سمٌ في كأس عسل - رواية تذكرت
سمٌ في كأس عسل
.........
كانت الأجواء في الكافيه المطل على النيل هادئة نسبيًا، لكن بالنسبة ليارا، كانت كل حركة وكل همسة ترقبها تحت مجهرها الدقيق، تنتظر لحظاته المناسبة.كانت المناسبة بسيطة؛ احتفال صغير بمناسبة ترقية أحمد في عمله الجديد كمهندس برمجيات. كان من المفترض أن يكون يومًا سعيدًا لندى، لكن يارا كانت قد قررت مسبقًا أن السعادة عُملة لا يجب أن تملكها ندى وحدها.
ارتدت يارا فستانًا بسيطًا بلون البنفسج الهادئ، لون يوحي بالوقار والبراءة في آن واحد. جلست بجانب ندى التي كانت تتألق بفستان أحمر، تبدو فيه كأميرة حقيقية.
"أحمد، نحن فخورون بك جدًا." قالت يارا وهي ترفع كأس عصيرها بابتسامة رقيقة. "الوصول لهذه المكانة في سنك هذه يتطلب ذكاءً استثنائيًا.. وصبرًا أيضًا."
ابتسم أحمد بامتنان: "شكرًا يارا، لولا دعمكما لما وصلت لهذه الخطوة."
نظرت يارا إلى ندى بلمحة خاطفة، ثم قالت بصوت خفيض وكأنها تذكر شيئًا عابرًا: "صحيح يا أحمد، هل انتهيت من تلك المشكلة التي حدثت مع ليلى في المكتب؟ أخبرتني ندى أنها كانت قلقة جدًا بشأن ضغط العمل الذي تسببه لك تلك الزميلة."
ساد صمت مفاجئ. قطب أحمد حاجبيه ونظر إلى ندى بتعجب: "ليلى؟ أي مشكلة؟ ليلى زميلة مجتهدة ولم تسبب لي أي ضغوط.. وبالأساس، أنا لم أتحدث مع ندى عن ليلى أبدًا."
شحب وجه ندى. التفتت نحو يارا بذهول: "يارا.. أنا لم أقل أنني قلقة من ليلى، أنا فقط سألتكِ من تكون عندما رأيتُ اسمها في تعليقات صفحته."
اتسعت عينا يارا بدهشة مصطنعة، ووضعت يدها على فمها كأنها ارتكبت خطأً فادحًا غير مقصود. "أوه.. أنا آسفة جدًا، يبدو أنني خلطتُ بين الأمور. ظننتُ أنكِ قلتِ ذلك بالأمس عندما كنا نتحدث عن غيرة النساء المبررة. أحمد، أرجوك لا تهتم، ندى تحبك فقط وتخاف عليك، ربما خيالها صور لها أن وجود زميلة جميلة بجانبك قد..."
"خيالها؟" قاطعها أحمد بنبرة حادة وجهها لندى. "ندى، هل ما زلنا في دائرة الشك؟ ليلى مجرد زميلة في الفريق، والآن يارا تظن أننا نتناقش في مشاكل لا وجود لها بسببك."
حاولت ندى الدفاع عن نفسها: "أحمد، أنا أقسم أنني لم أقل ليارا شيئًا سلبيًا، هي من سألتني إذا كنتُ أشعر بالغيرة."
هنا، انكسرت ملامح يارا تمامًا. بدأت عيناها تترقرق بالدموع، وانخفض صوتها لدرجة الهمس المرتجف: "ندى.. هل تقولين إنني أنا من اختلقتُ الكلام؟ أنا التي كنتُ أحاول تهدئتكِ طوال الليل؟ أحمد، أنا أعتذر.. يبدو أن وجودي يسبب لكما المشاكل. كنتُ أريد فقط أن أوضح لندى أنك مخلص، لكنني ربما اخترتُ الكلمات الخطأ."
قامت يارا من مقعدها بحركة سريعة، كأنها لا تستطيع تحمل وطأة الظلم. "سأترككما الآن.. استمتعا بجمال الترقية، ولا تشغلا بالكما بكلماتي الحمقاء."
"يارا، انتظري!" صاح أحمد وهو يقف ليلحق بها، لكنها كانت قد أسرعت نحو الخارج. التفت أحمد إلى ندى بغضب لم تره من قبل: "هل رأيتِ ماذا فعلتِ؟ لقد أحرجتِ الشخص الوحيد الذي يقف بجانبنا دائمًا. غيرتكِ أصبحت خانقة، والآن بدأتِ تتهمين أعز صديقاتك بالكذب لتهربي من خطئك!"
بكت ندى بحرقة وسط الكافيه، بينما كانت يارا، التي تقف الآن خلف زاوية المبنى بعيدًا عن الأنظار، تمسح دموعها ببرود تام. لم تكن الغيرة هي ما يحركها فحسب، بل كانت تلك اللذة الخفية في رؤية ندى تغرق في شكوكها، ورؤية أحمد وهو ينسحب تدريجيًا من حماية خطيبته ليرتمي في حماية منطق يارا.
"الأحمر لا يليق بكِ يا ندى.." همست يارا لنفسها وهي تنظر لانعكاس صورتها في زجاج المحل. "البنفسجي دائمًا يفوز بالهدوء."