اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

حبيبتي... ولكن | وجوه في زحام الذاكرة

جاري التحميل...

وجوه في زحام الذاكرة

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

أشرقت شمس اليوم التالي باردة، تتسلل عبر زجاج النوافذ كأنها تخشى إيقاظ السكون الذي يلف القصر. استيقظت ليلى قبل أن يفتح زين عينيه، بقيت ساكنة في مكانها، تتنفس بانتظام مفتعل، تراقب بصمت ذلك الوجه الذي ينام بجوارها. بدا زين في نومه هادئًا، ملامحه مسترخية تمامًا، لا أثر فيها لتلك النظرات الحادة أو التحكم الصارم. كان يبدو كحبيب مثالي في رواية كلاسيكية، لكن ليلى كانت تلمس تحت الغطاء تلك القلادة التي تطوق عنقها، وتتذكر الكلمات التي قرأتها في المفكرة المخفية.

"عمر.. هو الوحيد الذي يملك الحقيقة."


تردد الاسم في عقلها كصدى لا ينقطع. أين هو عمر؟ ولماذا أصر زين على محوه من تاريخها؟


تحرك زين قليلاً، ففتحت ليلى عينيها بسرعة وكأنها استيقظت للتو. التفت إليها بابتسامة ناعسة، ومد يده ليمسح على وجهها برقة. "صباح الخير يا زهرتي. هل استبقتِ الشمس بالنهوض اليوم؟"


ابتسمت ليلى، وهي تجبر عضلات وجهها على الاستجابة. "صباح النور يا زين. شعرتُ بنشاط غريب، ربما هو الهواء المنعش الذي يتسلل من النافذة."


"هذا خبر رائع،" قال زين وهو يعتدل في فراشه. "بما أنكِ تشعرين بالتحسن، ما رأيكِ لو خرجنا اليوم؟ هناك معرض فني صغير في وسط المدينة، يقيمه أحد الزملاء القدامى. أعتقد أن رؤية الألوان واللوحات خارج حدود هذا المرسم قد تساعدكِ على استعادة شغفكِ."


خفق قلب ليلى. خروج؟ خارج أسوار هذا السجن الذهبي؟ كانت هذه هي الفرصة التي تنتظرها، لكنها علمت أن عليها الحذر. زين لا يفعل شيئًا دون حساب.


"معرض فني؟" تظاهرت بالتردد. "لا أعرف يا زين.. هل تعتقد أنني مستعدة لمواجهة الناس؟"


اقترب منها وطبع قبلة حانية على يدها. "سأكون بجانبكِ طوال الوقت. لن يقترب منكِ أحد، ولن نضغط على أعصابكِ. فقط جولة قصيرة لنستنشق بعض الفن، ثم نعود لنعيمنا هنا."


وافقت ليلى، وبدأت في الاستعداد. اختارت فستانًا بسيطًا من اللون الأخضر الغامق، ورفعت شعرها بطريقة تظهر القلادة الماسية التي أهداها إياها. كانت تعلم أن القلادة تراقبها، لذا حرصت على أن تظهر بمظهر الزوجة الممتنة والسعيدة.


طوال الطريق في السيارة، كان زين يمسك يدها بيد، ويقود بالأخرى. كان يتحدث بهدوء عن تاريخ المعرض واللوحات التي قد تعجبها. كان كلامه يتدفق بسلاسة، محيطًا إياها بهالة من الاهتمام التي تجعل أي امرأة تشعر بأنها محور الكون. لكن ليلى كانت تنظر من النافذة، تحاول حفظ معالم الطريق، وتراقب الوجوه في الشوارع لعلها تلمح وجهاً تعرفه.


وصلوا إلى المعرض. كان المكان أنيقًا وراقيًا، يفوح برائحة الطلاء والقهوة الفاخرة. الموسيقى الكلاسيكية كانت تملأ الأرجاء بصوت منخفض. بمجرد دخولهما، التفتت الأنظار نحوهما. كان زين يبدو شامخًا، يضع يده على خصر ليلى بتملك واضح، وكأنه يعلن للعالم أن هذه الجوهرة تخصه وحده.


"أهلاً بك يا زين.. أهلاً بعودة الجميلة ليلى،" تقدم نحوهما رجل في الأربعينيات، يبدو أنه صاحب المعرض.


ابتسم زين وصافحه بحرارة. "شكرًا لك يا أمجد. ليلى بدأت تسترد عافيتها، ولم أجد مكانًا أفضل من معرضك لتبدأ منه رحلة العودة."


بدأت ليلى تتجول بين اللوحات، وزين لا يفارقها شبرًا واحدًا. كانت تتظاهر بالتركيز في اللوحات، لكن عينيها كانت تمسح المكان بحثًا عن أي شيء قد يساعدها. فجأة، توقفت أمام لوحة تجريدية تداخلت فيها الألوان الزرقاء والرمادية بشكل عنيف. شعرت بوخزة في رأسها.


"هل أعجبتكِ هذه؟" همس زين في أذنها.


"إنها.. قوية جدًا،" أجابت ليلى بصوت خفيض. "أشعر وكأنني رأيت هذا الأسلوب من قبل."


"ربما،" قال زين ببرود. "لكنه أسلوب مضطرب، لا يشبه هدوءكِ."


بينما كان زين منشغلاً في حديث قصير مع أحد الحضور، استغلت ليلى تلك الثواني المعدودة. رأت فتاة تقف في الزاوية، كانت تنظر إليها بذهول ممزوج بالخوف. اقتربت ليلى منها بخطوات سريعة.


"هل تعرفينني؟" سألت ليلى بصوت يرتجف.


ارتبكت الفتاة ونظرت حولها بذعر، ثم همست: "ليلى؟ أين كنتِ؟ لقد قيل لنا إنكِ تعرضتِ لحادث وفقدتِ الاتصال بالجميع.. حتى عمر، لم يترك مكانًا إلا وبحث فيه عنكِ."


"عمر!" كادت ليلى أن تصرخ بالاسم، لكنها تمالكت نفسها. "أين هو يا..؟"


"سارة، أنا سارة صديقتكِ في المرسم القديم،" قالت الفتاة بسرعة وهي تراقب اقتراب زين. "اسمعي، عمر لم يتوقف عن البحث. هو يظن أن هناك خطرًا يحيط بكِ. إنه يعمل الآن في.."


لم تكمل سارة جملتها، فقد شعرت بظل زين الثقيل خلفها.


"عزيزتي ليلى، هل وجدتِ صديقة قديمة؟" سأل زين بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل تهديدًا مبطنًا جعل سارة تتراجع خطوات للخلف.


"نعم.. سارة، كانت تذكرني ببعض الأيام في المرسم،" قالت ليلى وهي تحاول الحفاظ على ثبات صوتها.


نظر زين إلى سارة بنظرة باردة كالثلج. "أهلاً يا سارة. ليلى لا تزال في فترة نقاهة، والذكريات القديمة قد ترهقها. أليس كذلك؟"


"بالطبع.. أنا آسفة،" قالت سارة وهي تنسحب بسرعة البرق وتختفي بين الحضور.


أمسك زين يد ليلى بقوة ضغطت على عظامها. "أعتقد أننا اكتفينا بهذا القدر اليوم. الجو أصبح مزدحمًا، وأنا لا أريد لكِ التوتر."


عادا إلى المنزل في صمت ثقيل. كان زين يقود بسرعة أكبر من المعتاد، وعيناه مثبتتان على الطريق بجمود مرعب. بمجرد دخولهما المنزل، أغلق الباب بعنف لم تعهده ليلى منه.


"لماذا كنتِ تتحدثين معها عن عمر؟" سألها فجأة، وصوته هذه المرة كان حادًا كالخنجر.


"أنا لم أفتح سيرة عمر يا زين، هي من ذكرت الاسم، وأنا لم أفهم عمن تتحدث،" كذبت ليلى وهي تنظر في عينيه بتحدٍ مصطنع. "من هو عمر هذا الذي يثير جنونك في كل مرة يُذكر فيها؟ إذا كان شخصًا عاديًا، لماذا تحاول محوه؟"


اقترب زين منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى إنشات قليلة. أحاط وجهها بكفيه، لكن لم تكن هذه المرة لمسة حب، بل كانت قبضة محكمة. "عمر هو الشخص الذي كاد أن يدمر حياتكِ يا ليلى. هو الشخص الذي تسبب في الحادث الذي سلبكِ ذاكرتكِ. أنا أحاول حمايتكِ من ذكراه حتى لا تموتي رعبًا. هل تفهمين؟ أنا أفعل كل هذا من أجلكِ."


انهمرت الدموع من عيني ليلى، ليس من الخوف فحسب، بل من بشاعة الأكاذيب التي ينسجها حولها. "أنا أريد أن أعرف الحقيقة يا زين.. حتى لو كانت مؤلمة."


ارخت قبضة يده قليلاً، وتحولت نظرة القسوة في عينيه إلى نظرة ضعف وانكسار مصطنعة، وهو أسلوبه المعتاد في التلاعب. "الحقيقة هي أنني أحبكِ لدرجة لا يمكنكِ تخيلها. أحبكِ لدرجة أنني مستعد لقتل الماضي كله لتعيشي أنتِ في حاضر سعيد بجانبي. لا تجبريني على أن أكون قاسيًا، يا ليلى. أنا فقط أخاف أن أفقدكِ مرة أخرى."


ضمها إليه بقوة، ودفت وجهه في شعرها. كانت ليلى تشعر بقلبه ينبض بسرعة، وكانت تشعر في الوقت نفسه بتلك القلادة التي تبرد على صدرها، تذكرها بأن كل كلمة يقولها هي جزء من مسرحية كبرى.


في تلك الليلة، تظاهرت ليلى بالنوم مبكرًا. انتظرته حتى تأكدت أنه دخل في سبات عميق، ثم انسلت من الفراش كروح هائمة. كانت بحاجة للوصول إلى أي وسيلة اتصال لم يراقبها زين. تذكرت أن هناك جهاز لوحي قديم "تابلت" كان يتركه في درج جانبي في غرفة المعيشة، ربما لم يقم ببرمجته ليتصل بنظام المراقبة الخاص به.


نزلت الدرج بحذر، والظلام يلف المكان. وصلت إلى غرفة المعيشة، وفتحت الدرج. وجدت الجهاز. كان مغلقًا برقم سري. حاولت عدة أرقام: تاريخ ميلادها، تاريخ ميلاده، تاريخ زواجهما.. لا شيء يعمل.


فجأة، تذكرت شيئًا من المفكرة. كان هناك سطر مكتوب بخط صغير في الزاوية: "الحرية في تاريخ اللقاء الأول."


فكرت ليلى.. متى كان لقاؤهما الأول؟ زين أخبرها أنهما التقيا في معرض فني في شهر يناير. جربت التاريخ.. لم يفتح.


"فكر يا عقلي.. فكر،" همست لنفسها. سارة قالت إنهما كانا معًا في المرسم القديم. جربت تاريخًا آخر، تاريخ أول معرض شاركت فيه ليلى، والذي كانت تحتفظ بملصق له في المرسم.


تك.. انفتح الجهاز.


حبست ليلى أنفاسها. دخلت بسرعة على المتصفح وبحثت عن اسم عمر. ظهرت لها نتائج كثيرة، لكنها ركزت على الصور. وفجأة، رأت صورة لرجل شاب، بملامح هادئة وعينين تحملان الكثير من الطيبة. كان يقف بجانبها في إحدى الصور القديمة، وهما يضحكان بصدق لم تره في وجهها منذ استيقظت في هذا المنزل.


كان المكتوب تحت الصورة: "المصمم عمر الشناوي، في وقفة احتجاجية للمطالبة بإعادة التحقيق في حادثة الفنانة ليلى المنصوري."


إعادة التحقيق؟ إذاً عمر لم يصدق رواية الحادث العرضي.


بحثت أكثر، وجدت خبرًا قصيرًا بتاريخ الأسبوع الماضي: "تعرض المصمم عمر الشناوي لاعتداء مجهول، وهو يرقد الآن في مستشفى المدينة التخصصي."


اعتدء مجهول؟ شعرت ليلى بالرعب ينهش قلبها. زين لم يكتفِ بمحوه من ذاكرتها، بل يحاول محوه من الوجود!


فجأة، سمعت صوت صرير على الدرج. أغلقت الجهاز بسرعة وخبأته تحت الأريكة، وعادت إلى مكانها بسرعة البرق. كان قلبها يقرع كطبول الحرب.


دخل زين الغرفة، وهو يمسك بمصباح صغير. "ليلى؟ هل أنتِ هنا؟"


"نعم يا زين.. شعرتُ بالعطش، فنزلتُ لأشرب الماء،" قالت وهي تحاول ضبط نبرة صوتها.


اقترب منها وسلط الضوء على وجهها. كانت عيناه ضيقتين بشك لا يرحم. "لماذا أنتِ مرتجفة؟"


"الجو بارد قليلاً.. سأصعد للنوم،" قالت وهي تتجاوزه بسرعة.


أمسك ذراعها وهو يمر بجانبها. "ليلى.. تذكري دائمًا أنني أرى كل شيء. لا تحاولي الدخول في سراديب لا تعرفين نهايتها. الحقيقة قد تكون أقسى مما تطيقين."


صعدت ليلى إلى غرفتها، وهي تعلم أن اللعبة دخلت مرحلة اللاعودة. عمر في المستشفى، وزين يعرف أنها بدأت تبحث. الرومانسية التي كانت تغلف علاقتهما بدأت تذوب لتكشف عن أنياب الوحش القابع تحتها.


لم يعد أمامها خيار. عليها أن تصل إلى عمر. عليها أن تعرف ما الذي اكتشفته ليلى القديمة وجعل زين يقرر تدميرها.


نظرت إلى المرآة، ورأت في عينيها لمعة جديدة. لم تكن لمعة خوف، بل كانت لمعة إرادة. زين قد يكون المتحكم في واقعها، لكنها هي الفنانة التي ستعيد رسم اللوحة، ولو بدمها.


"حبيبتك.. ولكنك لا تعرفني حقًا،" همست لنفسها وهي تراقب الفجر الذي بدأ يلوح في الأفق، معلنًا عن بداية يوم سيغير كل شيء.
               
حبيبتي... ولكن
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.