غموض الجبل القاسي (مقارنه واحتقار)
( مقارنه واحتقار)
.........
مَنِ اخْتَارَ العَيْشَ فِي الظِّلَالِ، فَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَشْكُوَ عَتْمَةَ الطَّرِيقِ.
( مقارنه واحتقار)
﷽
ــــــــــــــــــــــــ
مرت الليلة ثقيلة كأنها دهور،
الحزن خيم على جدران "دار الملاح"
وصمتها أصبح موحشاً.
**
في شقة جبل،
كانت أمينة تجلس على طرف السرير، وعقلها لا يتوقف عن الدوران في حلقة مفرغة من الأسئلة.
لماذا فعلت هند هذا؟
وكيف استطاعت الوصول لدياب بهذه السرعة؟
شعرت أمينة بغصة في حلقها؛
فبعد أن بدأت تألف أهل البيت وترتاح لطيبة الحاجة صفاء وحكمة سمية،
جاءت هند لتهدم كل شيء.
كانت تخشى الآن أن ينظروا إليها بعين "الريبة"، وكأنها شريكة في غدر ابنة عمتها.
تحدثت أمينة نفسها بمرارة:
"يا مري يا منّة.. هند خربت كل حاجه. كيف خالي وافق؟
وكيف هيا رضت تتجوز راجل متجوز وتهدم بيت واحدة تانية زي عبير؟"
نعم، هند تكبرها بعامين، وكانت دائماً تملك فرصاً كثيرة،
لكنها لم تكن تنظر لما في يدها، بل كانت عيناها دائماً معلقة بما في يد أمينة.، تذكرت أمينه أحلام هند عن الغنى والمال،
وكيف كانت تشتكي دائماً من ضيق حال والدها وتتمرد عليه.
استطردت أمينة في تفكيرها: "
تنهدت بعمق وهي تنظر للباب، تنتظر دخول "الجبل" الذي خرج غاضباً.
كانت تخشى مواجهته، فجبل لا يفرق في وقت الغضب بين الظالم والمظلوم، وهي الآن في نظره مجرد "فرع" من الشجرة التي أثمرت هند.
بعد وقتٍ مرَّ كأنه دهر، سُمعت خطوات جبل الهادئة، تلك الهدأة التي تسبق العاصفة. دخل الغرفة ونظراته كانت حادة كشفرة السكين،
توجه نحو أمينة مباشرة. قبل أن تنطق بكلمة، كان قد أمسك ذراعها بقوة جعلتها تقف رغماً عنها، وشدَّ على يدها حتى تأوهت من الألم.
جبل (بفحيح مرعب): "كنتي تعرفي؟
أمينة (برعب حقيقي وأنفاس متقطعة): "أكيد له! والله العظيم ما أعرف أي حاجة من اللي حصل واصل!"
لم يتراجع جبل، بل ضيق عينيه واقترب من وجهها أكثر، وكرر كلمته ببطء وصرامة:
"كنتي... تعرفي؟"
أمينة (والدموع تترقرق في عينيها): "وحياة أبوي ما أعرف حاجة.. أنا أصلاً مش مصدقة اللي حصل،
ولا كلمت حد من بيت أبوي من ساعة ما جيت هنا عشان يقولي!"
توقف جبل لثوانٍ، ومر شريط الأحداث أمام عينيه.. تذكر وجه "الحاج حماد"
والد أمينة وهو يدخل بيت صهره بذهول حقيقي، وتذكر استنكاره للفضيحة التي تمت في السر. تيقن جبل أن والدها بريء، وربما هي أيضاً.
أرخى جبل قبضته فجأة وترك يدها، لكنه لم يتراجع عن وعيده:
جبل: "أتمنى تكوني صادقة.. عشان لو ليكي يد أو كنتي مخبية، هعرف. وساعتها لا بنت خالك ولا أبوكي نفسه هيقدروا يحوشوا عنك اللي هعمله فيكي.. واعية يا بنت الـ فارس؟"
لم تنتظر أمينة منه اعتذاراً، فقد شُلَّ لسانها من الخوف.
استدار جبل ببرود، وبدل ثيابه بآلية وجفاء، ثم تمدد على فراشه ونام دون أن ينطق بحرف آخر، تاركاً خلفه جداراً من الثلج بينه وبينها.
أما أمينة،
فقد ظلت مستيقظة لساعات، تراقب سقف الغرفة وتفكر.. كيف ستواجه هند غداً؟ لم يغلبها النوم إلا بعد أن أرهقها التفكير، لتغفو على وسادةٍ بللتها دموع الحيرة والخوف من المجهول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح اليوم التالي
بدأت أمينة تعتاد نظام "الجبل"؛ استيقظت قبله، انتظرته حتى اغتسل ونزل دون كلمة واحدة، وكأن صمته صار لغتها المشتركة معه.
شعرت بالراحة لرحيله،
فوجوده يضغط على أنفاسها.
عند نزولها،
رأت عبير تصعد الدرج نحو الدور الثالث بخطوات ثقيلة ووجه شاحب، وعيناها متورمتان من فرط البكاء.
أمينة (بمناداة خافتة): "عبير.."
التفتت إليها عبير بصوت يرتجف: "نعم يا أمينة؟"
أمينة: "كنت عاوزاكي.. ممكن نتكلمو؟"
عبير (بانكسار): "مفيش وقت.. بلم هدومي وحاجتي من فوق، لو عوزاني تعالي معاي.
صعدت أمينة معها إلى الشقة التي كانت يوماً عُشاً هادئاً،
ووجدتها قد بدأت بالفعل في إفراغ خزائنها. أمسكت أمينة يدها بحرارة وقالت:
أمينة: "والله العظيم يا عبير،
وحياة ربي مالي يد ولا أعرف حاجة، أنا اتفاجئت كيفكم!
صمتت عبير قليلاً، ثم نظرت لأمينة بعيون ملؤها الحزن: "عارفة يا أمينة.. السرعة دي كلها مش طبيعية،
إنتي يادوب بقالك يامين تلاتة في البيت، لحقتي ميتا تعملي كل ده؟ ثم انهارت بالبكاء، فاحتضنتها أمينة وسالت دموعها هي الأخرى شفقةً عليها.
أمينة (بهدوء): أمي ديما تقول: اللي ييجي رخيص، ينباع بالرخيص.
قلبك محروق دلوك، بس الجوازة ديتي مش هتستمر.. اصبري وإن شاء الله جوزك يرجع لعقله ويرجعلك.
عبير (وهي تمسح دموعها بمرارة): "دياب عاوز يتجوز عشان يتجوز،
مش عشان الخلف بس..
أنا بتعالج والأمل في ربنا موجود، والدكتورة قالت حالتي مش صعبة، بس هو كان بيستعجل أي جوازة قبل ما ربنا يراضيني!"
أمينة (بدهشة): "يعني إنتي تتعالجي عادي؟ طيب خير.. دي حاجة زينة.
عبير: زينة إيه وهو ماصدّق وجري اتجوز؟
أمينة (بانفعال عفوية): "سيبيه ينفلق نصين.
ثم تداركت نفسها ووضعت يدها على فمها بدهشة: "مش قصدي.. حقك عليا والله!
انفجرت عبير بضحكة وسط دموعها: "لا متتأسفيش.. بعد اللي عمله مش هزعل،
ضحكتيني والله يا أمينة."
أمينة (بجدية): أنا قصدي سيبيه.. الغربال الجديد ليه شدة،
هيفرح بهند يامين، وبعدين هي اللي هتخليه يكره صنف الحريم كلهم!
عبير (بفضول): "ليه؟ إيه طبعها؟
أمينة: "لمي حاجتك الأول وننزل تحت، وبعدين ابقا احكيلك.
نزلت أمينة مع عبير، وألقت الصباح على الحاجة صفاء وسمية بصوت منخفض. لمحت جبل جالساً وقد انتهى من فطاره تحت، فاستغربت؛ هل فطر هنا ليتجنبها أم ليكون قريباً من الأحداث؟
وفجأة، شق صوته الجهوري هدوء المكان بزعيق: "انتي يا بت!
التفتت أمينة حولها بذعر، وأشارت لنفسها ببلاهة: "أنا؟"
ذهبت نحوه
أمينة: "إيه؟"
جبل (بصرامة): "اسمها نعم!"
أمينة (بتلعثم): "نعم.."
جبل: "روحي اعمليلي شاي.
ذهبت أمينة للمطبخ والضيق يأكلها، أعدت الشاي وعادت تمد يدها بالصينية: "الشاي.." واستدارت لترحل بسرعة، لكنه استوقفها مجدداً:
"خدي يا بت!"
أمينة (بنفاذ صبر مكتوم): "نعم؟"
جبل: "كنتي فين؟ مش نزلت من بدري، منزلتيش ورايا تفطريني ليه؟"
أمينة: "كنت مع عبير فوق بنلم حاجتها، ونزلنا أهوه.. مأخرتش يعني."
جبل (بتحذير): "ردي زين.. وما تكرريهاش تاني، وحِسك ميعلاش ."
هنا لم تتحمل أمينة أسلوبه، فقالت بـ "طفش" وجرأة مفاجئة: "حاضر.. بس اسمي أمينة.. مش بت!"
تجمد جبل مكانه،
ونظر إليها طويلاً بنظرة غامضة، ربما لم يتوقع أن ترد عليه بهذه القوة. صمت قليلاً ثم قال ببرود وهو يشير بيده: "روحي يا بت ادخلي چوه.. عشان أنا قرفان ومش طايق روحي!"
دخلت امينه مسرعة لغرفة عبير
ــــــــــــــــ
مر الوقت ثقيلاً، وقامت أمينة وسمية بتجهيز العشاء بآلية وصمت. هذه المرة، لم ينتظر أحد دياب، ولم تُجهَّز له "صينية" خاصة. وبينما الجميع جالسون في وجوم، توقفت سيارة دياب أمام الدوار.
ترجل دياب ومع هند، التي دخلت بـ "فستان عرسها" وطرحتها الطويلة، لكن دون ذرة من حياء الصعيد؛ كشفت عن وجهها وتمايلت في مشيتها وهي تدخل بيت الملاح. نظر الجميع إليهم ببرود قاتل،
ولم ينطق أحد بكلمة "مبروك"،
حتى جبل ظل مكانه كالصنم وعيناه تلمعان بالتحذير.
وحدها عبير كانت غائبة، حبست نفسها في غرفتها بالطابق الأرضي كي لا تلمح طيف التي سرقت دارها. وقفت أمينة مذهولة من جرأة هند،
التي لم تضيع ثانية لتبدأ استفزازها:
هند (بابتسامة لئيمة): "إزيك يا منّة؟ اخص عليكي.. طيب باركي لبت خالك،
ارتعشت أمينة خجلاً وارتباكاً أمام نظرات العائلة،
لكن دياب سحب هند من يدها وصعد بها للأعلى سريعاً قبل أن تزيد من حدة الموقف.
دخلت أمينة وسمية لغرفة عبير فوراً ليواسوها، وجدوها واضعة يدها على أذنيها وهي ترتجف.
فجأة، بعد قليل رن هاتف ملاح.. كان دياب يخبره أن "كل شيء تم". قام فاروق وأمسك بسلاحه ليخرج، فاستوقفه جبل بحدة:
جبل: "هتعمل إيه يا خوي؟"
فاروق (بأسى): "بنت يا جبل.. ولازم نستر على الجوازة عشان الناس وكلام البلد، لازم نضرب نار عشان ميبقاش شكلنا وحش قدام الغريب."
خرج فاروق لساحة الدوار وأطلق عدة أعيرة نارية في الهواء. كل طلقة كانت تنزل على أذن عبير "كالرصاص" الحي،
تغرس في قلبها أن دياب لم يعد لها، وأن "الغريبة" أصبحت الآن صاحبة حق في هذا الدار.
ــــــــــــ
صعدت أمينة أولاً، وبعد وقتٍ قليل دخل جبل الغرفة. كانت أمينة تجلس أمام المرآة تمشط شعرها الطويل الذي ينسدل على كتفيها، مرتديةً بيجامة رقيقة تبرز جمالها الهادئ. للحظة،
زاغت عين جبل وتسمرت في ملامحها؛ فالحياء الذي يشع من وجهها يختلف تماماً عن جرأة وبجاحة ابنة خالها هند التي رآها قبل قليل.
بدل جبل ثيابه وهو يحاول استعادة بروده المعتاد، ثم قال بلهجة جافة: "اقفلي النور يا بت."
أمينة (بإصرار هادئ): "أمينة.. اسمي أمينة."
توقف جبل،
ثم سار نحوها بخطوات بطيئة ومنذرة، حتى تراجعت هي واستندت إلى الحائط، وقلبها يدق كطبول الحرب. وقف أمامها مباشرة، لدرجة أنها شعرت بحرارة جسده، وقال بصوت منخفض: "بت.. ولو مش عاجبك، الحيط وراكي."
أمينة: "..." (لم تستطع الكلام من فرط قربه)
جبل: "إيه؟ سكتي يعني؟ ولا لسانك بيطول وأنتي بعيد بس؟"
أمينة (بهمس مرتعش): "أنا.. أنا عاوزه أنام."
رفع جبل حاجبيه بتحدٍ، وقال ونبرة صوته بدأت تتغير: "ولو أنا معاوزش تنامي؟"
أمينة (برعب طفولي): "يعني إيه؟ أعمل شاي يعني؟ ولا.."
لم تكمل حديثها فقد قاطع جبل كلماتها بقبلةٍ أخرست كل الأسئلة، وجذبها إليه ليفصلا نفسيهما عن مرارة ما حدث في الأسفل، ويغرقا بعيداً عن دياب، وهند، وكل صراعات الدوار.