LOST I
I
ماذا ستفعلين إذا استيقظت ووجدتِ نفسك بطلة حياة لم تكن لكِ من قبل؟
"أرى أنكِ قد استيقظتِ،عزيزتي"
فاه بما أن رآها تتململ ببطء في نومها،تحاول إبقاء عينيها مفتوحتين ولكن الضوء الساقط على وجهها يضايقها.
"عزيزتي،دعيني أريح عينيك،لابد أن الضوء ساطع بشدة و مرهق لكِ"
بالطبع لن يتردد في جعل زوجته تشعر بارتياح ،فهي أهم شخص له في هذه الحياة الآن.
إتجه نحو الشرفة يغلق الستائر قليلاً تكفي لإنارة الغرفة دون ازعاج لها.
"أين أنا؟ماذا حدث؟"
سألت بنبرة متوترة من المكان الذي لاحظت للتو أنه ليس بمنزلها.
"أنتِ في منزلنا ،عزيزتي،لقد أرهقتِ نفسكِ كثيراً بالعمل في المنزل بالأمس،أنت بحاجة لراحة، لقد قمت بتعيين خادمة للمنزل من أجلكِ "
أجاب بهدوء كأنه كان يتوقع هذه الأسئلة ممرراً إصبعه الإبهام على خدها بغرض راحتها.
"منزلنا؟ ماذا تعني؟ من أنتَ؟"
توقف عن تمسيد خدها للحظة قبل أن يبتسم لها من جديد.
"حبيبتي ، لازلتِ تجيدين المزاح أعترف بهذا، أنا زوجكِ ألا تتذكرين ذلك؟"
اعتدلت في جلستها على الفراش لتواجهه بصدمة تعتلي وجهها.
"اسمع يا هذا ،أنا لستُ متزو.."
لم تستطع إكمال حديثها لدهشتها للمرة الثانية هناك شيء في يديها،لا،هناك خاتم ألماسي في يدها.
"أرى أنكِ بدأتِ تصدقينني الآن، حبيبتي نحن متزوجان منذ شهر ،ألا تذكرين هذا؟ هل أستدعي الطبيب؟"
تلاشت تعابير الدهشة من على وجهها لتناظره بغضب.
"أنت تكذب،كل هذا أكذوبة لقد كنت في الجامعة بالأمس ،أنا أذكر ذلك،اختطافي ووضع خاتم بيدي ليس بالأمر الصعب"
بغضب انتزعت الخاتم من إصبعها تلقيه في وجهه،أما هو فلم يبدي أي انزعاج من تصرفها .
"أنا أكذب،و الصور تكذب أيضاً؟"
التقط صورة لهما موضوعة على المنضدة موضوعة في إطار مزخرف يريها إياها.
"هناك الكثير من الصور لنا بكل أنحاء المنزل ،هذه أيضاً كذبة؟"
طالعت الصورة بصدمة كبيرة ،الصورة تبدو واقعية بدرجة كبيرة،هي في الصورة سعيدة للغاية و هو ممسك بيدها بينما يقوم بوضع الخاتم بيدها.
"إذا كنا قد تزوجنا حقاً منذ شهر.. فكيف لا أذكر؟ أين حفل زفافي؟ أين ضجيج الناس؟ وأمي.. أين عائلتي من كل هذا؟"
تقدم نحوها بخطوات وئيدة، لم يصدر لها صوت فوق السجاد الفارسي السميك. انحنى حتى أصبح بمستوى نظرها، والتقط يدها بين كفيه الضخمين برقة مبالغ فيها، كأنه يخشى أن تتحطم بين أصابعه.
"ذاكرتكِ تخونكِ يا ليلى، وهذا أقسى ما في الأمر،"
قالها بنبرة تقطر أسىً صادقاً.
"لقد كان زفافاً رائعاً، في كنيسة صغيرة على أطراف المدينة. كانت أمكِ تبكي من الفرح وهي تضع هذا العقد حول عنقكِ.. ألا تذكرين ملمس اللؤلؤ؟"
لمست عنقها بذهول، لم تجد عقداً، لكن كلماته كانت تملك قوة غريبة تجعلها تتخيل وزنه فوق جلدها.
"وعائلتي؟"
سألت بصوت مخنوق.
ابتسم ابتسامة باهتة، لكن عيناه الزرقاوين ظلتا جامدتين.
"إنهم بخير، يا حبيبتي. لقد اطمأنوا عليكِ معي، وهم الآن في رحلة طويلة.. رحلة استجمام كانوا يحلمون بها منذ سنوات. لقد ودعوكِ وأنتِ نائمة قبل أن ننتقل إلى هنا، ولم يرغبوا في إيقاظكِ."
كان صوته هادئاً كالبحر قبل العاصفة، مقنعاً لدرجة مرعبة.
شعرت ليلى بصداع طفيف يزحف نحو جبينها، فكرة أنهم بخير هدأت روعها، لكن شيئاً ما في قلبها كان لا يزال ينبض بالخوف.
"تعالي،"
نهض وسحبها معه بلطف.
"العشاء سيبرد، والحديث في ذكريات مفقودة لن يزيدكِ إلا تعباً."
⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘⫘
كانت جدران المطبخ الخشبية تئن بصوت خافت تحت وطأة الرياح التي تضرب الكوخ الذي بالخارج، لكن في الداخل، كان كل شيء يبدو ساكناً لدرجة مرعبة.
جلست ليليث أمام طبق الحساء الذي يتصاعد منه بخار كثيف، يفوح برائحة الزعتر البري وشيء آخر... شيء ترابي دافئ يداعب حواسها ويخدر حذرها.
أخذت رشفة أولى، فانداح الدفء في جوفها كالسحر. لم تكن مجرد حرارة طعام، بل كان إحساساً غريباً بالخفة، كأن همومها التي لا تذكر ماهيتها بدأت تتبخر مع البخار المتصاعد.
"لماذا تنظر إليّ هكذا؟"
سألته بنبرة هادئة، خالية من أي خوف. كان يجلس قبالتها، يسند ذقنه على يده، وعيناه الزرقاوان تخترقان ملامحها بنظرة تجمع بين الحماية والامتلاك.
"أراقب المعجزة،"
أجاب بصوت رخيم.
"أراقب كيف يعود النور لوجهكِ تدريجياً. ليلى، أنتِ لا تدركين كم كان الصمت موحشاً هنا دونكِ."
ابتسمت ليليث لا إرادياً، فكرة أن يكون هناك من ينتظرها بهذه اللهفة بدت لها مريحة جداً.
"أخبرني عن عائلتي.. قلت إنهم بخير؟ لماذا لم يأتوا لزيارتي بعد الحادث؟"
تغيرت نظرة عينيه للحظة، لمعة خاطفة من شيء لم تستطع تفسيره، لكنه سرعان ما استبدلها بابتسامة مطمئنة وهو يمد يده ليمسح بابهامه طرف شفتها من أثر الحساء.
"إنهم بخير تماماً، صدقيني،"
قال بنبرة واثقة مبالغ فيها.
"في الواقع، هم في رحلة طويلة.. رحلة هادئة في مكان بعيد جداً، مكان لا يصله ضجيج أو ألم. لقد وافقوا على زواجنا لأنهم عرفوا أنكِ ستكونين في أمان معي. كانوا يدركون أن هذا البيت هو المكان الوحيد الذي لن يستطيع أحد فيه أن يؤذيكِ.. أبداً."
"رحلة؟"
تمتمت وهي تشعر برأسها يميل لجهة اليمين قليلاً.
"لكن.. ألم يحزنوا لأن الزفاف كان هادئاً؟ بدوني وبدونهم؟"
"على العكس،"
همس وهو يقترب بوجهه منها.
"كان زفافاً مثالياً. لم نكن بحاجة لمدعوين ليشهدوا على حبنا. كان القمر والليل هما الشاهدين الوحيدين. لقد تخلصنا من كل الضجيج، ليلى. من كل العقبات التي كانت تمنعنا من أن نكون معاً."
بدأت جفون ليلى تثقل بشكل ملحوظ. الصور في رأسها بدأت تتداخل؛ فستان أبيض، غابة مظلمة، صوت ضحك بعيد، وصورة لوجه أمها وهي تبتسم..
لكن الابتسامة بدأت تتلاشى لتتحول إلى سراب.
الأفكار تتداخل ،أيهما حقيقي و أيهما لا؟ هل حياتها مجرد وهم أم أنا حقيقة و هي لا تستطيع رؤية ذلك .
"أشعر بخمول شديد.."
"هذا هو مفعول الراحة،"
قال وهو ينهض من مكانه، ليرفعها بين ذراعيه برقة مذهلة. شعرت برأسها يستند إلى صدره، وبدقات قلبه المنتظمة التي بدت لها كطبلة جنائزية هادئة.
حملها إلى الغرفة، وضعها على السرير الوثير، ودثرها بالغطاء كأنها قطعة من الخزف القابل للكسر.
قبل جبينها طويلاً، ثم اتجه نحو النافذة ليغلق الستائر الثقيلة، محولاً الغرفة إلى سجن من المخمل.
وقبل أن يخرج، توقف عند خزانة صغيرة في ركن الغرفة. فتح الدرج العلوي ببطء، وأخرج منه غرضاً صغيراً.
كان خاتماً قديماً، مرصعاً بفص أزرق، لكنه لم يكن ملكه..
كان خاتم والدة ليليث الذي لم تكن تخلعه من يدها أبداً.
نظر إلى الخاتم، ثم إلى ليلى النائمة بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة لدرجة التجمد.
تمتم وهو يغلق الدرج بالمفتاح
"الآن، رحلتهم انتهت تماماً.. ورحلتنا نحن، بدأت للتو."
خرج وأغلق الباب خلفه، وفي تلك اللحظة، هبت ريح قوية كشفت للحظة قصيرة عن شيء مدفون تحت تراب الحديقة الخلفية..
قماش ملون يشبه تماماً ذلك القميص الذي كان والد ليليث يرتديه في آخر مرة رأته فيها.
يتبع......