الفصل الثاني: هدوء وسط العاصفة: رواية أنتِ الأمان الذي لم أبحث عنه لكنه وجدني
الفصل الثاني: هدوء وسط العاصفة
.........
أتذكر ذلك اليوم وكأنه حدث للتو، وكأنه حفر اسمه داخل روحي بصمت لا يُمحى. لم يكن مجرد يوم عادي في الصف الأول الثانوي، بل كان يوماً تحوّلت فيه كل المشاعر التي كنت أحملها داخلي إلى عاصفة عاتية، عاصفة لا أملك لها تفسيرا، ولا مهربًا منها. كان يومًا بدأت فيه الأمور بهدوء، بابتسامات عابرة وكلمات عادية، وانتهى بشجار قلب حياتي رأسًا على عقب، أشعر فيه أن كل شيء مظلم، وكل شيء ثقيل، وكل شيء ضدي.بدأ الشجار بيني وبين صديقتي، لكن لم يكن أي شجار عادي. لم يكن مجرد سوء فهم يمكن نسيانه بعد دقائق، بل كان شيئًا أعمق، أشد تأثيرًا، كأنه يفتك بالثقة التي بيننا، ويهدم شعور الأمان الذي اعتدت أن أجده في صداقتنا. كل كلمة قالتها كانت كالسهم يصيب قلبي، وكل جملة كانت تسرق مني شعور الاطمئنان، وتجعلني أشعر بالعزلة وسط صديقاتنا.
حاولت أن أشرح، حاولت الدفاع عن نفسي، لكن صوتي كان ضعيفًا، لم يكن يسمعه أحد، أو ربما لم يكن أحد يريد أن يسمعه. شعرت بالخيانة، شعرت بالقهر، شعرت أنني أحمّل أثقالًا لا أستطيع حملها، وأن من حولي لا يرون الحقيقة. شعرت أن وحدتي تتسع، أن الغضب يلتهمني من الداخل، أن قلبي يئن تحت ثقل الظلم.
انفجرت فجأة، خرج كل ما كنت أكتمه منذ البداية. قلت لها إنها تكذب، قلت لهم إنني لو فتحت فمي ستحدث فوضى أكبر، وأنني لن أكون سببًا لتفريق الآخرين. تركتهم وذهبت إلى فصلي، لا أستطيع التفكير، لا أستطيع السيطرة على نفسي. ضربت الديسك بعنف، وكل من اقترب مني كنت أصرخ في وجهه، حتى الهواء من حولي كان يبدو وكأنه يختنق معي. شعرت أن العالم كله غاضب عليّ، شعرت أن كل شيء خارج عن السيطرة.
وفي وسط هذا كله، حدث شيء لم أتوقعه. شعرت بلمسة هادئة على كتفي، لمسة خفيفة لكنها دافئة، كأنها تقول: "أنا هنا، كل شيء سيكون بخير." التفت لأرى من، فوجدتها… زميلة لم أكن أعرفها جيدًا، فتاة هادئة، لم تكن بيننا معرفة قوية، لكنها شعرت وكأنها تعرفني منذ زمن. كانت عيناها مليئتين بالطمأنينة، بنور غريب يسرق من العاصفة قليلاً من شدتها، شيء لم أشعر به منذ بداية اليوم، شعور غريب بالأمان، شعور بأن أحدًا يفهمني دون أن أتكلم.
سألتني بهدوء: "مالك؟"
سؤال بسيط، لكنه أثقل من أي خطاب طويل، لأنني شعرت أنه يصل إلى عمق قلبي المتعب. حاولت أن أتهرب، أن أقول "مفيش حاجة"، لكنها لم تضغط، جلست بجانبي بهدوء، لا شيء على وجهها يوحي بالحكم أو الفضول، فقط وجودها… هذا الوجود كان معجزة صغيرة، شعورًا غريبًا بالأمان وسط كل هذا الفوضى.
بدأت أهدأ شيئًا فشيئًا، شعرت أن هدوءها ينساب داخلي، يمسح الغبار عن قلبي، يخفف الضغط الذي كان يثقل صدري. شعرت لأول مرة منذ ساعات طويلة أن هناك من يسمعني بالفعل، دون أن يمل، دون أن يحكم، دون أن يجعلني أشعر بالضعف. بدأت أتكلم، أحكي لها كل شيء، التفاصيل، كل كلمة وكل موقف، حتى الأشياء التي لم أجرؤ على قولها لأي شخص آخر. وكلما تكلمت، كانت تسمعني، تسمع بصدق واهتمام، كأنها تقول: "أنا هنا… أراكِ… أسمعكِ."
وفي أثناء حديثي، قالت لي شيئًا لم أنساه أبدًا: "أصحابك دول ميستاهلوكيش… إنتِ إزاي مصاحباهم كده ومتحملة كل ده؟"
لم تكن تقولها بغضب أو لوم، بل بحزن صادق، كأنها حزنت عليّ أنا، شعرت أن قلبها يشعر بوجعي أكثر مما شعرت به أنا. كانت كلماتها خفيفة على السمع لكنها ثقيلة في إحساسي، دخلت قلبي وأشعلت فيه شعورًا دفينًا بالحق في الراحة، بالحق في الأمان، بالحق في ألا أتحمل كل شيء وحدي.
جمالها لم يكن في شكلها أو مظهرها، بل كان في روحها، في هدوئها، في صبرها، في طمأنينتها التي تتسلل إلى قلبك بلا جهد. كان شيء نادر، يجعل قلبك يهدأ بمجرد النظر إليها، يجعل كل شيء حولك يبدو أخف وأقل كآبة. وجودها كان أشبه بضوء صغير في نهاية نفق مظلم، لم ينقذني من كل شيء، لكنه أعاد لي القدرة على التنفس، على الشعور، على الأمل.
حينها أدركت شيئًا: هناك أشخاص يظهرون في حياتنا ليس لأننا بحثنا عنهم، بل لأننا كنا بحاجة إليهم دون أن نعرف. أشخاص وجودهم فقط يصلح ما بداخلك، يخفف عنك الألم، يعيد لك الأمان الذي فقدته. لم تحل مشكلتي، لم تغيّر كل شيء، لكنها غيّرتني أنا. أعادت لي شعورًا بقيمتي، شعورًا بأنني أستحق الأمان والطمأنينة، شعورًا أنني لست وحيدة.
كانت معجزة صغيرة، صامتة، هادئة، لكنها أعادت لي شيئًا كنت أظن أنه ضاع: الأمان، الطمأنينة، الشعور بأن قلبي مسموع ومفهوم. كل صراخي، كل غضبي، كل دموعي التي لم تُذرف، كلها تلاشت أمام هدوئها. وجودها أصبح مرجعي، جمال روحها درسًا، هدوؤها شعورًا بالمعجزة التي تظهر عندما تحتاجها أكثر من أي وقت آخر.
ومن بين كل ما حدث في ذلك اليوم، بقيت هذه اللحظة هي الأوضح، هي التي لن تُمحى أبدًا: شعورك أنك محاط بشخص يفهمك، يسمعك، يربت على قلبك، يمنحك الأمان في وسط العاصفة. أشخاص وجودهم فقط يصلح أشياء كثيرة بداخلنا… كأنهم رسائل من الحياة تقول: "لسه في خير… ولسه في ناس تستاهلك."
وهي… كانت واحدة من هؤلاء القلائل، معجزة صغيرة في يوم قاسٍ، هدوؤها وجمال روحها أعادا لي شيئًا كنت أظن أنه ضاع: الأمان، الطمأنينة، والإحساس العميق أنني لست وحدي في هذا العالم.