لقاءٌ ساحر - روايه زينمر
لقاءٌ ساحر
.........
كان الليل قد حل، والقمر بازغ
في منتصف السماء. ضوؤه ينير المكان، والسكون
الرقيق يسيطر على الأجواء.
حين وصلت إلى المكان، توقفت عن السير. أخطو بخطوات خفيفة حتى لا أفزع
أي مخلوق بجوار الساحرة. لطالما اعتادت هذه المخلوقات على الاختباء
مني دائمًا، كأنني نوع قبيح من الأشرار... أو أسوأ، ولكن هذه المرّة حرصت أن لا أثير رعب أي
شيء.
خطوة...
خطوة أخرى....
و أخرى...
حتى سمعت همهمة لطيفة...
حينها أشرقت الشمس في قلبي، ودبّت الحياة
من جديد في روحي.
ما زال صوتها الناعم الرقيق يطرب
الآذان. كنت أستمع لهمهمتها، وتسقط
قطرات الدموع من عيني. اقتربت منها
أكثر، ولكن بقيت في الظل... حتى وصلت أخيرًا إلى مكان يكشف وجودها.
باعدتُ أوراق الشجر بكل هدوء، حتى
أراقبها في صمت تام.
كانت...
جميلة للغاية...
بل أكثر من ذلك...
عجز عقلي عن الإتيان بوصف أبلغ، ولكنها
كانت جميلة.
جميلة لدرجة أن سيوف الأعداء تسقط أرضًا لدى
رؤيتها.
جميلة لدرجة أن الأزهار المكتئبة تشفى
مما أصابها.
كانت...
كانت تتمايل مع نسيم الهواء...
تتحرك يديها تراقصها مع الجنيات
اللواتي كنّ موجودات حولها.
حينها وددت أن أحارب كل قوى الشر
لأجلها....
لا جيش الطاغية، ولا جيش
الممالك الخمسة كان ليطفئ النيران المتأججة في قلبي
بسبب ذات العيون القرمزية.
وددت أن أظل بجانبها في كل لحظة من حياتها، أحافظ على ابتسامتها
وأراقب تمايل يديها في الهواء.
كانت ساحرة... بل أعظم من ذلك بكثير.
كانت هي القمر والشمس والنجوم.
كأن لا جمال في الكون إلا ما امتلكته هذه الساحرة.
تمايل جسدها، رقصات يديها، نغمات صوتها
الرقيق....
ملابسها الأنيقة...
كانت ترتدي فستانًا أسود ينافس الليل سوادًا،
وغطاءً على رأسها يخفي وجهها ويحمي خصلات شعرها من أعين اللصوص
أمثالي.
أح...
أح...
أح...
فجأة،
هبّت رياح قوية كشفت مكاني
أمام الساحرة والجميع... كأنّ هذه الرياح قصدت كشف غطائي المثالي.
توقّفت الجنيات عن الرقص، وتجمّدت زينابا
في مكانها بينما كانت تراقبني في صمت.
وأنا...
كنتُ تائهًا بين مشاعري حينها...
أردت من أحدهم أن يجدني وأن يعانقني... أردتها أن
تعانقني أنا.
كنت بالكاد أسيطر على قلبي الذي بدأ
وكأنه على شفير الانفجار...
كل هذا بسبب هذه الساحرة...
كيف لها أن تمتلك كل هذا الجمال!!
كنت أحدّث نفسي طيلة الوقت، حتى هبّت رياح أخرى
جعلت الغطاء الأسود يكشف القليل من وجهها...
شفتاها
الكرزيّة ووجنتها الوردية...
وعيناها، التي ازدادت جمالًا على مرّ السنوات، كانت
كأنها تنير كل ما حولها.
حينها ابتسمت
بكل عفويّة، وجعل قلبي يرفع الراية البيضاء، بينما أطراف جسدي خانت عقلي.
تجمدتُ مكاني، ولم أجرؤ على إغلاق عيني لحظةً واحدة.
كان كل شيء في
جسدي يتداعى.
روحي...
منطقي...
قوّتي...
رغباتي...
أحلامي...
مخاوفي...
وقلبي...
ابتسمت بكل
عفويّة، بينما عينها القرمزيّة بدت أكثر بُهرةً وسحرًا، وكأنّها تحمل عالماً من
الخيال.
كان الدب
محقًا… هذه الأجمل على الإطلاق، الأنقى والألطف.
مهما اختلف الزمان، وتقلّب التاريخ، وتصارعت أحداثه، لن
يستطيع أحد أن ينافس زينابا جمالًا ونعومة.
هدأت الرياح،
وعاد الغطاء ليستر ما كشف من وجهها، بينما لم أستطع استرجاع ما سقط منّي...
رغم تدريبي الطويل وطوال السنوات الماضية، إلا أنّ قلبي
سقط قبل حلول أوّل معركة.
زينابا… ذات
العيون القرمزيّة.
شكرًا لكِ على ظهورك في حياتي.
أرين...""
أحسنت عملاً خلال السنوات الماضية...
كنت أراقبك في كل لحظة، حتى اللحظة التي عدت فيها.
هيّا… لا تبقَ
متجمّدًا في مكانك، اجلس على الطاولة، حتى أسرد عليك ما حدث خلال السنوات التي غبت
عنها.
استعاد جسدي
جزءًا من قوّته، وساعدني على الجلوس معها على طاولةٍ مرصّعة بنجوم السماء، وكأنّ الليل
نفسه شاركنا هذه اللحظة.
أصبحت قوياً
للغاية في الثالث والعشرين من عمرك، تمتلك مقدراً عظيماً من السحر.
كانت النبوءة محقّة بشأنك.
وأنتِ… أصبحت
أكثر جمالاً ولطافة.""
قلتها بصوتٍ
عالٍ، دون أن أنتبه.
ابتسمت زينابا...
استطعتُ أن أرى شفاهها المبتسمة، بينما كان الغطاء على
وجهها رقيقًا بعض الشيء، يصل حتى شفاهها.
كنت أراقبها
بكل وقاحة، حتى سمعتها تقول:
بالطبع يا أرين… فأنا في الثامنة عشرة من عمري.""
ماذاااااااا!! " "
ولكنك… ""
كيف ذلك؟ ""
قالت بصوتها
الرقيق:
أعمارنا تختلف يا أرين. " "
" أحيانًا نصبح أكثر نضجًا في المواقف
الحازمة، وأحيانًا أخرى نعود إلى عمرنا الحقيقي.
وأنا… في الثامنة عشرة من عمري. "
حينها أدركتُ
كم أنّ السحر شيءٌ يفوق الفهم… ليس قوّةً فحسب، بل زمنًا يتشكّل كما يشاء.
" والآن، ألا
تريد أن تعرف ما حلَّ بالعالم الخارجي خلال السنوات الماضية؟ "
أجبتها بحماسٍ
لم أستطع إخفاءه:
بالطبع أريد يا ساحرة. " "
لمحتُ ظلًّا
قصيرًا يسير بين الشجيرات. كان أحد أقزام الغابة، يضع على رأسه آنيةً ذهبيةً
مرصّعة، يمسك أطرافها بكلتا يديه، وتحمل كوبًا واحدًا بدا فارغًا.
اقترب القزم
بكل تواضع من الساحرة، وكأنّ حضورها يبثّ الطمأنينة والانحناء في آنٍ واحد. كانت مهيبة… ساحرة بحق. حتى الأشياء الجامدة بدت
كأنّها تنحني في صمتٍ أمامها.
اقترب بما يكفي
لتصل يدها إلى الكوب. نظرتُ إليها بعينين
تتشوّقان لما سيحدث.
رفعت الكوب
الفارغ إلى شفتيها الكرزيّتين حتى لامساها...
وفي لحظةٍ خاطفة، امتلأ بشرابٍ عجيب، كأنّه خُلق من
الضوء نفسه.
رؤيتها وهي
تفعل ذلك كانت أشبه بأمنية قرصانٍ جاب البحار السبعة طوال عمره، حتى بلغ مبتغاه
ونال ما تمناه.
شعرتُ أنّني
ذلك القرصان... وأنّ أمنيتي كانت ذات العيون القرمزيّة.
أبعدت الكوب عن
شفتيها، ووضعته فوق الآنية الذهبية، بينما اتجه القزم نحوي حتى توقف أمامي.
كنت أنظر إليه
وهو يقترب، لكنني أشحتُ بنظري سريعًا نحو الكوب.
كان الكون
بأكمله يسبح داخله، ألوان الوجود كلّها محفوظة فيه، نجوم تتلألأ، ومجرّات تدور
ببطءٍ مهيب.
انعكست النجوم
في عينيّ، وشعرتُ وكأنّ هذا الكون.
وُجد لأجلي أنا فقط.
ألا تشعر
بالعطش، يا أرين؟ " "
سألتني بكلّ
لطافة، بينما كانت دهشتي تُغرق وجودي بأكمله.
م… م… ماذا تقصدين؟ ""
تلعثمت الكلمات
في فمي، تتصارع فيما بينها قبل أن تخرج. كلماتٌ
لم أظنّ يومًا أنّني سأضعف أمامها. ولكن… من
ذا الذي لا يضعف أمام هذه الساحرة؟
أجابت بصوتٍ
أرقّ من النسيم:
" أحداث
السنوات الماضية مخبّأة في هذا الكوب. اشربه يا أرين… إن أردت أن تعرف ما فاتك. "
أأشرب من الكوب نفسه الذي
لامستْه شفاه الفاتنة؟ ""
سألتُ نفسي بلا وعي، حتى إنّ عقلي أطلق عليها لقب الفاتنة
دون إذنٍ منّي.
أيحقّ لي
أن ألمس شيئًا لمسته الساحرة؟. ""
تزايدت أسئلتي،
واشتدّت دهشتي، وغرقتُ في دوّامة أفكاري...
حتى قطعت هي خيطها بصوتها الهادئ:
ما بك يا أرين؟ ""
ألا تريد أن تعرف ما فاتك؟ " "
حينها شعرتُ
أنّ الفرصة ستفلت من بين يدي إن لم أقبض عليها الآن.
التقطتُ الكوب
بحذرٍ شديد، حريصًا ألّا أدع قطرةً واحدة تهرب منه.
كأنّي لصٌّ ماهر يسرق بيضةً ذهبية، يحملها برفقٍ بالغٍ
خشية أن تتصدّع.
كان قرع الطبول
في قلبي يشتدّ كلّما رفعتُ الكوب نحو فمي.
اقرب...
اقرب أكثر...
حتى كاد يلامس شفتيّ، لكنّني توقّفت.
في تلك اللحظة،
تمنّيتُ من أعماق قلبي ألّا تختفي ذكرياتي مع الساحرة...
حتى لو كُتب لي أن أعيش حياةً أخرى.
ما إن لامس
الكوب شفتيّ، وبدأ الشراب يتسلّل إلى فمي، حتى لمعت عيناي بقوّة، وانبثق منهما
وميضٌ ساطع كأنّ نورًا قد اشتعل في داخلي. بدت أحداث ثلاث عشرة سنة تمرّ أمامي كشريطٍ حيّ،
لا يُعرض على عينين… بل على روح. ولم
تقتصر الرؤى على تلك السنوات فحسب، بل امتدّت أبعد من ذلك بكثير، إلى زمنٍ لم
أعشه… لكنّه عاش في داخلي.
رأيتُ الشرّ
ينهض من جديد. سمعتُ صراخه المرعب، ورأيتُ
جيشًا عظيمًا يجوب باطن الأرض، يبحث عن منفذٍ نحو السطح، كأنّ الظلام نفسه يحفر
طريقه للعودة.
لكن هذا الشرّ…
لم يكن حاكم الهجناء ولا جيشه.
ألم يلقَ حتفه
هو وجيشه؟
ألم تبتلعهم الأرض إلى الأبد؟
تسارعت الأحداث
أكثر، كشريطٍ فقد السيطرة، حتى بلغت لحظة سقوطه...
لكن شيئًا ما في تلك اللحظة لم يكن كما رُوي في القصص. كان هناك تفصيلٌ صغير… غامض...
لم يمت.
بعد أن مُسِح
جيشُ الطاغية، هو ومن معه، إلى باطن الأرض، عمَّ السلام العالم… كما يُشاع. لكنّ السلام لم يكن سوى ستارٍ رقيقٍ يخفي ظلًّا
آخر.
لاحق الظلمُ
والتعذيب السحرةَ الأبرياء. ظنّ البشر أنّ
السحر شرٌّ خالص، وأنّ السحرة يجب أن يُبادوا. طاردوهم
لسنوات، فقُتل منهم كثير، وعُذِّب منهم كثير. تنوّعت طُرق القتل؛ إمّا حرقًا أمام أعين الناس،
ليكونوا عبرة، أو تعليقهم على رماحٍ تخترق أجسادهم بلا رحمة.
كان بعض
الأشرار من البشر يتفنّنون في تعذيب السحرة. يختطفون عائلاتٍ بأكملها لمجرّد أنّ
أحد أفرادها ساحر، يبيعونهم في أسواق العبيد،
أو ينتزعون قلوبهم لقاء ثمنٍ زهيد… كأنّها سلعٌ لا حياة
فيها.
لم يحتمل ما
تبقّى من السحرة هذا المصير. اشتعل في
صدورهم غضبٌ أسود، وأرادوا الانتقام من البشر، ولو على حساب حياتهم.
بعد موت الطاغية
بمئة سنة، اجتمع كبار السحرة على أنقاض مملكة ميلانور، في قصر زينابا… أو ما تبقّى
منه. ذبحوا القرابين، وانتزعوا قلوبهم
هبةً للطاغية وجنوده. راحوا يردّدون
التعاويذ المحرّمة لأيامٍ طويلة، حتى تشبّعت الأرض بشرّ سحرهم، وتلوّنت تربتها بما
لا يُرى… لكن يُحَسّ.
تسرّب ذلك
السحر إلى مرقد الطاغية وجيشه. ومن شدّة الشرّ الكامن فيه، بُعثت العظام واكتست
بطبقةٍ من سحرٍ خبيث.
لكنّ ما بُعث…
لم يكن كما كان.
لم تعد أجسادًا
حيّة، بل دُمىً عظيمة، يحرّكها السحر الدفين في عروقها اليابسة. هياكل قاسية، أصلب
وأقسى من هيئاتها حين كانت حيّة.
أمّا حاكم
الهجناء... فلم يعد سوى جسدٍ فارغ، إناءً
يحتضن سحر الشرّ المتراكم في أعماق الأرض، وعينين… لم تنطفئ فيهما الرغبة بالعودة.
بدأت جحافل
الطاغية تجوب باطن الأرض، تبحث عن منفذٍ إلى سطحها، بينما الكراهية والحقد يسيطران
على عقولها الخاوية. كانت تتحرّك في
الظلام كما تتحرّك الفكرة السوداء في رأسٍ مريض… ببطء، لكن بإصرار.
أرادوا القتل
والتدمير. أرادوا أن يروا العالم ينهار
أمام شرّهم، حجرًا بعد حجر، وصوتًا بعد صوت.
لكن بلا جدوى. لم تكن هناك بوابة قادرة على اختراق سطح الأرض،
ولا شقّ يسمح لهم بالعبور. بقيت السماء
بعيدة… محرّمة عليهم.
حتى بدأ البشر
تنقيبهم عن إكسير الحياة قبل سنواتٍ قليلة.
إكسيرٌ قيل
إنّه يشفي الأمراض المستعصية، ويمنح الخلود لمن يشربه.
تعلّقوا بالفكرة كما يتعلّق الغريق بوهم النجاة.
لكن الحقيقة…
كانت أعمق ظلامًا.
لم يكن الإكسير
سوى أكذوبةٍ قديمة، اختلقها أحد السحرة الأشرار منذ قرون، ليجعل البشر يحفرون
الأرض بأيديهم، وهم يظنّون أنّهم يبحثون عن الحياة. انتظر السحرة كل هذا الوقت
ليأخذوا نتقامهم من البشر.
كان البشر في
الواقع يشقّون الطريق لبوابةٍ ينتظرها جيش الطاغية في الأسفل. وكانت المعاول التي تضرب الأرض... تقترب أكثر ممّا ينبغي.
قبل تسع سنوات،
حدث ما ظنّه البعض خيرًا… وما كان في حقيقته إلّا بداية السقوط. دوّى انفجارٌ هائل سُمع هديره في في أرجاء الممالك كلها ، وارتجّت الأرض تحت
أقدام أهلها.
فُتحت بوابةً عظيمة في الأرض، تبتلع الضوء قبل الأجساد. لكنّ
البشر لم يكونوا وحدهم هناك... كان في الأسفل من ينتظرهم. بدأت جحافل الطاغية تخرج أفواجًا عظيمة، موجةً بعد موجة، كأنّ
الظلام نفسه يتدفّق إلى السطح. واستمرّ
خروجهم ثلاث سنوات كاملة. ثلاث سنواتٍ والأرض تلد الشرّ من جديد. والآن… هم يستعدّون للقضاء على العالم.
اتّخذوا من
ميلانور القديمة موطنًا لهم، مدينةً مهجورة تحرسها الذكريات والخراب، ريثما يصبح
كلّ شيءٍ جاهزًا، ينتظرون… خروج الطاغية فقط من باطن الأرض.
العالم يقف على
شفير الهاوية، بينما البشر لا يدركون حجم المصيبة التي صنعوها بأيديهم.
ومع ذلك... لا أمل لهم، ولا لهذا العالم، أمام قوّة الطاغية
وجيشه، إلّا إن كان هناك ما لم يُحسب حسابه.
لم يبقَ أمام
البشر وقتٌ يُذكر، قبل أن يفتك بهم جيشُ الطاغية. كانت اللحظات تتساقط كحبّات رملٍ من ساعةٍ
مقلوبة، والخطر يزحف بصمتٍ أثقل من أيّ صراخ.
لم يعد الأمر
سؤال إن كانوا سيهجمون... بل متى.
لا يعلم أحدٌ
حقيقة ما يجري في ميلانور. لم يجرؤ أحد
على دخولها منذ مئات السنين، وكأنّ اسمها وحده يكفي ليُطفئ الشجاعة في القلوب.
وخلال السنوات
الماضية في أرض البشر، كانت الأمور تزداد سوءًا… يومًا بعد يوم.
ازداد الجشع،
وتفاقم الفقر. انتشرت العنصرية، وولدت العصابات من رحم الفوضى. عصاباتٌ تتاجر بكلّ ما يدرّ المال، بالقتل
والسرقة، بالتدمير والخطف...بكلّ ما يمكن أن يُشترى أو يُباع.
لم يلتفت إليهم
الحكّام ولا الأمراء. لم يشملهم اتفاق
العدل والسلام، فذلك الاتفاق كان قد اندثر منذ اللحظة الأولى التي كُتب فيها.
وبينما كان
البشر يغرقون في صراعاتهم الصغيرة... كان
شيءٌ أكبر ينمو في الظلّ، ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر.
أصبح حكم البشر
فاسدًا، وتآكلت العدالة كما يتآكل الخشب تحت المطر.
اختبأت الأجناس
الأخرى في غاباتٍ سحرية، كتلك التي نعيش فيها،
تراقب من بعيد… ولا تتدخّل.
ثم تحوّلت
الذكريات إلى جدّتي...
كانت سعيدة
خلال السنوات الماضية؛ كانت تراقبني من بعيد عبر كرةٍ سحرية في منزل صديقتها. كبرت قليلًا... لكنّها ما زالت جميلة كما
عهدتها، تحتفظ بذلك الدفء الذي لا يشيخ.
اشتعل الشوق في
صدري. أتحرّق شوقًا لأحادثها من جديد.
وفجأة… انطفأت
الذكريات.
نظرت إليّ
زينابا نظرةً عميقة، كأنّها على وشك أن تكشف سرًّا أثقل من الكلمات.
ثم بدأت تتحدّث أخيرًا:
أرين... " "
"
لا أحد يستطيع إنقاذ العالم سواك. أنت المختار منذ عهد أتلانتس...
وُلدت لتخطو فوق الشرّ الكامن في هذا العالم. مسيرتك القاسية مع الدب لم تكن عبثًا، بل كانت
جزءًا من إعدادك لهذه اللحظة... لحظة أن
ترى بعينيك حجم العبء. "
قاطعتُها
بتردّد:
زينابا... "
"
كيف لي أن أواجه جحافل الطاغية؟
وأنا وحدي… من دون جيشٍ عظيمٍ يرافقني؟
ابتسمت
الساحرة، حتى صغرت عيناها القرمزيّتان قليلًا، ابتسامةً هادئة… واثقة.
ثم... وضعت
كتاب قصص جدّتي أمامي، وتابعت حديثها.
بعدها فُتح
الكتاب على صفحة مملكة أتلانتس... تلك
المملكة التي لم تُحدّثني جدّتي عنها قط.
لعلّ ذلك كان
لقلّة المعلومات عنها... أو… لأنّ سحرًا
غريبًا ارتبط بها، سحرًا لا يُروى بسهولة.
بدت الصفحة
مختلفة عن باقي الصفحات؛ حروفها أعمق، وكأنّها لم تُكتب بالحبر… بل بشيءٍ أثقل. ثم استقرّت عيناي على الاسم المنقوش في أعلى
الصفحة:
تايفوروس
— سيف الفيض.
كان الاسم وحده
كافيًا ليجعل الهواء من حولي يثقل، وكأنّ الكتاب لم يكن يسرد تاريخًا.... بل يستدعيه.
أو… كما سمّاه
أحرار العالم.
كان الاسم يرنّ
في ذهني صدىً عميقًا، اسمٌ يختصر قوةً هائلةً، وحكايةً لم تنتهِ بعد. كان الكتاب يعرض مشاهدَ حية تصف السيف... قوّته التي تتجاوز حدود الخيال، الفيض الذي
ينبعث منه كأنه ينساب من قلب العالم نفسه. كانت الكلمات تتراقص أمام عيني، تجعلني أرى
سيفًا لا يُقهر، يتوهج بضوءٍ داخلي، كأنّه يختزن كل الطاقات، ويعدّ نفسه لمن
يستحقّ حمله.
مقبضه مصنوع من
شجرة الحكمة... شجرةٌ عريقة، كانت منبع
السحر في العالم القديم، جذورها تمتدّ إلى أعماق الأرض، وفروعها تلامس السماء.
في قلبها
تتوسّط جوهرة عتيقة، تناقلها شعب الحوريات عبر آلاف السنين،
حاملةً أسرارًا وقوىً لا يعرفها سوى القليل... قوى تجعل
من يمسك السيف قادرًا على تحريك مصير العوالم.
ولكن… فُقد
السيف منذ زمنٍ بعيد، واختفت الشائعات التي كانت تناقله من جيلٍ إلى جيل.
كأنّ التاريخ
نفسه ابتلع وجوده، وغلفه بالغموض والسرّ الذي لا يُكشف إلا لمن يملك قلبًا قويًا
بما يكفي لمواجهته.
عليك أن تجد هذا السيف. "…أرين "
قالت زينابا
بصوتٍ يملؤه الجدية والهدوء معًا.
" سيكون عونًا كبيرًا لك في القضاء على
الشر الكامن في هذا العالم، سيفًا لا يحمل القوة فقط، بل الحكمة أيضًا... قوة لمن يستحقّها، وهداية لمن يعرف الطريق
الصحيح. "
" ولكن… لا
أعلم أين أجد السيف، ولا الجوهرة التي تحدّث عنها الكتاب.
لا أعلم كيف أصل إلى أتلانتس المفقودة، بينما لا يعلم
عنها أحدٌ أيّ شيء.
وكيف لي أن أواجه الملايين من جيش الطاغية، بينما لا
نملك جيشًا يوازي قوّته؟ "
الحروب… قاسية
للغاية....
كنت أخاطب
زينابا والقلق والتردّد يملآن عقلي، حتى طمأنتني بصوتها الرقيق:
" حين يغدو
العالم قاسيًا، تأكّد يا أرين بأن نور الخير لن يندثر. "
" سيرافقك
الدبّ في رحلتك، متأكّدة أنّه سيكون أكثر من كافٍ. يمكنك أن تأخذ إحدى الأحصنة الطائرة… سريعة،
وستصل في وقتٍ قصير. "
ولكن... " "
ولكن... " "
فجأة، شممتُ
عبقها الطيب حين رفعت رأسي. كانت قريبة…
قريبة للغاية من وجهي.
تلاشى قلقي
وترددي في لحظة.
" لأجل
تلك العيون القرمزيّة، قرّرت أنّني سأحارب جيش الطاغية من دون أيّ تردّد. "
كنت أتحدّث مع نفسي، بينما عيناي غارقتان في تفاصيل
وجهها.
" ألا يمكنكِ
أن ترافقيني في رحلتي؟ "
سألتها، وقلبي يتخبّط بقوة.
ابتسمت زينابا
بهدوء:
" لا أستطيع
يا أرين… مكاني هنا، في الغابة المحظورة، لكنني سأراقبك دائمًا... "
" سأحرص
على أن لا أفوّت أي لحظة من رحلتك. "
" سأنتظر
عودتك يا أرين... "
قالتها زينابا بصوتٍ يحمل الصبر والحنان، كأنّ الوقت كله
ملكٌ لها.
سأنتظر عودتك…
في كل لحظة، حتى لو امتدت الأيام إلى شهور ، "
ستظلّ عيناي ترقبان خطواتك، وروحي تواسيك من بعيد.
"
كانت عيناي تراقبان عينيها القرمزيّتين بكل شغف
حتى هدأت كل أفكاري و اشتّدت عزيمتي إلى أن انقضى الليل.
في الصباح
التالي، كنتُ أسير مع زينابا على ضفاف البحيرة، وهي تحدّثني عن علاماتٍ ستساعدني
في إيجاد تايفوروس... علاماتٍ
تكاد تكون غير مرئية، لكنّ حكمتها كانت كفيلة بأن تنير طريقي لحل الألغاز.
سرنا معًا حتى
وصلنا إلى منطقة مفتوحة، حينها رفعت زينابا يدها الرقيقة،
تبعها سكونٌ هادئ كأنّ الطبيعة بأسرها توقفت لتستمع.
فجأة… صهيل
حصانٍ دوّى في أرجاء البحيرة، يهبط من السماء بجناحيه الأبيضين، يبدو عليه القوة
والرهبة، أبيض اللون وكثيف الشعر، وعلى جبينه علامة مميّزة، تتلألأ في ضوء الشمس
كرمزٍ قديمٍ يخبئ أسرارًا عظيمة.
ابتسمت زينابا
وهي تُداعب شعر الحصان. كانت تبدو في غاية
اللطافة، بينما حركاتها العفوية تذيب قلب كل من يراها، وعندما تبتسم لرؤية شيء يُعجبها، تتمنى لو أن
تلك اللحظة نوقف عن المضي... بينما عيناك
تراقبان ملامح وجهها المشرقة.
شروقٌ لا ينافسه شروقٌ آخر.
" هيا… أرين… جرّب أن تداعب شعره. "
قالت زينابا بصوتٍ دافئ.
كان ناعمًا
للغاية، كأن هذا الحصان لم يُخلق من هذا العالم، بل وُجد ليحمل المختارين فوق
أجنحته البيضاء.
ثم قالت:
" فلتذهب لرؤية جدّتك برفقة الدب، ثم
انطلق في رحلتك. "
صعدت فوق
الحصان، وفجأة قفز الدب من بين الأشجار،مستندًا على رقبتي كما لو كنت حصانه الخاص.
" هيا يا
أرين… أمامنا مغامرة عظيمة لنخوضها. "
قالها الدب بثقة، بينما يمسك شعري.
" تبًا
لتصرفاتك الغبيّة… أتمنى أن تنتهي الرحلة قبل أن ينتشر غباؤك في عقلي. "
هممتُ لنفسي ساخراً، بينما الغبي يشد شعري.
سحبت شعر
الحصان بخفّة، حتى بدأ يرتفع شيئًا فشيئًا في الهواء،
بينما عيناي لم تفارقا ذات العيون القرمزيّة.
كان
قلبي مضطربًا، قلقًا وخائفًا من ألا أراها ثانية...
كنت أفتقدها منذ اللحظة الأولى، بينما كانت تلوّح لي بيدها، رمزًا للجمال
الخالص، كالشمس التي لا تغرب أبدًا.