الوردة الحمراء: ولادة مقاتل
ولادة مقاتل
.........
في أعماق غابة ڤالِن، حيث لا يصل ضوء الشمس إلا خافتًا كأنه يخشى الدخول، كان جسد آش الصغير ممددًا فوق الأرض الباردة… بلا حراك. ومن بين الظلال، ظهر كائنٌ غريب. عيناه تلمعان بلونٍ غير بشري، وحركته صامتة كأن الأرض نفسها تفسح له الطريق. انحنى، تأمّل الطفل قليلًا، ثم حمله برفقٍ غير متوقّع… واختفى به في عمق الغابة. مرّ يوم… ثم آخر… وفي ظهر اليوم الثالث، تحرّكت أصابع آش. فتح عينيه ببطء، وارتسمت على وجهه علامات الارتباك. السقف فوقه لم يكن سقف منزله… بل كهفٌ حجري تلتف حوله جذور الأشجار. — آش: أين أنا…؟ جاءه صوتٌ هادئ من الظل: — أخيرًا… استيقظت. انتفض آش قليلًا، ونظر حوله بقلق: — من أنت؟! وأين أنا؟! خرج الكائن إلى الضوء تدريجيًا… جسدٌ بشري في أعلاه، لكن من أسفل… امتدّ جسده إلى هيئة ثعبان ضخم، جلده يلمع بلونٍ داكن، وعيناه تحملان عمقًا غريبًا. — لا تخف يا فتى… أنت في أمان هنا. تراجع آش قليلًا، يحدّق بدهشة وخوف: — ماذا… تكون أنت؟ ابتسم الكائن ابتسامة خفيفة: — أنا… نصف إنسان… ونصف ثعبان. صمت آش، وراح ينظر إليه من رأسه حتى ذيله، غير قادر على استيعاب ما يراه. — هل… لديك اسم؟ — نعم… اسمي ديڤنا. وفي تلك اللحظة، صدر صوتٌ خافت… صوت معدة آش. ضحكت ديڤنا بخفة: — يبدو أنك جائع. انتظر… سأحضر لك شيئًا تأكله. بعد قليل، وُضع الطعام أمامه. أكل آش بشراهة، وكأنه لم يذق الطعام منذ أيام. راقبته ديڤنا بصمت، ثم قالت: — أخبرني… ما اسمك؟ وكيف انتهى بك المطاف في هذه الغابة؟ رفع آش رأسه، ومسح فمه، ثم قال بصوتٍ منخفض: — اسمي آش… وبدأ يسرد قصته. عن القرية… عن الدم… عن الوردة الحمراء… وعن الوعد. صمتت ديڤنا بعد أن انتهى، وعيناها تلمعان بشيءٍ غامض. — إذًا… أنت تسعى للانتقام. شدّ آش قبضته: — نعم. — حسنًا… سأعلّمك استخدام السيف. لكن تدريبي… لن يكون رحيمًا. نظر إليها بثبات: — لا يهم… طالما سأصبح أقوى. ابتسمت ديڤنا ابتسامة خفيفة: — إذًا… لنبدأ. مرّت الأيام… ثم تحوّلت إلى أسابيع. كان التدريب قاسيًا، يتجاوز حدود جسد طفل. سقط آش مراتٍ لا تُحصى… لكنّه كان ينهض في كل مرة. بعد شهرين، وقفت ديڤنا أمامه وقالت: — حان وقت الاختبار الحقيقي. — اختبار؟ ما هو؟ — ستصطاد… دبًا أسود. اتسعت عينا آش: — دب؟! هذا… قاطعته بهدوء: — لا تقلق. ستكون قادرًا على ذلك… وسأكون بالقرب منك. تردد قليلًا… ثم قال: — حسنًا. دخلا أعماق الغابة، حيث يثقل الهواء برائحة الوحوش. وبين الأشجار، ظهر الدب… ضخمًا، شرسًا، كأنه قطعة من الظلام. — اذهب، قالت ديڤنا. ابتلع آش خوفه… وتقدّم. بدأ القتال. هجومٌ… مراوغة… سقوط… ثم نهوض. كان الدب أقوى، لكن آش كان أسرع… وأكثر إصرارًا. وفي لحظة حاسمة، اندفع بكل ما يملك… وسحب سيفه بقوة… وقطع رقبة الدب. سقط الوحش أرضًا… وساد الصمت. اقتربت ديڤنا، ونظرت إليه بإعجاب: — أحسنت يا آش. تنفّس بصعوبة: — كان… صعبًا جدًا… ابتسمت وقالت: — هذا؟ مجرد بداية. حتى الصياد المبتدئ يستطيع فعل هذا… لكنك ما زلت طفلًا، وهذا إنجازك الحقيقي. نظر إليها بدهشة: — هذه أول مرة… أسمع شيئًا كهذا. حملت ديڤنا جثة الدب بسهولة، وعادا إلى الكهف. — اليوم… ستأكل لحمًا مختلفًا. — تقصد… لحم الدب؟! — نعم… من أفضل ما ستتذوقه. بدأت في الطهي، وامتلأ المكان برائحة قوية. وبعد ساعات، وضعت الطعام أمامه. تذوّق آش… وتوقّف للحظة… ثم اتسعت عيناه. — هذا… مذهل! ضحكت ديڤنا بصوتٍ عالٍ: — يبدو أنك أعجبك. — لا أستطيع التوقف عن الأكل! في تلك الليلة، نام آش بعمق لأول مرة منذ زمن. وقبل أن يغمض عينيه تمامًا، سمع صوت ديڤنا يقول: — غدًا… سنكمل التدريب. — حسنًا… مرّت السنوات… وتحوّل الطفل الصغير إلى مقاتلٍ أقوى. وعندما بلغ الحادية عشرة من عمره… لم يعد آش ذلك الفتى الذي بكى فوق الدماء. بل أصبح… بداية شيءٍ أخطر.
