كل شيء انتهى.. ها قد أسدل ستار القدر و ارتفع تصفيق الحياة مستمتعة استمتاع الجمهور بالمسرحية .. مسرحية استطاعت تحطيمي و بعثرة قلبي إلى أجزاء.
هل هذه هي الحياة ؟ هل هي نفسها الحياة التي يتقاتلون عليها ؟ هل هي نفسها أم أنني أنا من أعيش في حياة أخرى ؟ كيف امكنها قتلي بهذه الطريقة البشعة ؟ و أي طريقة ؟! .. أن تسلب مني عزيزا قلبي و روحي و أن ترديني قتيلة بدون أن يرف لها جفن، لقد قتلتني بضربة واحدة، ضربة أوقفتني عن التقدم.
لقد كان كل شيء بسببي ، فأنا لليوم ألوم نفسي على ما حدث لهما ، لقد كنت السبب في انهما ذهبا لشراء كرة ثلج زجاجية لأنها أعجبتني يوما ، لذا قررا شراءها لي و مفاجأتي بها .
و في الأخير تفاجأت أنا.
فأنا مازلت عالقة في ذلك اليوم و تلك المكاملة ، المكالمة التي أوقفت الزمن و قلبي عن الإحساس بالحياة .
فقد مر أسبوع كامل و أنا ما زلت في نفس اليوم الذي توفيا فيه والديَّ ، بالنسبة لي قد توقف الزمن قبل أسبوع من الآن ، اسبوع و أنا اقضم يدي ندما .. اسبوع و انا أتألم بصمت و لا أغادر غرفتي .. اسبوع و لم تسقط قطرة واحدة من عيني، كل ما استطعت فعله هو تذكر الذكريات في الواحدة بعد منتصف قلبي و أتألم، أتألم بصمت، كمخلوق لم يعرف الإحساس مرة و لم تصل السعادة لقلبه يوما .. اسبوع كامل و أنا مشتتة بين العودة للحياة و بين الابتعاد أكثر وأكثر.
و لكني على الأقل كنت محظوظة لأنني لم أكن وحدي ، و الا لانتهى بي الأمر في الأخير الى الجنون.
فمنذ ذلك اليوم و لحد الساعة و خالتي تلازمني و لم تتركني وحدي أبدا، هي التي كانت دائما بجانبي و ما تنفك تخبرني بأنه ليس ذنبي ، فبالرغم من صمتي الدائم و انعزالي عن كل شيء إلا أنها كانت و بطريقة ما تخفف عني، و معها يشعر قلبي بقليل من الراحة لأنها كانت تفهم صمتي على انه حديثنا اليومي ، و لم تكن تنزعج و لو قليلا بل على العكس كانت في كل مرة تحبني و تحاول أن اخرج من عزلتي.
لذا باختصار هي كانت شعاع الأمل الصغير الذي يضيئ قلبي و يمنعه من الإنطفاء تماما.
قطع حبل أفكاري دخول خالتي و هي تقول بصوتها الرقيق :
- ما الذي تفكرين به؟!
- لا شيء مهم، مجرد أفكار تأتي و تذهب.
فتنهدت و قالت بأسى :
- إلى متى ستبقين على هذه الحال يا توليب ، هاه! أخبريني، لقد مضى اسبوع و أنت على هذه الحال منزوية و مقصية عني ، بالكاد أراكي تبتسمين ، ما مضى قد مضى و لا داعي للتفكير فهو ليس ذنبك ولا خطأك فهذا قضاء و قدر فلا تحملي نفسك اكثر مما ينبغي .. أين ذهبت تلك التي لا تفارق الضحكة وجهها ، أين ذهبت تلك المفعمة بالأمل و الحياة ؟ ، بالكاد أراكي تأكلين و تشربين، و بالكاد ألمح ظلك ، أنا أقول لك هذا في مصلحتكِ يجب أن تذهبي إلى معالج نفسي لكي تتغلبي على صدمتك ، فلقد حان الوقت لكي تتجاوزي و تكملي حياتك إلى متى ستب..
- خالتي يكفي !!
قلتها بانفعال و غضب ليس منها ، بل من نفسي لأن كل ما قالته صحيح, إلى متى سأبقى على هذه الحال؟ الى متى سأبقى منفصلة عن الواقع ؟ الى متى سأبقى عالقة في دائرة الذنب ؟
فندمت فور رؤيتي لتعابير وجهها الحزينة ، فقلت بعدها بأسف :
- أنا آسفة يا خالتي لم يكن يجدر بي أن اصرخ عليكِ فمعكِ حق في كل ما قلتِه سامحيني.
- لا تتأسفي يا زهرتي ما كان يجب علي أن أتحدث معك في الموضوع من المرة الأولى و أنا أعلم أنك حساسة تجاهه ، لكن ما الذي أفعله و أنا أراكي تذبلين كل يوم و منطفئة تماما.
فأجبتها بصوت منخفض و بشرود :
- لو كنت أستطيع لغيرت من نفسي يا خالتي لكنني عاجزة و بالتحديد عالقة ولا قوة لي للتحرك أو الاستمرار, أنا عالقة.
***
يوم جديد و صباح ممل ككل صباح..
فتحت عيني بتثاقل و شعاع شمس رقيق أضاء غرفتي المظلمة ، فنهضت من السرير و إذا بصداع قوي يفتك برأسي، و هذا بعد معركة طويلة ليلة أمس في تمام الساعة الثالثة فجرا بيني و بين أفكاري .
ها قد استيقظت في تمام الساعة السابعة و كأن أمي برحيلها تركت لي عادة الاستيقاظ باكرا للذهاب للعمل .. العمل !؟ فتذكرت كيف أن بعد وفاة والديَّ ب ثلاثة أيام كيف اتصل بي المدير ليخبرني أنه علي العودة لأنه هناك عمل كثير يجب القيام به ، فتذكرت نبرته المتجهمة و أنا أخبره بعدم إمكانية ذهابي .
- أنت تعلم بأنه لم يفت على وفاة والديَّ أربعة ايام كيف تخبرني أن أعود ؟
-انا أعلم لكن أنت تعلمين طبيعة العمل ، و غيابك غير المبرر هذا سيقضي علينا !
-غيابي غير مبرر ؟! كيف تخبرني بأن غيابي غير مبرر يا هذاا !
-كيف تجرؤين على مخاطبتي هكذا ؟ من أنتِ أصلا لترفعي صوتك على مديرك من اليوم أنت مفصولة و تعالي لأخذ أشيائك غدا !
لم أدري بشيء إلا و أنا في مكتبي أجمع أشيائي وسط نظرات زملائي .. وسط نظرات التشمت و الاستغراب و الشفقة ،و انا واقفة بينهم بكل كبرياء وتخلي .
من يقول أن الكلمات وحدها تقتل فأنا أقول أن نظرة واحد فقط قد تكون كافية لتقتل أكثر من ألف كلمة و ألف فعل .. فاضطراري للتخلي عن حلمي الذي تعبت من أجله و الذي أصبح يشعرني بالرتابة في آخر الأيام قد جعل مني شخص لا يدري هل يشعر بالراحة أم لا .
شخص ما بين الراحة و التعب.
فأيقظني من تفكيري صوت خالتي و هي تصيح :
- هيا أيتها الكسولة اسرعي فاليوم لديك يوم طويل لقد اعددت الفطور، اذهبي و اغتسلي و أنا سأنتظرك لنفطر سويا!.
- خالتي لماذا كل هذه الجلبة و لماذا لدي يوم طويل ، هل أنا ذاهبة لمكان ما؟
- هل نسيت بسرعة ، لقد قلت لي البارحة انك مستعدة للذهاب لمعالج نفسي .
- ماذاااا !! انا لم أخبرك هذا أبدا يا خالتي .
- لكنك وافقت مبدئيا و سكتت و السكوت علامة الرضا .
لا أعلم خالتي كيف فسرت موقفي لكن الذي أعلمه أنني لا أريد الذهاب لأي طبيب .
- خالتي أنا لست مستعدة و انت تعلمين بأنني لا أريد الذهاب .
فحاولتُ اعطاء حجتي دليلا ليبرهن رفضي :
- و حتى لو أريد الذهاب يجب البحث عن طبيب ماهر اولا ، فمعظم الأطباء لا يعرفون سوى نهب الأموال لمصلحتهم الشخصية ، و بعدها يجب أن نأخذ موعد.
ففاجأتني بإبتسامتها الرقيقة و التي أبرزت غمازتيها :
- لحسن الحظ ان صديقتي تعرف طبيب نفسي ماهر و سبق و اخبرتها عنك و هي حددت موعدا معه اليوم .
فصمتت و كأن جميع كلمات العالم أجمع قد اختفت ، فلم أشعر إلا بيدها و هي تدفعني للمطبخ و هي تثرثر بسعادة.. و لا تعلم شيئا عن الحرب و الفوضى التي أقامتها داخلي.
لطالما تساءلت هل الأموات يعرفون ما يحل بنا ؟ هل يشعرون حين تكون قلوبنا متألمة و بدموعنا حين تتساقط؟..
لطالما تساءلت هل الأموات أموات في الحقيقة؟
لكني عرفت حين فقدت والديَّ أن الأموات ما هم الا أموات الجسد فقط ، أما ارواحهم فستظل دائما تطوف حولنا و تحرسنا ، او نجوما متلألئة تزين سمائنا و تؤنس ليلنا الطويل، فعرفت أن ذلك الموت ما هو إلا موت أصغر هامشي أما الموت الأكبر فهو يكون حين ننساهم.
نحن نموت حين ينسانا من فتحنا لهم قلوبنا و جعلناهم خالدين في ارواحنا.
فحين رأتني أمي ابكي على جدتي في عمر التاسعة قالت لي أن الأموات ما هم إلا نجوما تأتي لزيارة الأحياء حين يشتاقون إليهم ، و منهم من يأتي حين يشعرون أن أحبائهم يتألمون و ايضا ليتأكدوا من عدم نسياننا لهم ،ثم نظرت بحنان إلى النجوم و قالت لي " فما النجوم إلا أرواحٌ انتهت مهمتها في الأرض و ستبدأ الآن مهمتها الأخرى في السماء ".
جل ما فهمته من كلامها وقتها ان جدتي رحمها الله اصبحت نجمة من نجوم السماء لكنني حين كبرت فهمت ان النجوم تبقى نجوما في الاخير لكنها ستبقى تذكرنا بالأرواح التي غادرتنا بهدوء.
فمع الوقت ستُفتح بوابة تلاشينا و موتنا ببطئ.. رويدا نموت لكن لا أحد يلاحظ ، رويدا نتألم ، رويدا يغلف الظلام قلوبنا حتى تستحيل التفرقة بين الظلام و النور ، رويدا يبدأ النبض في التلاشي ، رويدا يبدأ القلب بالتوقف.. حينها يأتي الموت الأصغر ليأخذ روحا شوهتها الأيام.
يأتي ليأخذ رفات ما بقي منا و يرحل و معه أرواح تآكلت قلوبها قبل أجسادها .
-توليب عوض !!
أيقضني صوت رقيق من هذه الأفكار التي ما تنفك و تأتيني ، فنظرت بشرود للممرضة التي نادت اسمي ، فتساءلت ما الذي أحضرني لهذا المكان المليء برائحة المجانين ، ما الذي جعلني اوافق خالتي في هراءها .
صحيح أنني وافقت مبدئيا لكنني لم أكن أعلم أنني سأشعر بهذه الطريقة شعور لم أفهمه ، و لم أستطع تفسيره بالكامل ، شعور كمن يريد الموت لكنه ينتظر انتظار اليائس لحبل الأمل لينتشله من البؤس الذي يغلف روحه الهشة .
و فوق هذا كله لم اجعل خالتي ترافقني لكي أستطيع الهرب في اي لحظة,فنهضت و حملت حقيبتي لمغادرة المكان على الفور فإذا بالممرضة تعيد :
-هل توليب عوض هنا ؟
فنظرت إليها و إلى حقيبتي و ظللت أنقل نظري بينها و بين حقيبتي و العديد من الافكار تدور داخل رأسي ،ثم حزمت أمري اخيرا و تنهدت ثم قلت بصوت منخفض كمن جاء على ارتكاب ذنب لكنه في آخر لحظة عدل عن الأمر .
-أنا هنا!
فذهبت معها و كأنني ذاهبة إلى حتفي ، كزهرة ذابلة تنتظر يدا يائسة لكي تقطفها.
فأنا لم أكن أعلم أني بدخولي من هذا الباب ستنقلب حياتي رأسا لا عقب فيها و لا نجاة.
***
هل هذا حلم؟
هل هذا وهم أم حقيقة ؟ هل هما نفس العينين اللتان قابلتهما قبل أسبوع ؟.هل هو بطلي الغريب و نفسه الذي شغل تفكيري؟ يالجمال الصدف و جمال القدر الذي حطمني ؟. لوهلة نسيت السبب الذي قادني الى هنا , فهذه المرة لم يكن القدر هو من جاء لي ، بل أنا من ذهبت إليه بقدمي هاتين .
فأنا لطالما تعودت على البحث و التمسك بالأشياء التي أحبها ، أتمسك بها خوفا من ألم جديد و خوفٍ من فراغ ينتج وراء غياب موحش.. لطالما كنت ألهث وراء الأشياء التي أحبها ، أبحث عنها بيأس حتى يتعب قلبي و تتهالك يداي.
لكنني في الأخير علمت أن المحاولات ما هي إلا بحث عن فراغ مجهول يجعل من القلب اسيرا للبدايات الخادعة ، فتركت و تعلمت أن اليد التي لطالما تمسكت بطرف القدر ما هي إلا محاولة أخرى لصفعة جديدة و تجربة اخرى .
لهذا تركته للقدر و لم أفكر كثيرا، و هاهو القدر نفسه يأخذني إليه .
قدر مناسب في الوقت الخطأ.
- هل أنت توليب عوض ؟
أيقظني من أفكاري صوته العميق و الذي كان سببا في إنهيار أسوار قلبي ،فمنذ دخولي إلى مكتبه و أنا كالبلهاء أحدق إليه كالتي انبهرت بلوحة أو اغنية أو بيت شعر قديم ، فتمالكت نفسي و أجبته بصوت منخفض:
- نعم أنا هي .
هل يتذكرني ؟ .. هل تعرف علي ؟ ام أنه رآني مجرد امرأة تحتاج للثرثرة ؟, هل لاحظ انبهاري أم انه تعود على تحديق النساء به ؟
العديد من الأسئلة التي طرأت في قلبي والني لم أجد لها جواب مقنع ، و المحير في الأمر أنني لم اكن أستمع لأي كلمة يقولها ، فكل ما استطعت فعله هو تأمل عينيه الشبيهة بقهوة الصباحات الماطرة و افكر بكيف للخالق ان يخلق شيئا كهذا يخطف الأنفاس في لحظة.
فإنتبهت أنني و منذ دخولي اليه و أنا أنظر إليه مبهورة القلب و الملامح،و متأكدة ايضا أنه لاحظ ذلك فأي شخص كان سيلاحظ. فكيف بهذا الغريب أو طبيبي إذا صح القول الذي يقرأ لغة العيون قبل لغة الشفاه .
- إذا! أخبريني عن نفسك قليلا يا توليب فأنا ارى ان اسمك نادر ، من أعطاكِ هذا الاسم ؟
لقد ضرب الوتر الحساس و بقوة ، لكن الذي جعل نبضات قلبي تتسارع ليس تذكري لوالديَّ بل اسمي الذي خرج من فمه حلوًا كترنيمة السلام، فأجبته بصوت منخفض و مقتضب:
- والديَّ .
فنظر لي نظرة طويلة و عميقة كأنه يحلل جوابي ،ثم قال بهدوء :
- حسنا أرى أنهما اجادا اختيار اسمك فهو مميز. ثم تابع :
- هل ترين الكوابيس ليلا ؟
فأجبته بصراحة و دون ان ارفع رأسي :
- أن الكابوس الوحيد الذي أراه دائما هو حياتي .
رفع احد حاجبيه و كأنه فهم تلاعبي بالكلمات ، حينها قرر مجاراتي و قال بمكر خفي:
-إذا هل تقولين أنكِ تريدين الموت ؟
فأجبته بصوت منخفض :
- لست أقول إنني أريد الموت ، بل أن حياتي في حد ذاتها كابوس ، كابوس أريد الإستيقاظ منه لا أن أموت فيه أو منه هناك فرق .
فنظر لي نظرة عميقة و غامضة كتلك حين تشابكت طرقنا لأول مرة ، نظرة كانت تحمل الكثير و الكثير فأحسست لوهلة أنه تعرف علي ، فنظرت إليه بدوري لأقرأ ما الذي يدور في رأسه و في عينيه, ثم غرقت. فلم أستطع إبعاد عيني عنه, و كلما أردت إبعادهما أجد أنني أغرق فيهما أكثر و أكثر .
فوجدت نفسي أقول له لا إراديا و دون أن أبعد عيني عنه :
- إذا, هل تستطيع انتشالي من هذا الكابوس ؟
فأطرق برأسه ثم أجابني بصوته العميق و الواثق :
- إذا لم أستطع أنا من يستطيع ؟.
فأحسست بالخجل لأنني و لسبب غريب أحسست أنه قالها عن عمد ليثير ركن الفضول لدي ،كأنه عرف أن الفضول هو صفة من صفاتي.
لا أدري ما الذي أصابني ، فهذه أول مرة أتلعثم فيها هكذا و لا أجد ما أقوله ، فأنا لا أدري و لحد الساعة أين ذهبت صاحبة الخامسة و العشرون التي تجد الردود دائما، فالتي أراها أمامي مجرد طفلة خجولة لا يزيد عمرها عن سن الخامسة .
ثم تابع حين لاحظ صمتي :
-انتِ لم تخبريني بعد ما الذي تفعلينه في حياتكِ ؟
فشعرت بالضياع و لم أعلم ماذا اقول له فردودي كلها تبخرت و ذهبت بسبب حضوره , لذا قلت اول شيئ تبادر لذهني لكي اهرب من سطوته:
-هل استطيع أن أخبرك المرة القادمة فهذه هي المرة الأولى لي و انا أشعر بالضياع و لا أعلم ماذا أقول .
فبقي ينظر لي نظرته الغامضة ثم اطرق برأسه هو يحدد موعد آخر على الساعة التاسعة صباحا يوم الأربعاء ، ثم وقف فبدا أكثر طولا و كتفيه أكثر عرضا ،و قميصه الأسود الأنيق تحت مئزره الأبيض أبرز عضلات صدره القوية ، كيف يعقل أن يكون بهذه الجاذبية ، هو ليس وسيما ابدا ، بل لديه جاذبية و سحر خفي يجعل الحواس تتبلد و القلب يخفق.
-إذا نلتقي يوم الأربعاء.
قالها بإقتضاب ثم مد يده ليصافحني بمهنية اكتسبها عبر السنين ، و أنا مددت يدي بخبرة قرأت عنها في آلاف الكتب فتبخرت كتبخر الهواء أمامه ، ثم نظرت إلى يده الكبيرة الممدودة و وضعت يدي داخلها بإرتباك ، و إحساس بالدفئ اخذ بالتسرب إلى روحي ،فأحسست بتيار كهربائي حلو اصاب جسدي و قلبي على حد سواء .
فقلت له بصوت مرتبك و ابتسامة خجول :
- إلى اللقاء .
ثم نظر مباشرة لعيني و ضغط عليها برفق و قال :
- إلى اللقاء .
***
جلست أراقب خالتي و هي تتحرك هنا و هناك بخفة الفراشة، هنا تتحرك فتضع هذا الطبق فوق الطاولة ، و هناك تعود للمطبخ لتحرك الحساء.. و أنا هنا أفكر هل يجب أن أشكرها لأنه بفضلها استطعت مقابلة بطلي الغامض ؟ام أشكر صديقتها لأنها قادتني اليه ؟ ام هل يجب أن أشكر القدر لأنه جمعني به ؟
- خالتي هل تريدين أن اساعدك ؟.
فإبتسمت ثم قالت بهمس سمعته :
-اخيرا انتِ هنا . ثم تابعت بحماس :
- لا , لا داعي فأنا بالكاد انتهيت كما انكِ لست في وضع يسمح لكي أن تساعدي.
- ماذا تقصدين ؟.
- لا, لا أقصد أي شيء فأنتِ متعبة كما ان عقلك في مكان آخر .
فلم اجبها و نظرت لها و ابتسمت ابتسامة جانبية فجاءت و عانقتني بغتة و هي تصيح :
-لقد رأيتها !!! رأيت ابتسامتك و انا سعيدة مهما كان السبب انا ممتنة أنني رأيت ابتسامتك أخيرا بعد طول انتظار .
ثم ابتعدت و قالت بحنان :
-لا أريد رؤيتك حزينة بعد الآن و لا تقلقي انتِ لست وحيدة أنا معكِ .
فإبتسمت لها بإمتنان و أنا افكر فيه و ما الذي فعله بي ، لقاء واحد فقط و قد ابتسمت اخيرا فمنذ أن عدت للمنزل و أنا لست في كامل قواي القلبية ، فأنا لم أكن أتصور أنني سأكون بهذا الإرتباك و التشتت ، ما الذي يحدث لي ؟ لماذا هذا التحول الكبير في قلبي و وجهي ؟ و لماذا قلبي ينبض هكذا حين أتذكره .
هل يمكن أن تكون خرافة الحب من أول نظرة صحيحة ؟
فقاطعت افكاري خالتي و هي تقول بحماس :
-انتِ لم تخبريني بعد كيف كانت جلستكِ و انني واثقة كل الثقة ان هذا التغير بسببه هل أعجبك؟
-نعم كثيرا .
-هاه ماذا قلتي ؟
-قلت لكِ نعم هو يجيد عمله و من طريقة كلامه يبدو ماهرا جدا .
فإبتسمت خالتي و هي تصيح بطفولية :
-لقد اخبرتكِ !! إن صديقتي بقيت تثني عليه و قد قالت أيضا أنه صغير في السن و جذاب هل هذا صحيح ؟
فقلت لها بمكر:
-هل تفكرين في خيانة خالي؟.
فابتسمت و لم تجب و لكي اغير دفة الحديث عنه قلت لها :
-سأعد المائدة بينما يجهز الحساء .