اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

مسافات | رواية رهان القلوب

جاري التحميل...

مسافات

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

لم تكن دبلة الألماس الأسود مجرد قطعة حليّ، بل كانت قيدًا يلمعُ فوق إصبعها. ظلت ليلى تحدق في انعكاس الضوء على ذاك الفص اللامع، تشعر بثقله لا فوق يدها فحسب، بل فوق صدرها. جهاز تتبع؟ هل بلغت به الريبةُ هذا الحد؟ أم هذا هو عالمُ الأثرياء الذي لا يتحرك فيه المرء خطوةً دون خارطةٍ وتأمين؟

حملت حقيبتها الصغيرة، وغادرت منزل والديها الذي بات يئنُّ من الفراغ. كان في انتظارها أمام الباب سيارة سوداء أخرى، وسائقٌ لا يبتسم، فتح لها الباب بصمتٍ وكأنها قطعة من الأثاث الثمين تُنقل إلى مكانها الجديد.


وصلت إلى قصر "الجندي". لم يكن منزلاً بالمعنى الدافئ، بل كان تحفةً معماريةً من الحجر والزجاج، يتربعُ فوق ربوةٍ تطل على البحر، محاطًا بأسوارٍ عالية وحراسٍ يرتدون حلةً موحدة. كل شيء هنا كان يوحي بالهيبة.. وبالعزلة.


داخل المكتب، كان عمر يجلس خلف طاولةٍ ضخمة من خشب الجوز. لم يرفع عينه عن الأوراق أمامه حين دخلت. كان يرتدي قميصًا أبيض ناصعًا، وقد شمر عن ساعديه، ويرتدي قفازه الأسود المعتاد.


"اجلسي يا ليلى." قالها دون مقدمات.


جلست ليلى، وحافظت على ظهرها مستقيمًا. وضع عمر أمامها ملفًا جلديًا. "هذا هو العقد. صاغه المحامي زيد بعناية. ستجدين فيه كل ما اتفقنا عليه، وزيادة."


بدأت ليلى تقرأ البنود بصمت:


البند الأول: تلتزمُ الطرف الثاني بتمثيل دور الزوجة أمام المجتمع، الصحافة، والوفود التجارية.


البند الثاني: توفر الطرف الأول الحماية القانونية والمالية الكاملة للطرف الثاني، وتسوية كافة ديون شركة والدها.


البند الثالث: يُمنع التلامس الجسدي بين الطرفين في الخلوة منعًا باتًا، وتُحترم المسافة الشخصية لكل منهما.


البند الرابع: مدة العقد سنة واحدة، قابلة للتجديد أو الإنهاء بقرار من الطرف الأول.


توقفت ليلى عند أحد البنود، رفعت عينيها لتقابل نظراته الجليدية. "لماذا أضفتَ شرط الفحص الطبي الشامل في ملحق العقد؟"


وضع عمر قلمه جانبًا، وشبك أصابعه فوق المكتب. "لأني لا أقبلُ بمفاجآت. ليلى، أنتِ الآن جزء من علامتي التجارية. صحتكِ، تحركاتكِ، وحتى من تقابلين.. كل هذا يخصني. لستِ موظفة، بل أنتِ واجهة.. والواجهة يجب أن تكون مثالية."


"وماذا عن جهاز التتبع في الخاتم؟ هل أنا سجينة؟"


اقترب عمر بجسده قليلاً، وساد صمتٌ ثقيل. "العالم الذي أدخلتكِ فيه لا يرحم. عمُّكِ لن يصمت، وباهر الذي أحرجتُه بالأمس يملكُ نفوذًا قذرة. جهاز التتبع ليس لمراقبتك، بل لضمان ألا أجد جثتكِ في مكانٍ ما إن قرر أحدهم تصفية حساباته معي من خلالك. هل هذا واضح؟"


ابتلعت ليلى غصتها، ووقعت الورقة بِيَدٍ مرتعشة. "واضح."


في المساء، كانت الخادمة تقود ليلى إلى جناحها الخاص. كان الجناح يفصله عن جناح عمر ممرٌ طويلٌ ومعتم. دخلت غرفتها، وجدت حقائبها قد وُضعت هناك، وفوق السرير وُضعت علبة مخملية أخرى.


فتحتها لتجد قلادةً مذهلة، ومعها بطاقة صغيرة:
"استعدي. ماركو وزوجته سيصلان بعد ساعة لتناول العشاء. تذكري.. نحن زوجان متيمان. أيُّ نظرةٍ باردة منكِ ستكلفنا الكثير."


وقفت ليلى أمام المرآة، وضعت القلادة، وحاولت أن ترسم ابتسامةً في وجهها، لكنها فشلت. كانت تشعر بأنها تمثل أصعب أدوار حياتها.


حين نزلت إلى ردهة القصر، كان عمر بانتظارها عند أسفل الدرج. كان يرتدي حلةً رسمية كاملة، وبدا في غاية الأناقة والهيبة. حين رآها، سكنت ملامحه للحظة. كان فستانها الأسود البسيط يبرز شحوب بشرتها وجمال عينيها الواسعتين اللتين تحملان حزنًا دفينًا.


"تبدين.. مقنعة." قالها بصوتٍ خفيض.


اقترب منها، ومدَّ ذراعه. "تأبطي ذراعي. ماركو يحب التفاصيل الحميمية الصغيرة."


ترددت ليلى لثانية، ثم وضعت يدها فوق ذراعه المغطاة بقميصه الفاخر. شعرت بصلابة عضلاته تحت قماش البدلة. لسببٍ لا تفهمه، شعرت برجفةٍ خفيفة تسري في يدها، وكأن هناك تيارًا كهربائيًا مجهولاً ينبعث منه.


لم يكن عمر أفضل حالاً. رغم القفاز والقميص والسترة، إلا أن ثقل يدها فوق ذراعه كان يشعره بضغطٍ غريب في صدره. كان عقله يأمره بالابتعاد، لكن غريزةً أخرى كانت تطالبه بالثبات.


دخل ماركو وزوجته الإيطالية القاعة. كان اللقاء حافلاً بالضحكات والحديث عن الاستثمارات. كان عمر يؤدي دوره ببراعة مذهلة؛ يهمس في أذن ليلى بكلماتٍ تبدو للعالم غزلاً وهي في الحقيقة توجيهاتٌ صارمة، يلمسُ طرف كتفها برقةٍ كاذبة ليؤكد لماركو أنه رجلٌ مستقرٌ عاطفيًا.


"عمر.. لم أركَ يومًا بهذه السعادة." قال ماركو بلكنته الإيطالية المحببة. "ليلى، لقد استطعتِ ترويض وحش الجندي."


ضحكت ليلى باصطناع، ونظرت إلى عمر. "عمر ليس وحشًا يا سيد ماركو.. هو فقط يحب أن يحتفظ بكنوزه خلف أسوارٍ عالية."


لمعت عينا عمر. كانت جملتها ذكية، ومناسبة جدًا للسياق. في تلك اللحظة، رفعت زوجة ماركو كأسها وقالت: "إذن، لنشرب نخب هذا الحب الذي يظهر في عيونكما."


اضطر عمر للتقرب أكثر. أحاط خصرها بيده، وشعرت ليلى بأنفاسه تداعب خصلات شعرها. في تلك اللحظة، انطفأت الأضواء فجأة في القصر، وساد ظلامٌ دامس.


في العتمة، لم يتحرك عمر. بل زاد من ضغطة يده على خصرها. شعرت ليلى به يقترب من أذنها، لم تكن هذه المرة لتمثيل دور أمام ماركو، بل بدت وكأنها حركة لا إرادية.


"لا تتحركي.." همس عمر، وصوته هذه المرة كان يحمل بحةً غريبة، خالية من البرود المعتاد.


لم تكن ليلى قادرة على الحركة أصلاً. كانت تشعر بنبضات قلبه التي بدأت تتسارع ضد ظهرها. في هذا الظلام، سقطت الأقنعة للحظات. شعرت بيده -رغم القفاز- تبحث عن كفها، وحين تلاقت أصابعهما، شعرت بحرارةٍ لافحة لم تكن تتوقعها من رجلٍ يلقبونه بـ "الجليد".


عادت الأضواء بعد ثوانٍ معدودة. ابتعد عمر بسرعة، وعاد وجهه قناعًا صخريًا كما كان.


"عذراً.. يبدو أن هناك عطلاً في المولد الاحتياطي." قال عمر ببرود لماركو، وكأن شيئًا لم يكن.


بعد رحيل الضيوف، وقفت ليلى في منتصف الصالة الكبيرة، بينما كان عمر يصعد الدرج دون أن ينظر خلفه.


"عمر!" نادته.


توقف مكانه دون أن يلتفت.


"ماذا حدث في الظلام؟ لماذا لم تترك يدي؟"


صمت عمر طويلاً، ثم التفت إليها، وكانت عيناه تحملان نظرةً مخيفة، نظرة رجلٍ يرى شيئًا يشتهيه ويخشاه في آنٍ واحد.


"لا تفسري الأمور بأكثر مما تحتمل يا ليلى. كان مجرد تأمينٍ كي لا تتعثري في الظلام وتفسدي الليلة."


قال كلماته وصعد لغرفته، وأغلق الباب خلفه بقوة. دخل غرفته، واتجه مباشرةً نحو الحمام. نزع قفازه الأسود بعنف، وفتح صنبور الماء البارد، ووضع يده تحته وكأنه يحاول إطفاء حريقٍ اندلع في أعماقه.


نظر إلى يده في المرآة، كانت ترتجف. "هذا مستحيل.." همس لنفسه. "لا يمكن أن يكون تأثيرها بهذه القوة.. لا يمكن."




في تلك الأثناء، كانت ليلى في غرفتها تفتح حقيبة يدها لتخرج هاتفها، لكنها وجدت شيئًا آخر.. مظروفًا صغيرًا لم يكن موجودًا من قبل. فتحته لتجد صورًا لها وهي تخرج من منزلها صباحًا، وصورة أخرى لها مع عمر في الحفلة، وفي خلفية الصور كتبت عبارة بدم أحمر قانٍ:
"الجميلة والوحش.. الكذبة بدأت، لكن هل تعرفين كم عدد الجثث المدفونة تحت حديقة هذا القصر؟ اسألي عمر عن سارة.. قبل أن تصبحي أنتِ الجثة الثانية."
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.