يوما ما ..الفصل التاسع
الفصل التاسع
.........
أغلقت الباب و ذهبت لخالتي بدون قوة أو جهد كأنني كنت في حرب و الآن فقد أعلنت استسلامي الحزين .
- خالتي لقد عدت .
- عدتي يا زهرتي كيف كانت الجلسة؟
-كأي جلسة .
- لكن ماذا بك ما الذي حدث ؟
- لا شيئ يا خالتي سوى أنني أريد أن أنام فأنا متعبة .
ققالت معترضة :
- على الأقل تناولي العشاء ثم نامي
-لا ليست لدي شهية أريد النوم فقط.
- حسنا يا صغيرتي لكن عديني انكِ لن تخفي علي شيئا .
فابتسمت لها ابتسامة مصطنعة و قلت بصوت منخفض :
- اعدك بالرغم من أنني لا اخفي شيئا
فقالت صوت حنون :
- حسنا يا زهرتي تصبحين على خير .
- و أنتِ من أهل الخير .
فذهبت لغرفتي و ارتميت فوق سريري خائرة القوى .. لا أصدق بأنني انغمست في شيئ لم أعرف وجهه الآخر .. شيئ ذهبت معه إلى آخر الطريق و لم أعلم نهايته إلا الآن .. اليوم فقط .. اليوم لقد صفعتني كلماته .. اليوم لقد علمت بأن الشخص الذي غرقت فيه كان يراني مجرد مريضة أخرى .. مجرد شخص بحاجة للفضفضة.
كنت اخالني مختلفة قليلا .. متميزة رغم السواد المحيط بي .. إلا انني لم أكن أعلم أنني ادور في دائرة مغلقة و أنا التي ظننت أنني خارجها .. لم أكن أعلم انه سيصفعني حتى قبل أن أبدأ .
ما الذي سأفعله ؟ كيف سأستمر في رؤيته و أنا التي لا تستطيع إخفاء عينيها عنه؟ كيف و هو قد عرفني من مجرد لقاءات عابرة؟ كيف سأستطيع تجاوزه و هو ضرب جذوره في عمق الروح؟ كيف سأتجاوزه و أنا عالقة في ذلك اليوم الذي عانق فيه روحي بكلماته الغزلية؟ فأنا أعلم أن رجل مثله لا يُنسى .
كيف سأتجاوز و انسى ذلك الحلم الذي حلمت به لليالي عديدة .
كيف أقتلع جذوره
من قلبي .
كيف ؟.
***
- توووليب حبيبتي استيقظييي !! إنها الحادية عشر الا متى ستضلين نائمة .
- خالتي اتركيني رجاءًا انام فأنا لم انم جيدا ليلة أمس .
- هيا دائما تخبرينني هكذا فاليوم أريدك مستيقظة لأن خالك سيأتي هنا و معه اخبار سعيدة .
فأنزلت الوسادة من رأسي و قلت بفضول :
- اي اخبار ؟
- لا أدري قال انه سيخبرني حين يأتي . ثم تابعت بحيرة :
- لكن يا زهرتي ماذا بكِ؟ أنا أرى الان انك قد عدتِ لتلك الفتاة التي عرفتها منذ وفاة والديها و أنا التي خلتك تغيرتي ماذا حدث اخبريني؟.
فتنهدت و قلت بقلة حيلة :
- لا لم يحدث شيئا يا خالتي انه تعب فقط لا شيئ غير ذلك .ثم تابعتُ بتردد و بصوت منخفض :
- خالتي حين تواجهين مشكلة و تريدين حلها ماذا تفعلين ؟
فقالت ببساطة و تلقائية :
- ابحث عن جذور المشكلة .
- جذور المشكلة كيف ؟
- ماضي المشكلة و التفاصيل البسيطة التي غفلت عنها و التي كانت فيها مفتاح الحل و جوابه. فتابعت بحماس :
- هيا يا عزيزتي سأتركك لتستحمي الآن و تعالي للمطبخ لكي تساعديني .
ثم خرجت مسرعة و تركتني أفكر .. كيف سأجد حلا لقلبي و هل هناك حل له من الاساس؟
إذا هل افترق عنه ؟ كيف افترق عن انسان لم تجمعني به علاقة قط لا سيما من بعض اللحظات الحالمة و من تفاصيل عشتها كاملة.
خالتي قالت أن التفاصيل البسيطة هي مفتاح الحل .. هل من الممكن أن يكون الجواب في المطر ؟ ام فيه هو ؟ ام في ذلك المحل ؟.. مهلا لحظة المحل !! ماضي المشكلة ! ذلك الجد الذي يعرف قيصر انه هو لقد وجدتها !! الجد جمال سأذهب و أسأله عن قيصر علني أجد ما يجعلني ابتعد أو اقترب !، علني أفهمه لكي اضع قرارا منطقيا .. لقد وجدت الحل و اخيرااا !.. كيف لم انتبه بأنني سأجد أجوبة لجميع تساؤلاتي عند جد الزمن الجميل.
و الآن سأستحم سريعا ثم أذهب إليه قبل أن يأتي خالي .
أقفلت الباب بعد أن أخبرت خالتي المتذمرة و بالكاد استطعت اقناعها بأنني سأذهب للركض قليلا ثم أعود.
فشرعت اسابق الطرقات و الرياح و انا اتذكر كل شيئ.. لقاءنا .. برودة عينيه وجهه الخالي من التعابير .. غزله اللحظي .. تناقضات أفعاله و اقواله .
ركضت و انا أتذكره كلغز يصعب حله .. لغر غلفني و احاطني بغموضه وجاذبيته و انا الآن سأذهب و أحاول حله و آمل أن أتمكن من ذلك .. آمل أن يعطيني أجوبة عن أسئلتي.
وصلت و وقفت امام المتجر و انا اتأمله و اتساءل في اي زمن قد عاش هذا المتجر ؟ اي حكايات عاشها هو و صاحبه؟ أنا و هذا المتجر نتشابه و نختلف، نتشابه في معرفتنا لقيصر و نختلف في زمن اللقاء .. نتشابه في حنيننا و شوقنا و نختلف في وقت عيشنا .
فدخلت و أنا ألهث تعبا من ركضي المتواصل حتى قابلتني إبتسامة جد الزمن الجميل المعتادة التي تزين وجهه البشوش.
كيف يمكن لشخص أن يحمل زمنا كاملا داخله ؟.. كيف يمكن أن يحمل رائحة الحنين؟ ذكريات الطفولة و الزمن القديم .. حتى أنني بت أرى فيه خيال أمي الحنون و ظل ابي الدافئ.. بت ارى فيه فيروز و هي ترتشف من قهوة الانتظار و تغني بكل جوارح قلبها .
- مطر أرى انكِ بحاجة لصحبة الآن ! .
- جئت لشرائك قليلا فهل تمانع؟
- كيف امانع وجود رفيقة لطيفة مثلك تريد أن تحارب فضولها لكنها لا تستطيع.
- كيف عرفت أنني فضولية ؟!
-انظري لوجهكِ و ستعرفين حالا.
- و هل هذا واضح جدا ؟
فإبتسم ابتسامته و التي توحي بالكثير من الحكمة و قال :
- ماذا تريدين أن تعرفي يا مطر؟
- أريد حل لغز ارقني و جعلني اتناقص داخل نفسي و اترجح بين الخيال و الواقع.
- ما هو هذا اللغز الفريد من نوعه ؟
- هل تتذكر ذلك الطبيب الذي اشترى مظلة من عندك ؟
- قيصر!
- نعم هو قيصر .
- هو فريد من نوعه حقا و لا ألومكِ اذا ما غرقتِ فيه قبل أن تحاولي النجاة حتى و أرى انكِ تريدين أن تعرفي الكثير عنه أليس كذلك ؟!
- كيف علمت انني غرقت فيه .؟
- منذ اول مرة رأيتكِ تنظرين فيها إليه نظرة نجاة.. غرق و لهفة.. يأس .. شوق .. ارتباك .. حزن من المجهول ، تلك النظرة التي مزجت بين الحياة و الفناء و جمعت بين التناقضات التي لا تلتقي الا في الأحلام جعلتني أدرك أن تلك الفتاة قد كانت تنادي قيصر بعينيها ليذهب ناحيتها.
أخفضت رأسي خجلا و لم أعرف ماذا اقول لأنه هو الآخر قد رآني أيضا و قرأني بوضوح ، فقاطعتني ضحكته المرحة و هو يقول :
- أتدرين بأنكِ مميزة جدا يا مطر بهدوئك و خجلك و تناقضاتك .
فابتسمت بهدوء و قلت :
- لنقل بأن هذه هي شخصيتي .
- حسنا! ماذا تريدين أن تعرفي عن قيصر و سأخبركِ فأنتِ قد جئت للشخص الصحيح .
لا أعلم متى كانت أول مرة شعرت بها بحماس جعل قلبي يقفز كالآن.. شعرت بأني وجدت طرف الخيط المفقود و الذي سيجعلني أجد ضالتي و أحل لغزي . فأجبت بحماس :
- كل شيئ عن حياته .. ماضيه و علاقاته .. تناقضاته بدفئ افعاله و برودة عينيه و اقواله .. سر شعوري الخفي بأنه هناك قيصر آخر غير الذي أراه أمامي.
- ارى أنكِ يا مطر قد غرقتِ بعمق ٍ فيه .. لكن لا أعلم اذا كنت سأجيب عن أسئلتك هذه كلها و إن كانت معظمها أعرفها سأخبركِ عن كل ما اعرفه و انتِ لكِ القرار في الأخير .
- حسنا لكن عدني يا جدي انك لن تخبره ابدا و أن يظل حديثنا سرا بيننا الإثنين فقط.
فإبتسم تلك الابتسامة الهادئة و المليئة و الدفئ و قال :
- انتِ طرقتِ بابي حبا و فضولا فكيف لا أفتح لكِ و اصون سرك الخفي يا مطر.
فإبتسمت ممتنة ثم تابع بصوت من الماضي البعيد و كأنه قد عاد لذلك الزمن و الحياة ، و بدأ يحكي بهدوء يليق به :
- أنا كنت أدير هذا المحل منذ عشرين عام و لا يوجد شخص هنا عاش في هذا الحي مثلي فأنا لا ازال اتذكره و طفولته حتى بعد فتك العمر بي ، فقد كان بيت عائلته بالجوار من هنا و كان وحيد ابويه ، اتذكر انهما كانا يتركانه دائما في البيت وحده للعمل فأمه كانت تعمل في شركة كبيرة و أبوه كان طبيبا معروفا هنا ، كان قيصر منذ صغره طفل هادئ و غامض و قليل الكلام .. كان طفل وحيد لا يلعب مع اقرانه بل يكتفي بمشاهدتهم يلهون ، كنت أراه يكبر يوما بعد يوم ، و في كل مرة كنت أراه وحيدا دون ابتسام او شقاوة ،و المرة الوحيدة التي رأيته يبتسم فيها من قلبه هو ذلك اليوم الذي أتت فيه شفق .
- شفق!
- هذا كان اسمها و كنت اخالها أيضا استثنائية و مميزة كإسمها ، فقد كانت رقيقة كرقة الورود و ابتسامتها كانت تجعل من الليل نهار و من تلبد السماء اشراقا مضيئا كانت و كما اطلق عليها قيصر في ذلك الوقت اسم شعاع الليل . حين إنتقلت هي و عائلتها هنا أصبحت هناك اواصر صداقة بين العائلتين و أصبح هو بدوره صديقها الوحيد و هي أصبحت صديقته الوحيدة و وككل صداقة بين فتى و فتاة سيدخل هناك شيئ آثيري اسمه حب .
مازلت أتذكر للآن قيصر و هو في السادسة عشر من عمره يضحك و يجري معها و كأنه طفل ذو خمس سنوات .. كنت أرى قيصر يعيش طفولته المتأخرة معها.. طفولته التي اغتصبتها الوحدة و التي نسى أن يعيشها في وقتها.
و في ذلك السن و كما قلت بدأ الحب يدغدغ روحه و قلبه و أصبح حينها يعرف معنى نبض القلب و الشوق و لذة الاعتراف بالحب الأول .
هنا شعرت بأنه هناك يد في قلبي تعتصره لتستشعر نبضاته و تفتتها لأشلاء .. في الأخير كانت هناك فتاة في الحكاية .. فتاة لا تغادره و تغادر قلبه .. فشعرت برغبة في البكاء لا ادري هل بسبب طفولته الوحيدة ام بسبب من أحبها، لكنني حبست كل شيئ داخلي و قلت بصوت مرتعش:
- ماذا حدث بعد ؟
فنظر لي الجد نظرة طويلة مليئة بالحزن و أكمل بصوته الهادئ :
- فبقي يكتم شوقه و حبه و غيرته عليها من كل من يقترب منها و كان دائما يردد لي هذه العبارة اذا ما اخبرته عن لوعة الفراق و الرفض " لا يهم ان رفضتني ما دامت تستحق حبي و انتظاري" . حتى جاء اليوم الذي أعترف فيه بحبه لها و توقع أن تبادله نفس الشعور و المشاعر .. الا أنها رفضته بشدة و سخرت منه .
فشفق او شعاع الليل كما سماها لم تكتفي بالرفض فحسب و سخريتها منه ، بل راحت تسخر منه أمام جميع من في الحي، حاول التحدث معها و فهم سبب تغيرها لكنها في كل مرة تجيب بأنها لم تتغير و هذه هي طبيعتها و أنه ليس نوعها المفضل إذ أنه كان هزيلا ضعيفا . لكنه لم يكف يوما عن محاولة فهم أسبابها لأنه و كما كان يظن بأن هذه ليست الا اسباب خفية وراء سبب واحد حقيقي .. حتى جاء يوم اتذكر انه حصل هنا في متجري .
فتنهد تنهيدة ألم و أكمل:
- كان قيصر قد بلغ الثامنة عشر في ذلك الوقت و في شتاء احد الايام أتاني ليشتري نوع الحلوى الذي تحبه ليعترف لها مجددا مدركا بقلب طفل صغير أنه إذا جلب لها حلواها المفضلة ستقبل به بعد عامين من الرفض ،فرآها فجأة تأتي ناحية المتجر و معها فتى سمعته سيئة فإختبئ في احدى الأرفف اختباء عاشق مرتبك و هي قتلته قتل القاتل لضحيته.
- ماذا فعلت ؟
- سمعها تخبر هذا الفتى بأنها أصبحت صديقته لأن والداها ارغماها على ذلك نظرا لمكانة والديه المرموقة و ايضا شفقة منها على حاله لأنه كان وحيدا و هي لم تعد تطيقه ابدا ، و القطرة التي افاضت الكأس هي حين سخرت من حبه و نعتته بالغبي الساذج ،حينها سقط صندوق الحلوى من يديه محدثا دويا تزامن مع سقوط قلبه الذي انكسر و تفتت مع حلواها المفضلة ، و هذا ما أثار انتباههما.
حينها رأته و مازالت صدى كلماتها ترن في اذنه. مازلت اتذكر تلك النظرة التي كانت تغطيها هالة الصدمة ، نظرة كانت تلخص شعوره و تستطيع معها فهم معنى كلمة خذلان و خيبة من شخص كان يعني لك الكثير .
حينها قال لها قيصر تلك العبارة و التي ما زالت للآن تتردد في ذاكرتي " انتِ لست شعاع الليل كما كنت اظن بل مجرد فتاة اسمها شفق. " هنا أدركتُ انا أنه جردها من لباس التميز و الاستثناء في حياته .. و أدركت هي غلطتها بقلب زائف.. و أدرك هو أن الحب غير موجود و أن الحياة تأخذ كما تُعطي .
صحيح انها ندمت و بقيت ترجو سماحه و غفرانه لكن كيف للكأس أن يعود بعد أن يُكسر و كيف للنار ألا تترك رمادا؟ فعدت أرى قيصر ما قبل لقاءها بطريقة امر و اشد .. قيصر الوحيد و الذي لا يبتسم ابدا .. قيصر البارد الذي لا يريد من الحياة شيئا .
و بعد عام تقريبا تحصل على امتياز في الامتحان النهائي و سافر للمملكة المتحدة للدراسة و بعد عامين توفي والداه و حضر قيصر لمراسم الدفن و الجنازة و التقى بها هناك و حين رأته بعد ان تغير حاولت التحدث معه و اخبرته بأنها ندمت و أنها تحبه و تريده، لكن قيصر الذي كان يبتسم فور رؤيتها و يحبها أكثر من نفسه قد مات في ذلك اليوم . و تم رفضها كما رفضته هي أول مرة بكل برود و بدون احساس .
و بعدها بثلاث ايام عاد للمملكة المتحدة و بقي فيها للدراسة ، و لقد علمت بأنه افتتح عيادة نفسية منذ عام تقريبا ، إلا أنه انقطع عن كل شيئ و لم اسمع اخباره منذ ذلك الحين . و كان لقاءنا الوحيد منذ ذلك الوقت هو حين جئتِ انتِ هنا.
ثم تابع بإبتسامة دافئة و قال :
- و كأن مجيئكِ كان تميمة الحظ التي جمعتني به مرة اخرى .
- ماذا عنها هي ماذا حدث لها ؟
- لا أعلم كل ما اعرفه انه بعد وفاتهنا و عودة قيصر تزوجت من رجل أعمال معروف و ذهبت معه لأمريكا .
و بعدها شُل قلبي و لساني و لم أستطع ان اتفوه بأي كلمة فقد وقعت في صدمة كبيرة .. فأنا لم اتوقع ان تكون قصته بهذه القسوة .. ان يعاني هو و أعاني انا معه الان بجميع المشاعر التي تعصف بقلبي .. فلم أفق منها الا على يد جد الزمن الجميل تربت على كتفي و بصوته الهاذئ يقول :
- هناك حكاية خرافية قديمة تقول أن الحب كان يبحث في ليلة ماطرة عن مأوى ليتخلص من المعاناة التي تلاحقه لتجعله مثلها مليئا بالكدر و اليأس . تقول الخرافة أن كل الأحاسيس قد اوصدت ابوابها في وجهه ، الغضب.. القلق .. الحماس .. الأمل .. التعاسة .. إلا احساس واحد قد فتح له بابه هو السعادة ، لكن الشي الذي لم يعرفه الحب أن السعادة كانت لها أوجه ثلاث مخفية وحده المستخدم للمنطق من يراهم" الألم .. الحزن .. الخيبة". و هو لم يرهم لأنه كان يستعمل عاطفته و شعوره. لذا بدأ يندمج و يختلط بالسعادة حتى أصبح الحب يحتويها و يحتوي أوجهها المخفية . و قد علم متأخرا أن تلك الأوجه التي أوصدت ابوابها في وجهه هي ليست سوى مجموعة من المشاعر مرتبطة مع بعضها البعض بالسعادة .
فأصبح الحب على ما نراه الآن يحتوي جميع الأوجه.. السعادة و الالم و الغضب و القلق و الحماس و الأمل و التعاسة و الحزن و الخيبة .
و عاش مليئا بالتناقض طيلة حياته مدركا أن الأشياء الجميلة دائما ما تكون خلفها جوانب قبيحة .. مغلفا بندم اللحظة الأولى حين التقاها مستمتعا بوهم اللحظات الزائفة .
- لكن يا جدي فأنا للآن لا اعلم اذا كان ما اشعر به تجاهه حب؟ أم اعجاب عابر؟.
فإبتسم و قال بحنان:
- عيناك أخبرتني و قلبك اخبرني و جسدك الذي كان يركض اخبرني فلماذا تكابرين أنتِ تحبينه أنظري لوجهكِ المليئ بالأمل تارة و الخيبة تارة اخرى ذلك التناقض الذي تمرين به هو الحب.
- اذا هل تخبرني بأن لا حب بدون ألم و طبيعي أن أتألم و اعيش في التناقضات ؟
- انتِ مختلفة يا مطر لأنكِ لم تطرقي باب السعادة مثل بقية الأشخاص .. و لم تخافي من مواجهة الحب بأوجهه الخفية .. تعاملتي معه كشيء خفي لا تعلمين بوجوده .. شيئ بسيط و حالم ستصلين له يوما و ستمسكينه و ستعانقيه .. وحدكِ من علم بأن للحب العديد من الطرق للإفصاح عنه .. وحدك من عاش تناقضاته دون أن تعلمي و وحدك من صادفكِ الحب و تعثر في طريقكِ.
فتنهدت بألم ثم قلت بشرود :
- لست مختلفة ابدا صدقني فأنا سقطت في خيال اللحظات و عشت و توقعت منه حد الثمالة.. وحدي من حلمت به و تناسيت كم أن للحب منطق غير محدود.. وحلم لم و لن امسكه يوما .. وحدي من علمت أنه منذ اول مرة رأيته فيها رأيته بعيدا ضبابيا يغلفه المستحيل و الوهم .. لذا و كخياري الوحيد استمررت بصنع الأحلام و تمني الأيام به .. استمررت بتصديق أنه سيتحقق يوما و سأناله واقعا اكثر من حلم .. استمررت بقلب كان مندفعا لأول مرة باتجاه رجل .. إلا انني ما علمت الا اليوم أنه سيكون و سيبقى حلما مدهشا و خيالا آثيري لم و لن اناله و أنا أجزم أنني لن أنساه ابدا .
كانت هذه أول مرة ينظر لي فيها الجد هذه النظرة المليئة بالدهشة و الحيرة دون ان يقول شيئا. فتابعت بإبتسامة باهتة :
- انا مليئة بما لم اقله يوما ، و مليئة بما لم أفعله أبدا .. و مليئة به حد التعب و الألم ، لذا لا يغرنك مظهري الخجول و الهادئ أحيانا .
- بل انني بت أعلم الآن كم أنكِ مذهلة و مختلفة يا مطر.
فإبتسم و حاول اضفاء بعض المرح على صوته و قال :
- انا الآن أكثر فضولا من قبل لأعرف قصتك و حكايتك بالضبط .
ثم ذهب و اختفى في ارفف متجره و انا بقيت افكر فيه .. أخيرا لقد حللت لغزه المحير ، و أخيرا استطعت تفكيك أحجية غموضه . لكن الحماس الذي شعرت به و الفضول الذي كان يتملكني و يتغلغل في مسامي قد اختفى إختفاء أوراق الشجر في فصل الخريف .. و حل محله برود مخيف في روحي.. لا ألم و لا حياة و لا موت .. لا شيئ سوى فراغ سكن قلبي و خواء غلف روحي .
فشعرت بيد ممدودة بصندوق صغير فيه حلوى الدب التي كنت افضلها حين كنت صغيرة .. فأمسكتها و شكرته ثم قلت له بإبتسامة اخفي بها فراغي :
- انها المفضلة عندي هل اعتبرها صدفة ام حدس؟ .
- بل قدر مرتب ، إنها العلبة التي كان قيصر سيهديها لشفق حين اراد الاعتراف لها .. انها لكِ لكي تجعلي روحكِ الصغيرة حلوة كملامحكِ الهادئة و أن تسلكي درب اليقين بدل الشك ، و أن يكون قيصر لمطر و مطر لقيصر .
امسكت صندوق الحلوى و أنا اتناول بعض منها و وقع جملته الأخيرة تؤلمني و تجعلني أشعر بالراحة في نفس الوقت لأنه هناك شخص غيري يعلم بي و به . ثم طرأ لي سؤال فجأة:
-جدي أريد سؤالك شيئ ما .
- ما هو ؟
- هل انت صديق مقرب لقيصر؟
- لقد أخبرتكِ بأنني كنت أشاهده منذ كان طفل ذو خمس سنوات ،و أنني الشاهد الوحيد لقصة حب لم تتحقق، لكن يمكنكِ أن تسميني صديقه الوحيد الكبير فحين أحب شفق كنت له خير المستمع و الناصح و منذ ذلك الوقت حتى اليوم الذي تحطم فيه كان يخبرني عنها كلش شيئ .
- اذا نحن لدينا نفس الصديق المشترك هذه صدفة غريبة.
- بل كما أخبرتك قدر مرتب .
- شكرا لأنك أخبرتني بحل اللغز الذي كان يؤرقني ، لقد وجدت اجابتي المفقودة و لو كانت حزينة و الآن أستأذنك للرحيل لقد تأخرت كثيرا .
- لكنكِ ستعودين فصديقك مازال يحتاج لصحبة و يريد سماع قصتك أيضا.
- لا أنا سأعود بكل تأكيد لكن لم أكن أعلم أنك ستستعمل معي حيلة العين بالعين.
فضحك و تهللت اسارير وجهه :
- انتِ ماكرة جدا يا مطر لقد كشفتيني لكن لنسميها قصة بقصة احسن .
- حسنا حين أعود سأخبرك بقصتي و اسراري اتفقنا؟
-مطر!
-نعم؟
- حين.رأيتك اول مرة تنظرين له بذلك الشغف .. بتلك القوة و اليأس .. تلك اللحظة التي جمعتكما معا و فصلتكما عن الواقع تمنيت حينها لو التقى بكِ في ذلك الوقت لتحبي وحدته و تملئي ثقوب روحه .. لتحتوي قلبه ذو الخمس أعوام و تحبي جسد رجل متعب لا يستطيع مد يده ، و دعوت في نفس الوقت ان يحبكِ أنتِ و ينسى الماضي ، فالأعمى يستطيع رؤية كم انكِ مميزة و مختلفة عنها كثيرا. فكيف بقيصر و بقلبه .
تجمدت للحظة و أنا استشعر وقع كلماته المربكة ثم قلت بصوت منخفض مهزوز :
- و أنا أيضا تمنيت وقتها لو أنني تعثرت في طريقه مبكرا و أن يحبني مثل هذا الحب المربك الذي لا يُنسى ولو مر على فراقه الف عام ، انا أيضا تمنيت و دعوت لكن للقدر رأي آخر و مخالف لطريقي ، فرأيه كان أن يجعلني أشعر به دون أن ألمسه او الحقه ، و رأيي كان هو أن ألمس و استشعر احساس اللهفة و الغرق به .
فنظر لي نظرة طويلة ثم ابتسم و قال ممازحا :
- اذهبي الان لكي لا نبقى هنا اليوم بطوله نناقش قضية الحب و القدر .
ابتسمت له إبتسامة صادقة من بقايا قلب فارغ و قلت له :
- سأذهب يا جدي في أمان الله سأعود مرة أخرى.
- في امان الله يا مطر سأنتظرك .
***
- اذا كيف حالكِ يا توليب و لماذا انت صامتة ؟
صحيح فالأعمى يستطيع أن يرى أنني و منذ أن عدت من عند جدي و أنا صامتة صمت القبور و منغمسة مع أفكاري المتشابكة , فكل ما أريده الآن هو أن أذهب لغرفتي و اختلي بنفسي و أحل عقد أفكاري و سطوة خيالاتي .. اقوم بالإختلاء بروحي لتقديس الحزن و اعطاءه وقتي .
- ماذا بك ِ يا زهرتي ؟ فخالك كان يتحدث معكِ و انتِ لا تجيبين .
فتذاركت نفسي و قلت بهدوء :
- آسفة يا خالي فأنا متعبة قليلا و لم انم ليلة أمس ماذا قلت؟
- لا عليكِ عزيزتي سألتكِ عن أحوالك .
- انا بخير يا خالي و أنت كيف هي حالك ؟
- انا لست بخير يا توليب لأن خالتك ليست معي لتؤنس وحشتي لذلك الله شعر بي و منحني فرصة لأنه يعلم بقلب ذلك العاشق الولهان . ثم التفت و غمز لخالتي و هي بدورها انفجرت ضحكا قائلة :
- اي فرصة ؟
- فرصة مجيئكِ معي! .
منذ وفاة والديَّ لم أرى خالتي سعيدة كما أراها الآن .. سعيدة لأنها ستكون معه سعيدة سعادة طفل صغير بهدية مفاجأة .. لكنني رأيت تعابير وجهها تتغير حين نظرت ناحيتي لأنها في غمرة فرحها نسيتني و لا الومها فالمحب في غمرة فرحه لا يرى سوى محبوبه .
- لكن هل ستأتي توليب معنا ؟
فأطرق خالي برأسه و قال بقلق :
- هذه المشكلة انا في صدد حلها لا تقلقي.
فقالت خالتي بوجه حازم و صارم :
- لا أنا لن اذهب سأذهب في حالة اذا ما كانت توليب معي!.
- لكن عزيزتي أنا..
- هذا اخر ما عندي !.
ذهبت خالتي مليئة بالحزن لأنها الآن بين نارين .. بيني و بين خالي .. و كأن السعادة التي عاشتها منذ قليل لم تكن شيئا . فنظرت لخالي و الذي ارتسمت على ملامحه الألم و الخيبة و العديد من الأفكار التي كانت تطوف حوله و تجعله مغيب عن هذا المكان . لكنني قطعتها حين قلت له فجأة :
- انا سأقنعها يا خالي لا تقلق .
فإرتسمت على ملامحه الراحة و الفرح لكنها تغيرت للنقيض , ثم تنهد و قال :
- لكن هي معها حق كيف تستطيع ترككِ و أنا أيضا لو كنت مكانها لما ذهبت .
فنظرت إليه مطولا و قلت بهدوء :
- خالي انا لم أعد صغيرة بعد الآن فأنت و خالتي لا زلتم ترون بأنني ما زلت تلك الطفلة التي تلهو و تلعب و تضحك .. لكنني تغيرت منذ وفاة والدي و كبرت فوق عمري عمرا و بت أدرك كم أن الحياة معقده و أن شبح الموت يخطف ولا يمهل يذهب ولا يعود .. دون أن يترك لك فرصة الوداع.. كبرت و صرت أعلم أن الحياة لا تعطيك الوقت الكافي للقاء من تحب او البقاء معه لأنه في قانون الحب مكان المتحابين هي بجانب بعضهم .. في حضن بعضهم .. و في كنف بعضهم .. و ما دون ذلك هو عذاب يتلقاه كل منهما.
انا بخير لذا اطمئنوا كما أنني أذهب عند الطبيب و بفضله تخطيت وفاة والديًّ و علمت أنه قضاء و قدر و يكفي هذا القدر من الحزن عليهما آن الأوان أن اتقبل و أكمل حياتي .
حين انتهيت من كلامي سمعت شهقة خالتي و هي تبكي فذهبت اليها و احتضنتها و أنا أقول بحنو :
- لا تبكي يا خالتي فأنا سعيدة لكما و لا اريدكما أن تبقيا مقترقين , فمكانك في الأخير بجانبه و سأكون سعيدة فقط حين اراكما معا .
فشعرت بيد خالي على كتفي و هو يعانق خالتي و يقبلها على رأسها و يقول :
- صغيرتنا كبرت يا عزيزتي و تستطيع الاعتماد على نفسها الان لا داعي لكل هذا الخوف عليها ألم تسمعيها تتحدث كأنها عجوز هرم لديها العديد من التجارب .
فضحكتُ و ضحكت خالتي ثم قالت وسط دموعها :
- سأذهب لكن بشرط!.
- ما هو ؟
- في جلستكِ المقبلة سنذهب أنا و خالكِ معكِ لنعرف وضعكِ منه ثم بعدها اسافر معه.
فأجبتها بتوتر :
- لكن لماذا ؟
- لكي أطمئن عليكِ تماما دون أدنى قلق .
فقال خالي مؤيدا لها :
- نعم معها جق لكن متى جلستكِ ؟
- يوم الاثنين
- حسنا سنأتي معك لأنني اخذت عطلة اسبوع لأنهي إجراءات الإنتقال و لدي العديد من الأوراق التي يجب أن اخرجها .