات على مسامع ليلى كحكم بالإعدام. الجبل؟ الخصوصية المطلقة؟ كانت تعلم أن هذا يعني عزلها تمامًا عن أي فرصة للوصول إلى عمر أو المستشفى. زين يشعر بالخطر، وهو الآن يحاول نقلها إلى مكان أكثر إحكامًا.
"الجبل؟" حاولت أن تجعل صوتها يبدو متحمسًا. "تبدو فكرة رائعة يا زين. متى سنرحل؟"
"الليلة،" أجاب بابتسامة هادئة لا تصل لعينيه. "لقد جهزتُ كل شيء. سأقوم بجمع بعض الأغراض، وأريدكِ أن تختاري ما تحتاجينه من مرسمكِ."
ابتعد زين ليتحدث في الهاتف، وانتهزت ليلى الفرصة. صعدت إلى المرسم، لكن قلبها كان يتسابق مع الزمن. عمر في مستشفى المدينة التخصصي. هذا هو الخيط الوحيد. كيف يمكنها الوصول إليه والرحيل سيبدأ الليلة؟
بدأت في جمع أدوات الرسم، لكن يدها كانت تبحث عن شيء آخر. في زاوية مخفية تحت أكوام الورق، كانت قد خبأت ذلك التابلت الذي استخدمته ليلاً. أخرجته وتأكدت من شحنه. كانت بحاجة لوسيلة تخبر بها المحامي أو أي شخص عن مكانها الجديد، لكنها لا تملك أرقامًا.
فجأة، تذكرت المفكرة التي وجدتها تحت بلاطة الخزانة. عادت إلى الغرفة وتسللت للداخل. قلبت الصفحات بسرعة حتى وصلت للنهاية. كان هناك اسم مكتوب بخط يكاد لا يُرى: "المحامي عادل الشريف - رقم سري للطوارئ". وبجانبه سلسلة من الأرقام.
"ليلى؟"
كان صوت زين خلف الباب مباشرة. خبأت المفكرة والتابلت تحت ثيابها في حقيبة اليد بسرعة البرق، وفتحت الباب.
كان زين واقفًا، يحمل معطفًا طويلاً. "هل انتهيتِ؟ السيارة ستكون جاهزة خلال ساعة."
"نعم، أنا جاهزة،" قالت وهي تحاول كتم أنفاسها المتسارعة.
اقترب منها زين، ولف ذراعه حول خصرها، ثم سحبها إليه بقوة. "لماذا أنتِ مرتجفة هكذا؟ هل أنتِ خائفة من الجبل؟"
"لا.. فقط.. أنا متحمسة للتغيير،" كذبت وهي تنظر في عينيه.
انحنى وقبل عنقها برقة، لكنها شعرت بأسنانه تضغط قليلاً على جلدها، كأنه يضع علامة ملكية. "أنا أحبكِ يا ليلى. لا تنسي ذلك أبدًا. أحبكِ لدرجة أنني لا أستطيع تخيل العالم دونكِ. أنتِ كوكبي الوحيد." سكت قليلًا ثم أكمل قائلاً. "وأنا الجاذبية التي تبقيكِ في مداركِ."
كانت كلمات الحب تخرج منه مغلفة بالتهديد. قادها نحو السيارة، وكان الليل قد بدأ يسدل ستاره الأسود على المدينة. أثناء الطريق، كان زين يقود بصمت، بينما كانت ليلى تراقب أضواء المدينة تتلاشى خلفهم. كانت تشعر بأنها تغادر الحياة لتدخل في متاهة لا تدري متى ستخرج منها.
"زين، هل يمكننا التوقف عند الصيدلية؟ أشعر بصداع شديد وأريد مسكنًا قويًا." قالت ليلى وهي تضع يدها على رأسها بتمثيل متقن.
نظر إليها زين بشك. "لدينا كل الأدوية في الحقيبة يا حبيبتي."
"أعلم، لكن النوع الذي أرتاح له انتهى، أرجوك.. لن يستغرق الأمر دقائق،" ألحّت بنبرة طفولية ناعمة يعلم زين أنها تضعفه.
تنهد زين وغير مسار السيارة نحو منطقة تجارية حيوية. "حسنًا، لكنني سأدخل معكِ."
"لا داعي، سأدخل بسرعة وأعود، أنت ابقَ في السيارة لترقب الطريق، الجو مزدحم هنا ولا أريد أن تضيع مكان الركن،" قالتها وهي تفتح باب السيارة قبل أن يعترض.
كانت هذه هي المخاطرة الكبرى. نزلت ليلى بسرعة ودخلت الصيدلية المزدحمة. لم تتوجه نحو الأدوية، بل بحثت عن هاتف عمومي أو أي وسيلة اتصال. رأت فتاة شابة تمسك بهاتفها.
"أرجوكِ.. هاتف محمول، ثوانٍ فقط، أمر طارئ!" همست ليلى للفتاة بذعر حقيقي.
ارتبكت الفتاة لكنها سلمتها الهاتف. بسرعة، كتبت ليلى الرقم الذي حفظته من المفكرة.
"مرحبًا؟ الأستاذ عادل؟" قالت ليلى بصوت مخنوق.
"من المتكلم؟" جاء الصوت من الطرف الآخر.
"أنا ليلى.. ليلى المنصوري. أنا حية. زين يأخذني للجبل، شاليه الجبل.. أرجوك، اذهب للمستشفى، عمر في خطر، زين حاول قتله.."
لم تكمل الجملة حتى رأت ظل زين يظهر على زجاج الصيدلية من الخارج. أعادت الهاتف للفتاة بسرعة وهي ترتجف، وتوجهت نحو رف الأدوية والتقطت علبة عشوائية.
دخل زين الصيدلية، وعيناه تمسحان المكان بحدة. وصل إليها في ثوانٍ، وأمسك ذراعها بقوة جعلتها تتأوه. "تأخرتِ يا ليلى."
"كنتُ.. كنتُ أبحث عن النوع المناسب،" قالت وهي ترفع العلبة أمام وجهه.
نظر إلى الفتاة التي كانت تنظر إليهما باستغراب، ثم نظر إلى ليلى. لم يقل شيئًا، لكن ملامحه كانت تنذر بالعاصفة. سحبها نحو السيارة وأغلق الباب بعنف.
طوال الطريق الصاعد نحو الجبل، لم ينطق زين بكلمة. كانت الموسيقى الكلاسيكية الصاخبة تملأ السيارة، تزيد من توتر الأعصاب. كانت ليلى تعلم أنها ربما وقعت في الفخ، لكنها كانت تأمل أن تصل رسالتها.
وصلوا إلى الشاليه. كان مبنى خشبيًا ضخمًا ومنعزلاً تمامًا، يحيط به الضباب الكثيف وأشجار الصنوبر العالية التي تبدو في الليل كأشباح عملاقة. دخلوا المنزل، وكان الجو باردًا جدًا بالداخل.
أشعل زين المدفأة، ثم التفت إليها. كانت نظراته مختلفة تمامًا هذه المرة. "ليلى.. هل تحبينني حقًا؟"
"بالطبع يا زين، لماذا تسأل؟" تراجعت ليلى بضع خطوات للخلف.
بدأ زين يفك أزرار معطفه ببطء، وعيناه لا تحيدان عن عينيها. "لأن الحب يعني الصدق. والحب يعني ألا نحاول الهرب من الشخص الذي وهبنا حياته."
أخرج من جيبه جهازًا صغيرًا، وضغط على زر. "هل تعلمين ما هذا؟ هذا جهاز كاشف للترددات. التقطه هاتفي بمجرد دخولكِ للصيدلية. لقد أجريتِ مكالمة، أليس كذلك؟"
تجمدت أطراف ليلى. الرومانسية تلاشت تمامًا ليحل محلها الرعب المحض.
"لمن كنتِ تتحدثين يا ليلى؟ لمن كنتِ تبيعين حبنا؟" صرخ زين فجأة، وضرب بيده على الطاولة الخشبية بقوة جعلت ليلى تقفز من مكانها.
"كنتُ.. كنتُ أتصل بأمي! أريد الاطمئنان عليها!" صرخت ليلى وهي تبكي.
ضحك زين ضحكة مريرة، ضحكة لم تسمعها منه أبداً. "أمم.. والدتك؟ والدتك التي قطعتُ عنها الاتصال منذ أسبوع لأنها بدأت تشك؟ أم المحامي الذي أرسلتُ له رجالي بالأمس ليصمت للأبد؟"
اقترب منها وسحبها من شعرها برفق مرعب، هامساً في أذنها: "أنا مهندس بيانات يا ليلى. أنا أبني العوالم. لقد بنيتُ لكِ عالمًا كنتِ فيه ملكة، وكنتُ أنا خادمكِ المطيع. لماذا أصررتِ على هدم المعبد فوق رؤوسنا؟"
دفعها نحو الأريكة، ثم انحنى فوقها، محاصرًا إياها بجسده. "الآن، لن تخرجي من هنا. لا هواتف، لا مرسم، لا ضوء شمس. ستعيشين هنا معي، وسأعلمكِ كيف يكون الحب الحقيقي.. الحب الذي لا يحتاج لذاكرة، بل يحتاج فقط للطاعة."
أخرج من جيبه حقنة صغيرة، كانت ليلى تعلم تمامًا ما بداخلها.
"لا يا زين.. أرجوك.. أنا أحبك!" صرخت وهي تحاول المقاومة.
"وأنا أحبكِ أكثر مما تحتملين،" قال وهو يغرس الإبرة في ذراعها ببرود تام. "نامي الآن يا صغيرتي.. وعندما تستيقظين، سأكون أنا حقيقتكِ الوحيدة مرة أخرى."
بدأت ليلى تشعر بالدوار. الصور بدأت تتلاشى. وجه زين، المدفأة، الضباب.. كل شيء أصبح أسود. لكن قبل أن تغيب عن الوعي تمامًا، تذكرت شيئًا واحدًا.
لقد تركت التابلت مفتوحاً في حقيبة يدها، وكان جي بي إس مفعلاً.
إذا كان عادل الشريف لا يزال حيًا.. وإذا كان عمر قد استيقظ.. فهذه هي المعركة الأخيرة.
سقطت ليلى في هوية النسيان مرة أخرى، بينما كان زين يجلس بجانبها، يمسح على شعرها بحنان مريض، ويغني لها أغنية هادئة، وكأنه لم يحطم روحها منذ لحظات.
"أنتِ لي يا ليلى.. للأبد."