مملكة إيلينور | زينمر
مملكة إيلينور
.........
انطلقتُ نحو
أطراف القرية، عند بيتٍ حدّدته لي ذات العيون القرمزيّة...
كان بيت الساحرة التي تعيش فيه جدّتي.
ما أن لامست
أقدام الحصان الأرض، حتى فُتح الباب، وخرجت جدّتي مبتسمةً، ضاحكةً، ودموع الفرح
تلمع في عينيها"
" ولدي الشجاع… لقد اشتقتُ لك للغاية. "
كانت تتقدّم
نحوي، ويداها تتسعان لتحتضنني بقوة.
اشتقتُ لكِ يا
جدّتي... " "
"
اشتقتُ لكِ كثيرًا... "
اشتقتُ لحديثك
الساحر وقصصك الخيالية... ""
من الجيّد
رؤيتك سالمة يا جدّة... " "
استمرَّ عناقنا
طويلاً، حتى شعرتُ أنّ الفراق عنك سيكون غريبًا جدًا.
" هيّا يا
ولدي، فلنذهب لنتحدث في الداخل."
قالت جدّتي، وعيونها تتأمّل وجهي بكل حنان.
جلستُ معها،
وكانت تستمع لي طيلة ثرثرتي عن السنوات الثلاثة عشر الماضية، بينما تلمس شعري
الطويل بخفّة، تداعبه بين أصابعها، وتهز خصلاته عن وجهي.
وحينما بدأتُ
أتحدّث عن ذات العيون القرمزيّة، لم أتمالك نفسي...
أخبرتها عن جمالها ولطافتها ورقتها، عن عبقها الطيّب
وابتسامتها المشرقة، عن وجنتيها الورديتين وشفتيها الكرزيّتين.
أخبرتها عن شعرها الأسود الناعم الذي ينافس الحرير، وعن
ربصها مع الجنيات وكيف أن يديها تتمايلان بطريقة تفوق قدرتي على الوصف.
مرّت الساعات
وأنا أتحدث عن رقة صوتها وعذوبة همساتها، عن ضحكتها وطريقة رسمة شفتيها، وعن
عيونها المتألقة...
عن كيف أنّ الكون بأسره لن يضاهي جمال تلك العيون.
كنت أتخيّل ذات
العيون القرمزيّة واقفةً أمامي، ولم أتردّد في ذكر أي تفصيل عنها، حتى لو كان
قصيرًا. أخبرتها عن كوب السحر الذي شربته
بعد أن وضعت شفاهها عليه، عن نبضات قلبي الغريبة حين أكون بجوارها، وعن توتري
وخوفي من شدّة رهبتها، وعن أمنياتي التي تمنّيتها لأجلها وحدها.
كانت جدّتي
تبتسم وتنصت لي بهدوء، وكنت أشعر براحة كبيرة وأنا أتحدّث معها.
" هل تحبّها
يا أرين؟ "
سألتني جدّتي هذا السؤال، بينما عقلي غارقٌ في الحديث عن
زينابا.
من دون أن أنتبه… أو ربما كانت رغبتي ومشاعري الحقيقية
قد وجدت فرصة لتخرج نحو الحرية، همستُ:
نعم… أحبّها.
" "
حينها لاحظتُ
ما قد قلتُه، توقفت عن الحديث أحاول أن أنكر حقيقة مشاعري، ربما لأنها من عالم
مختلف، أو لأنها قد لا تبادِلني الحب نفسه.
كنت أشعر دومًا
بأنها لطيفة ورقيقة مع الجميع، ليس معي فقط... ولم أرد أن أكون جشعًا لدرجة أن أبقيها لنفسي
وحدي.
أخفضتُ رأسي
نحو التراب، بينما كلمات الاعتذار تنساب من فمي:
أعتذر يا
جدّتي، لأنني لا أستطيع التحكم في مشاعري... ""
لا أدري ما
المشكلة، ولكن قلبي ضعيف للغاية أمامها... " "
"
أعتذر لأنني جشع، لا أستطيع التوقف عن حبّها.
"
كان الحزن يملأ
قلبي حينها، وأوشكتُ على البكاء من شدة ضعفي، لكنها عانقتني، وبدأت تداعب شعري
بلطف، محاولةً تهدئتي.
لا تقلق يا
صغيري... " "
الخطأ ليس خطأك. " "
قلبك ليس ضعيفًا، ولا جشعًا. "
"
أنت فقط لطيف…
لطيف لدرجة أنك لا تستطيع التوقف عن حبّها. " "
" ليس عليك أن تكبت مشاعرك طيلة الوقت، لا
تقسو على قلبك، فهو أيضًا يتألم. "
ثم ابتسمت،
وحدثتني بصوت رقيق:
أتعلم يا ولدي
أن القلب شديد الحساسية؟ " "
" إنه قطعة ضعيفة، شديدة التأثر... ولكنه منبع السحر في حياتنا، ومن هنا يولد كل
جمال وكل حبّ. "
" لا تحزن أرين... ولا تحاول أن تنكر مشاعرك. "
أجبتها بنبرة
متقطعة، ممتزجة بالحزن:
ولكن الأمر مؤلم يا جدّتي… مؤلم ومرهق... "
"
ابتسمت بهدوء،
ووضعت يدها على قلبي"
" أعلم يا صغيري… أعلم أن قلبك مضطرب،
وروحك تفتقد الجلوس مع ذات العيون القرمزيّة... "
" أحيانًا… قد
لا نحصل على ما نريد، رغم شوقنا ولهفتنا الكبيرة… رغم الأماني والطلبات... "
صمتت قليلاً،
ثم أكملت بصوت دافئ:
هذه هي الحياة يا أرين… لم تكن سهلة ولن تكون سهلة...
"
عليك أن تجتاز العقبات في سعيك للحصول على ما تريد...
لا تدري… لعلَّ المستقبل يحمل العديد من الأسرار
والخفايا التي قد تسعدك... "
ثم نظرت إليّ
بعينيها الملؤيتين بالحكمة والدفء:
" عليك أن تؤمن بأن كل شيء سيتغيّر
للأفضل... وأن قلبك، مهما ضعُف، سيظل
دائمًا ينبض بالشجاعة والحب. "
حين انتهيتُ من
الحديث، كان الليل قد حلّ، والدب نائم بجانب الحصان في حديقة المنزل، يغرقان في
سكونٍ يكسو كل شيء بالهدوء. جلستُ أستمع
لجدتي وهي تسرد لي ما جرى خلال السنوات الماضية، بصوتها الرقيق الذي يحمل حكمة
الزمن وألمه.
أخبرتني عن
الجرائم التي اجتاحت الأرض:
سرقة، قتل، اختطاف...
كانت الأمور تتدهور أكثر فأكثر، حتى تذكرت جيش الطاغية
الذي ينتظر خروج حاكم الهجناء لينشر الخراب والفوضى في الأرض.
ضحكت جدّتي
حينها حينما رأت ملامح وجهي المبعثرة ،
وكانت ضحكتها دافئة، تحمل في طياتها الشجاعة:
أعلم يا صغير... "
كلنا نستعد للوقوف ضد الشر في العالم، السحرة، والأجناس الأخرى...
بدأت الجيوش تتحرك لتساندك في المعركة القادمة. ربما لا نمتلك العدد الكبير… لكننا نملك هذا...
"
وأشارت بيدها نحو قلبي.
خرجت من بين
شفاهي الكلمات بلا تفكير:
أحبك يا جدّتي... " "
ابتسمت، ثم
تابعت كلامها بحزم وهدوء:
اذهب إلى المكتبة القديمة في العاصمة..."
ستجد خرائط قديمة تعود لزمنٍ سحيق...
ستكشف لك موقع مملكة أتلانتس..."
ثم نظرت إليّ
بعينين تلمع بالحكمة والدفء، وأضافت:
أترى يا أرين... " "
" أنت لست وحدك… كلنا معك… حتى لو كانت
أجسادنا بعيدة، قلوبنا دائمًا مترابطة... "
عانقتُ جدّتي
بحرارة، ولمّا حلّ الصباح، ودّعتها بكل حماس.
قالت وهي تشير
نحو الحصان الذي ارتفع في الهواء:
كن واثقًا يا أرين بنفسك، وبقوتك. أنت لست وحدك… أنا معك دائمًا. "
"
ثم أضافت بصوتٍ
خافت، يملؤه الغموض والمرح:
" وفي المرة القادمة التي نلتقي بها…
ربما أحادث ذات العيون القرمزيّة عن مشاعرك. "
احمرَّ وجهي
حينها، وأنزلت رأسي نحو رقبة الحصان، أخفيه بين خصلاته المتطايرة. أما جدّتي، فاقتصر ردها على ضحكةٍ رقيقة
وابتسامة دافئة، كأنها تعرف سرّ قلبي قبل أن أعلمه أنا.
ارتفع الحصان
عاليًا في الهواء، يتلوى بين السحابات البيضاء بخوفٍ وانبهار. كان مشهد شروق الشمس رائعًا، يبعث الأمل والدفء
في القلب بكل لطافة، بينما نسمات الرياح تتلاعب بجسدي برقة وهدوء.
كان كل شيء ساحرًا… لدرجة تشعر فيها أن جسدك أصبح رقيقًا
كالريشة، خفيفًا كطيور السماء.
أما الدب...
صحيح أنه معلّمي، ولكن تبًا له...
لم يصمت طوال الرحلة، يثرثر عن بطولاته ومعاركه التي
خاضها في حياته. كان يظن نفسه أسطورةً
حية، بينما أنا كنت أرغب أن أرميه عن الحصان لكثرة حديثه المملّ.
بعد يومٍ كامل،
وصلنا العاصمة.
اضطررتُ لترك الحصان خارج المدينة حتى لا يثير الشكوك،
والدب… أخفيته في حقيبتي. كان يستطيع أن
يقلّص جسده، لذا لم يكن ذلك مشكلة كبيرة. كان غروب الشمس يقترب، والمكتبة القديمة،
كما سمعت عنها، على وشك إغلاق أبوابها. لم
يكن أمامي وقتٌ كثير، أردتُ الانتهاء سريعًا من رحلتي لألتقي بها من جديد.
ولكن حين وصلت…
كانت الأبواب مغلقة. أردتُ العودة لأبحث
عن غرفة صغيرة أستأجرها لأقضي فيها ليلتي، إلى أن خرج رأس الدب من حقيبتي وهمس في
أذني بمكر:
لما لا تتسلق الجدار وتعبر إحدى النوافذ المفتوحة؟ " "
فكرة ذكية لمعت
في رأسٍ غبي… لم أتردّد حينها. تسلّقت
الجدار مثل لصٍّ محترف، وبحثت عن نافذة مفتوحة. حين دخلتها، كان الظلام دامسًا، لم أستطع رؤية
الأرضية.
فجأة، اختل
توازني وهويت طويلاً في نفقٍ لا أعلم هويته. بعد ثوانٍ قليلة، ارتطم رأسي بشيء صلب. كل ما تطلّبه الأمر كان تعويذة ضوءٍ صغيرة
ألقيتها فأضاءت إحدى أصابعي، وحين اقتربت لأرى ما اصطدم به رأسي...
وجدتُ الكارثة...
وضع الدبُّ يده
على فمي وأشار إليّ أن ألتزم الصمت. كانت
العظام… هياكل عظميّة… كثيرة… كثيرة للغاية... كما لو أنّها جبلٌ صغير، مكوّن من عشرات، مئات…
بل آلاف الأرواح المسلوبة.
وسط هذا الصمت
المرعب، تسلّلت ضحكاتٌ قبيحة من مكانٍ قريب،
ضحكات تجرّ معها رائحة الموت والخطر، تجعل القلب يتوقف
عن الخفقان للحظة قصيرة، قبل أن ينبض بسرعة أكبر من أي وقت مضى.
تتبّعتُ
الضحكات برفقة الدب، حتى وصلنا إلى ردهةٍ طويلة تعجُّ بالمخلوقات السحرية والأجناس
المختلفة. كانت مسجونة خلف قضبانٍ حديدية
صدئة، والإرهاق والجوع قد نهشا أجسادهم حتى لم يبقَ سوى ظلالٍ باهتة لما كانوا
عليه.
همس الدبُّ
بصوتٍ ثقيل:
" هذه أفعال البشر يا أرين... "
" انظر كيف حوّل الحقد قلوبهم إلى
حجارة، وكيف أن الكراهية لا تدمّر ضحاياها فحسب، بل تلتهم أصحابها أيضًا. "
قبل أن أجيبه،
شقّ صراخٌ حادّ السكون.
أسرعنا نحو الصوت...
ورأيتُ مشهدًا
لن يمحى من ذاكرتي ما حييت.
كانت طفلة من
شعب الإلف ممدّدة على الأرض، صغيرة إلى حدٍّ لا يحتمل الألم الذي أُنزل بها. جسدها ساكن… كأن الحياة فرت منه قبل أن يكتمل
عمرها. الدم يلطّخ الأرض من حولها،
والجنود يضحكون ببرودٍ مخيف.
همستُ بصوتٍ
مخنوق:
أهذه حقًّا أفعال بشرٍ يا دب؟
لم يمهلني
الوقت لأتلقى الجواب حتى صرخ الحراس حين
لمحونا:
" ماذا تفعلون هنا؟! لا تتحرّكوا!
"
كانت الكراهية
تشتعل في صدري مثل نارٍ خرجت عن السيطرة. شعرتُ
بها تحرق عروقي، وتدفعني نحو شيءٍ لا رجعة فيه. كنتُ ما أزال أحدّق في الطفلة المسكينة حين
وكزني أحدهم بعنف.
في تلك اللحظة...
لم أعد أفكّر.
تحرّكتُ
بغريزةٍ أشبه بالعاصفة. ومضت القوة من
داخلي بلا وعي، وسقط الجنود أرضًا بلا حراك، كأن الحياة قررت أن تتركهم كما تركوا
الرحمة منذ زمن.
ساد الصمت
حينها ثم اقتربتُ من الفتاة و غطّيتُ جسدها
برداءٍ نظيف، ورفعتُها برفقٍ، كأنني أعتذر لها متأخرًا عن عالمٍ لم يحمِها. كان قلبي يثقل… ليس غضبًا فقط، بل خوفًا أيضًا...
خوفًا من نفسي.
التفتُّ إلى
الدب، وصوتي أكثر هدوءًا مما توقّعت:
حرّر البقيّة يا معلّمي. " "
ناديتُه
"معلّمي" نادرًا....
لكنني في تلك اللحظة، كنتُ بحاجةٍ إلى من يذكّرني أن
القوة لا يجب أن تتحوّل إلى ما نحاربه.
كيف سيخرجون
أمام البشر هكذا…؟ " "
سألني الدب بقلقٍ واضح.
أجبته بلا
تردّد:
" سنحرق المكتبة… سينشغل الجميع
بالنيران، وأنت خذ الناجين إلى مكانٍ آمن. "
نظر إليّ لحظةً
طويلة، كأنه يقرأ ما يدور في داخلي، ثم ضخّم جسده وحمل الطفلة الصغيرة برفقٍ يفوق
قسوة هذا العالم،.ومضى ليحرّر السجناء.
أما أنا…
فاتجهت نحو أروقة المكتبة.
أضرمت النار في
كل غرفة مررت بها. اشتعلت الرفوف الخشبية
سريعًا،.وتصاعد الدخان الأسود كثيفًا، حتى بدا كأن السماء نفسها تختنق.
كل جندي اعترض
طريقي… سقط. لم أكن أفكرفي أفعالي. كنت أمشي وسط اللهيب كظلٍّ غاضب، حتى وصلت إلى
قاعة هادئة، بعيدة عن الفوضى.
كانت مظلمة…
لكن ضوء القمر المتسلّل من النوافذ العالية أضاء المكان بضياءٍ بارد. رايات عملاقة تزيّن الجدران، ورفوف الكتب شاهقة
كأنها حراسٌ صامتون لتاريخٍ منسي.
وقعت عيناي على
رايةٍ تحمل رسماً لسيفٍ مضيء. توهّج خافت
يحيط به، وكأن الضوء جزءٌ من جوهره.
همستُ:
هل يُعقل أن يكون تايفوروس…؟ ""
انتقلتُ إلى
الراية التالية. جنديٌّ مجهول يمتطي
حصانًا طائرًا، وفي يده السيف ذاته، وأمامه جحافل من الظلام تزحف نحوه، بينما هو
واقف بثبات… ينتظرهم بثقةٍ لا تهتز.
تسارعت أنفاسي.
أسئلة كثيرة بدأت تدور في عقلي... لكن لم يكن لدي وقت.
بدأت أفتّش
الكتب القريبة… ثم البعيدة... أقلب
المخطوطات، أبعثر الرفوف، و أرمي الكتب أرضًا بغضبٍ يتزايد مع كل لحظة.
أين هذه
المخطوطات؟! " "
لا أجدها في أي
مكان... ""
وسط ضجيج
ارتطام الكتب بالأرض، وصوت اشتعال الخشب في الخارج،
انشقّ الهواء بصوتٍ غريب، همسٌ قريب من أذني… قريبٌ حدّ
أنفاسي.
ماذا تفعل هنا
يا صغير…؟ " "
تجمّدتُ في
مكاني و اتسعت عيناي من شدّة الخوف.
كان الصوت
باردًا… عميقًا... كأنه خرج من جدران
القاعة نفسها.
وحين أدرتُ
رأسي ببطءٍ لأرى مصدره... لم أرَ أحدًا...
لكن الظلال على
الجدار لم تكن ثابتة. كانت تتحرّك… رغم أن
ضوء القمر لم يتغيّر.
ثم ظهر الصوت
أمامي من جديد، فاندفعتُ إلى الخلف لأحمي
جسدي و أستعد للإنقضاض على ساحب ذاك الصوت ولكنه كان أمين المكتبة...
شيخًا كبيرًا في السن، ضعيف الجسد، يرتدي قلنسوةً تخصّ
السحرة، يتدلّى طرفها فوق كتفيه كأنها ظلّ زمنٍ قديم.
قال بهدوء:
ماذا تفعل يا
أرين؟ ""
اتّسعت عيناي
و شحذتُ حواسي أترقّب أي حركةٍ خاطئة منه...
كنت مستعدًا لأن أضرب بلا تردّد.
لكنه تبسّم
ضاحكًا، وقال بصوتٍ مطمئن:
هوّن عليك يا صغير... أنا صديق جدّتك. " "
حينها، انحسر
التوتر من صدري كمدٍّ يتراجع.
عذرًا على
وقاحتي… لم أعلم من أنت. " "
قلتُها بابتسامةٍ خفيفة، أخفي بها ما تبقّى من حذر.
تقدّم خطوة،
وعيناه تلمعان بحكمةٍ عتيقة:
هل تبحث عن مخطوطات أتلانتس؟ "
"
تجمّدتُ لوهلة.
كيف عرفت ما أبحث عنه؟ "
"
ضحك بخفوت:
يا صغير… لقد
تربّيتُ على أيدي الساحرات. ""
أعلم الكثير مما تظنّه سرًّا. "
"
ثم أدخل يده في
قلنسوته، وأخرج منها أوراقًا قديمة، مهترئة الأطراف،
تنبعث منها رائحة غبار القرون.
مدّها نحوي
قائلاً:
خذ يا صغير... ستجد
ضالتك في هذه الأوراق. " "
تناولتها بيدين
متردّدتين، وشعرتُ بأن شيئًا أثقل من الورق قد انتقل إليّ...
كأنني لم أستلم خرائط فحسب، بل استلمتُ بداية الطريق
الذي لا عودة منه.
" عذرًا أيها
..."
قاطعني بهدوء:
نادِني مالكاز… فقط مالكاز. " "
ابتسمتُ بخفّة
وقلت:
" حسنًا أيها العجوز مالكاز... "
" هل تعلم أين أجد السيف الموجود في تلك
الراية الضخمة؟ "
أشرتُ بإصبعي
نحو الراية المعلّقة، وحين وقع بصره عليها، بدا الذهول واضحًا على وجهه، كأنني
أيقظتُ ذكرى كان يتمنى لو تبقى نائمة.
قال ببطء:
وما شأنك
بأسطورةٍ تكاد تُنسى يا فتى؟ ""
لم يكن أمامي
خيار...
أخبرته عن جيش الطاغية، عن الظلام الذي يزحف تحت الأرض،
عن الدماء، عن السجناء، عن الطفلة...
ومع كل كلمة،
كانت ملامح مالكاز تتبدّل، حتى ارتسم الحزن على وجهه كخطوطٍ عميقة لا تمحى.
همس بصوتٍ مثقل:
إن كان ما تقوله صحيحًا… فالعالم على حافة هاوية. "
"
ثم أطرق رأسه
قليلًا، قبل أن يضيف.
لا أعلم أين السيف الآن أيها الصغير ... " "
" لكنني سمعتُ ذات مرة شعب القمر
يتحدثون عنه. كان بينهم همسٌ عن عهدٍ قديم… وعن حارسٍ لا يشيخ. "
توقّف لحظة،
يحدّق في الفراغ كأنه يبحث بين غبار الذاكرة.
لا أستطيع
تذكّر التفاصيل... فقد كان ذلك منذ مئات
السنين... ""
ثم رفع عينيه
إليّ، وفيهما شيءٌ من القلق:
" لكن إن كان
تايفوروس ما زال موجودًا. فلن يكون في
متناول من يبحث عنه بالقوة فقط. ذلك
السيف… لا يُمنح، بل يختار. "
بعدها امتدّت
لحظة صمت طويلة إلى أن شكرتُ العجوز على الأوراق،
وخرجتُ مسرعًا قبل أن يصل المزيد من الحراس. كانت النيران قد ابتلعت أجزاءً واسعة من
المكتبة، والفوضى تعمّ المكان، وهذا ما أردته تمامًا.
همس مالكاز في
نفسه بعدما ابتعدتُ عنه:
" تنتظرك
أحداثٌ مؤلمة كثيرة يا صغير... رغم أنك لستَ المختار في النبوءة الحقيقية.
"
كيف لهذا
العالم أيكون قاسياً لهذه الدرجة مع قلبك الضعيف هذا؟ " "
ثم وضع
يديه على وجهه و بدا بالضحك بطريقة مجنونة و هو يصرخ و يقول:
ستقضي
على الجميع أيها الصغير بسبب قلبك الضعيف هذا... ""
ثم هدأ صوته و بدأ بالبكاء و وهو يقول بصوتٍ
منخفض:
" سامحني أيها الصغير، لا أستطيع أن أنقذ
قلبك الصغير هذا. لا يقوى أي سحرٍ في هذا العالم على علاج آلام الحب و الفقد.
"
حلّقتُ مبتعدًا
عن العاصمة حتى وصلتُ إلى هضبةٍ صغيرة، بعيدة عن أعين البشر. كان الدب ينتظرني هناك، جالسًا فوق صخرة، يحدّق
في الأفق بصمت.
هبطتُ أمامه
سريعًا.
أين ذهب
الجميع؟ " "
أجاب بهدوءٍ
معتاد:
" لا تقلق يا أرين… أرسلتهم إلى غابةٍ
قريبة، غابةٍ تشبه تلك التي نشأتَ فيها.
هناك سيكونون بأمان… مؤقتًا على الأقل. "
ترددتُ لحظة،
ثم خرج السؤال من بين شفتيّ رغمًا عني:
والفتاة…؟ " "
خفض الدب نظره
قليلًا، ثم قال بصوتٍ أكثر هدوءًا:
دفنتُها بشكلٍ لائق. " "
ساد الصمت
بيننا. لم تكن الرياح وحدها من تعصف فوق
الهضبة...
كان داخلي يعصف أكثر.
نظرتُ إلى
الأوراق القديمة في يدي، إلى الخرائط التي قد تقودني إلى أتلانتس... إلى السيف الذي قد يغيّر مصير هذا العالم.
لكن صورة
الطفلة لم تغادر ذهني.
حينها أدركتُ...
أن رحلتي لم تعد بحثًا عن سيفٍ أسطوري
فحسب،
بل أصبحت وعدًا صامتًا... ألا يُدفن مزيدٌ من الأطفال في أرضٍ لا تستحق
دماءهم.
هيا يا معلّم…
أمامنا رحلة أصبحت أطول قليلًا. ""
نظر إليّ الدب
باستغراب:
ماذا تعني أرين؟ " "
قلتُ بهدوءٍ لم
يخلُ من حدّة:
" لنعرّج على قصر الحاكم… قبل أن نغادر
العاصمة. "
كان منتصف
الليل قد حلّ، والتوتر يعمّ المدينة بعد حادثة اقتحام المكتبة العتيقة. الحراس ينتشرون في الأزقة، والمشاعل تتوهّج في
الساحات.
حلّق بي الحصان
المجنّح بصمتٍ فوق الأسوار العالية، حتى هبطنا على شرفة القصر.
كان القصر
شاسعًا، ممرّاته طويلة، وأروقته متشابهة، لكن هناك قاعدة لا تخطئ. غرفة الحاكم دائمًا هي الأكبر.
وبالفعل…
وجدتها.
الأضواء مطفأة،
والسكون يعمّ المكان. طرقتُ نافذة الشرفة
ثلاث طرقات خفيفة. تحرّكت الستائر، ثم
انفتح الباب الزجاجي ببطء.
لم يكن الحاكم
كما توقعت.
كانت فتاة…
شابة، في مقتبل العمر، ملامحها متعبة لكنها صارمة، وعيناها تحملان شيئًا بين الحذر
والقوة. لحظة دهشة مرت بيننا، ثم لم
أمهلها وقتًا للصراخ. اندفع الحصان
المجنّح فجأة، وخطفتُها من موضعها قبل أن تدرك ما يحدث.
ارتفعنا في
السماء، والقصر يتضاءل تحتنا، وصوت الحراس يعلو من الأسفل في فوضى عارمة.
كانت تتخبّط
بين يديّ محاولة التحرر، لكن قبضتي كانت ثابتة.
همستُ قرب
أذنها، وصوتي بارد كليل العاصمة:
لا تصرخي إن
أردتِ أن تعيشي، استمعي لي جيدًا.... " "
حين استعادت
وعيها، كانت أنفاسها متقطّعة وعيناها مذعورتين.
وقبل أن تفقد رباطة جأشها تمامًا، قلتُ لها بحدّة:
" لا تصدري
صوتًا… إن سقطتِ من هذا الارتفاع، حتى عظامكِ ستصبح فتاتًا. "
لكنها لم تستمع.
صرخت بقوة، تطلب النجدة، وصوتها اخترق سكون الليل حتى
كاد يشقّ رأسي نصفين.
حتى الدبّ تأفّف متذمّرًا.
" يكفي صراخًا… صوتكِ لن يصل إلى أحد. "
عندها خمدت
فجأة، وصمتت… ثم بدأت بالبكاء.
كانت ترتجف بين
يديّ، تظن أن نهايتها قد حانت، لكنني لم أرد قتلها...
أردتها أن ترى، أن تعرف ما يحدث.
هبطنا في
الغابة قرب المكان الذي كان السجناء
يُحتجزون فيه. سرتُ معها بين الأجساد
الجريحة، بين الأهات الخافتة والوجوه المنهكة. الظلال كانت طويلة، والمشهد أثقل من أن يُحتمل.
همستْ، وصوتها
مكسور:
ماذا حصل لهم…؟ ""
نظرتُ إليها
ببرود:
هذا فعل شعبكِ و جنودك. البشر يُفسَدون حين يتركون الخوف يحكمهم.
ارتسم الذهول
على وجهها، لم يكن ذهول من يعرف… بل من يكتشف.
ركعت فجأة قرب
فتاة صغيرة تبكي، وضمّتها إلى صدرها دون تردّد.
كانت الطفلة ترتجف، والحاكمة تحاول تهدئتها، تمسح على
شعرها بحنانٍ لم أتوقعه.
همس الدبّ
بجانبي:
ما الأمر يا أرين…؟ " "
من هذه المرأة؟ ""
ألم تكن الشريرة؟ " "
راقبتُ المشهد
بصمت، ثم قلتُ بهدوء:
" لا يا
معلّمي… لم تكن تعلم ما يجري. انظر إلى
الخوف في عينيها...
إنها قلقة عليهم، رغم معرفتها أنهم ليسوا بشرًا."
في تلك اللحظة
أدركتُ أمرًا مهمًا... الشرّ ليس دائمًا
في القمة، أحيانًا يكون مختبئًا في الظلال... ينمو بعيدًا عن أعين من يظنون أنهم يحكمون.
اقتربت الحاكمة
منّي ومن الدب، وكانت ملامحها مختلفة عمّا رأيتُه أول مرة. لم يعد فيها ذاك الارتباك وحده… بل شيءٌ من
العزم.
أحنت رأسها
باحترام، وقالت بصوتٍ ثابت رغم ارتجافه الخفيف:
أعتذر منكم
عمّا فعله شعبي... لم أعلم أن هذه الأمور
تجري في مملكتي. "
تولّيت الحكم حديثًا بعد وفاة والدي، وكان الوزراء هم من
يديرون شؤون المملكة."
رفعت رأسها،
وعيناها تلمعان بصدقٍ واضح:
" لكن لا
تقلقوا… سأصلح كل شيء في ميلانور. ستصبح
ميلانور عادلة وآمنة من جديد. لن أسمح
للكراهية والحقد أن يجدا طريقًا إلى قلوب شعبي بعد الآن. "
نظرتُ إليها
طويلاً.
لم أرَ في عينيها خوفًا على عرشها... بل خوفًا على شعبها.
قال الدبّ
بصوتٍ خافت:
" الكلمات جميلة يا صغيرة… لكن الإصلاح
يحتاج شجاعة. "
أجابت دون
تردّد"
" أعلم… وسأتحمّل العواقب. حتى لو اضطررتُ إلى محاسبة أقرب رجالي إليّ.
"
حينها شعرتُ بأن
شيئًا تغيّر. لم تكن تلك الفتاة عدوًّا...
بل حاكمة وُضعت في عاصفةٍ أكبر منها.
قلتُ لها بهدوء:
" إن أردتِ
إصلاح ميلانور… فابدئي بالحقيقة. اكشفي ما
حدث تحت المكتبة، وأزيحي الوزراء الذين تلطّخت أيديهم بالدماء. "
ثم أضفتُ،
وصوتي يحمل تحذيرًا صريحًا:
" لأن العاصفة
القادمة لن تفرّق بين بشرٍ وغير بشر. جيش
الطاغية يقترب... وإن لم تتوحد ميلانور،
فستكون أول من يسقط. "
تجمّدت ملامحها
لحظة.
جيش الطاغية…؟
""
أومأتُ ببطء.
كانت تلك
الليلة... ليست فقط بداية رحلتي نحو أتلانتس، بل بداية حربٍ لن تُخاض بالسيوف
وحدها، بل بالعدل والقرارات التي ستتخذها هذه الحاكمة الشابة.
نظرتُ إليها
طويلًا، والريح تعبث بشعرها تحت ضوء القمر.
ألا تشعرين
بالخوف؟ " "
لم تتراجع
نظراتها، بل ثبتت عينيها في عينيّ بثباتٍ مفاجئ.
قالت بهدوءٍ عميق:
الخوف نصف
الشجاعة... والثبات في المعركة هو النصف الآخر.
" "
ساد الصمت لحظة.
لم يكن في صوتها ادّعاء، ولا محاولة لإظهار القوة.
بل اعتراف صادق بأنها تخاف، ولكنها لن تهرب.
أضافت بصوتٍ
أكثر هدوءًا:
الحاكم الذي لا يخاف… أحمق، والذي يستسلم لخوفه… جبان."
أما الذي يعترف به… ويقف رغمًا عنه، فذلك من يستحق أن يُتبع. "
شعرتُ بشيءٍ من
الاحترام يتسلل إلى صدري:
همس الدبّ
بجانبي:
يبدو أنك لم تختر عدوًّا هذه الليلة يا أرين... "
"
ابتسمتُ
ابتسامة خفيفة، ثم قلتُ لها:
إن كان في
ميلانور من يشبهكِ... فربما لا يزال لهذا
العالم فرصة. " "
كانت تلك
اللحظة بداية عهدٍ جديد، ليس فقط لها، بل
لي أنا أيضًا.
انتهت مهمتي في
إيلينور، وانطلقتُ نحو الجنوب، صوب مملكة أرفانديس.
في المخطوطة القديمة التي سلّمها لي مالكاز، كانت أسماء
الممالك منقوشة من الشمال إلى الجنوب، وفي أقصى الجنوب كانت أطلال لمملكة قديمة،
عفا عليها الزمن منذ قرون.
كانت
مملكة أرفانديس هي وجهتي.