غموض الجبل القاسي (غضب من نار)
(غضب من نار)
.........
﷽في صباح اليوم التالي،
استيقظ جبل وأمينة وبدأا في التجهز للنزول. كانت أمينة تشعر بنشوة الانتصار وبداخلها رغبة في تجربة كل شيء في هاتفها الجديد.
أمينة (بتردد): "احم..، كنت عاوزة أقولك حاجة."
جبل (وهو يربط الشال ): "قولي.. سامعك."
أمينة: "كنت عوزا اعمل (واتس) على العدة الجديدة."
جبل (بنظرة خالية من التعبير): "أهه.. أول ما تشطحي تنطحي! كمان وتس؟"
أمينة: "عادي ماهوا ، زي المكالمات بالظبط وبالرقم، ."
صمت جبل قليلاً، يزن الأمر في رأسه، ثم قال بجموده المعتاد: "اعملي.. بس حسابك معايا لو شفت حاجة كدة ولا كدة."
أمينة (بفرحة): "اشطا!"
نظر إليها جبل باستنكار من الكلمة، فتراجعت سريعاً: "قصدي.. ماشي متشكرين."
ــــــــــــــ
أخذت الهاتف ونزلت خلفه، ودخلت المطبخ حيث كانت عبير وسمية تجهزان الإفطار.
أرادت أمينة أن تداعبهم وتظهر فرحتها،
فأمسكت الهاتف ووضعته على أذنها وهي تتحدث بصوت عالٍ وتمثل المكالمة:
أمينة: "أيوة يا ماي.. الشبكة كدة حلوة؟ أصل التلفون لسه جديد نوفي!"
مسمعاكيش تلفوناتكم قديمه بتسقط شبكه.
انفجرت عبير وسمية في الضحك.
سمية: "إيه يا بت يا منّة؟ أنتي اتجنيتي ع الصبح؟"
عبير (بإعجاب): "وه وه وه.. يا تلفوناته! وريني يا بت العدة دي كدة."
مدت أمينة يدها لتعطي الهاتف لعبير، لكن "هند" كانت أسرع، فخطفت الهاتف من يدها بوقاحة وهي تتفحصه بعينين تشتعلان غيرة:
هند: "إش إش.. (أبو تفاحة)! الله يسهلك يا ست أمينة.. جبتيه ميتا ديتي؟ ومنين يا بت؟"
أمينة (بفزع وهي تحاول استرداد الهاتف): "خمسة في عينك يا هند! هاتي التلفون ليقع يندش دلوك.. جابهولي قرة عيني جبل، ربنا يخليه."
ضحكت عبير وغمزت لأمينة: "دلوك بقى (قرة عينك)؟ اه يا مادية يا مصلحجية!"
ارتبكت أمينة وعضت على شفتيها بخوف، فهي تذكرت "بهيم مايند" وحديثهم أمس خافت أن يكون أحد سمعها: "طول عمره قرة عيني يا عبير.. اسكتي اممممم اسكتي..
كانت هند تتابع ملامح أمينة المخطوفة،
وبداخلها بركان يغلي.!
*******
خرج الجميع استعداداً لذهاب الرجال لأعمالهم. وفي ممر الدار، لمح دياب "عبير" وهي تمر، فجذبها من يدها بسرعة.
عبير (بحدة ونفور): "سيب يدي يا دياب!"
دياب (بعينين تملؤهما الحيرة): "هتفضلي كدة لميتا يا عبير؟ هنقضي العمر كله عِند؟"
عبير: "للأبد.. طول ما أنا بتنفس."
اقترب دياب منها خطوة،
فارتجف جسد عبير لا إرادياً من قربه الذي كانت تعشقه يوماً، فهمس بصوت أجش: "اتوحشتك.."
عبير (بجمود وقلب ينزف): "ما تشوفش وحش.. أنا مِتوحشتكش،
ولا عاوزه أشوفك واصل."
دياب: "ليني دماغك يا عبير وبلاها كيدك ديتي.. إحنا ولاد عم قبل ما نكون مجوزين "
عبير: "قولتلك سيب يدي وإلا والله هزعق علي عمي دلوك!"
ترك دياب يدها بأسى وقال: "فكري زين يا عبير.. كل واحدة في البيت ده في عِشها مع جوزها،
مفيش غيرك أنتي اللي حارمة نفسك وحارماني."
سالت دموع عبير رغماً عنها،
وقالت بقهر: "قول لنفسك! مفكرتش في كدة ليه قبل ما تكسر قلبي وتدخل عليا ضرة؟"
تركته واقفاً مكانه غارقاً في ندمه ودخلت تبكي بالداخل.
في تلك اللحظة،
ظهرت هند التي كانت تراقب المشهد من بعيد، وقالت بسخرية: "إيه؟ حنيت يا دياب؟"
التفت إليها دياب بغضب مكتوم وصرخ في وجهها: "آه حنيت! وقوي قوي قوي كمان.. عنديكي مانع؟"
تركها مصدومة وخرج يلحق بإخوته.
وقفت هند في مكانها،
تشتعل ناراً، وضربت الأرض بقدمها قائلة بغيظ: "بعدين في البيت اللي كلهم أقرف من بعض فيه ده! كنت بحاول أهدى وأمشي حالي،
بس والله لنكّد على الكل.. ده أنت من يوم ما اتجوزتك مشفتش منك حاجة عدلة! وأمينة اللي ممسكتش تلفون في حياتها لما تمسك، تمسك (أبو تفاحة)؟ الصبر يا آل الملاح.. الصبر!"
ـــــــــــــــــ
مرّ اليوم وعاد فاروق وملاح عند العصر.
ذهب ملاح لغرفة والدته ليطمئن عليها.
تذكرت أمينة موضوع الهاتف،
فذهبت لغرفة الحاجة صفاء وطرقت الباب.
الحاجة صفاء: "تعالي يا أمينة."
أمينة: "معلهش يا ماي، كنت هسأل ملاح يعدلي حاجة فالتلفون."
ملاح (بدهشة): "حاجة إيه؟ إنتي جبتي تلفون؟"
أمينة: "أيوه، جابهولي جبل."
تبسمت الحاجة صفاء بفرحة، بينما ضحك ملاح قائلاً: "امممم، الله يسهلكم.. أخوي بقى بيهادي! وريني عاوزة تعملي إيه؟"
أمينة: "واتس."
ضحك ملاح بصوت عالٍ: "واتس كمان! نظر للهاتف.. ماشي يا ستي."
بدأ ملاح في تشغيل الوتس،
ثم سأل بقلق: "صوح أخوي عارف إنك هتعملي؟ ده لو عرف يقطع رقبتي!"
أمينة: "أيوه عارف."
في تلك الأثناء،
وصل جبل وبدأ يبحث بنظراته عن أمينة في كل مكان. لمح هند تقف جانباً،
هند (بخبث): "بتدور على منّة؟
جبل:ايوه
هند: زي عوايدها بتهزر ويا ملاح.. الكيميا بينهم في العلالي!"
تغيرت ملامح جبل للغضب وسأل بصوت مرعب: "فين؟!"
هند: "جوه فالأوضة."
اقترب جبل من هند بغضب عارم،
وكاد أن ينفجر فيها وهو يصيح: "بتقولي فين؟!"
ارتعبت هند وتراجعت وهي ترتجف: "مش قصدي.. قصدي عند مرت عمي ف أوضتها!"دخل جبل غرفة والدته ووجد "أمينه" جالسه تنتظر انتهاء ملاح، فقال بغضب وعروقه نافرة:
جبل: "مش عارفة إني جاي؟
قاعدة هنا ليه ؟"
انتفضت أمينة واقفة من الخوف،
فتدخلت الحاجة صفاء: "إيه يا ولدي مالك؟ أنت حتى مقولتش إزيك يا ماي!"
رد جبل بضيق: "لمؤاخذة يا ماي مختش بالي.. عامله إيه؟"
الحاجة صفاء: "الحمد لله."
نظر جبل لملاح ثم لأمينة وقال بحدة: "يالا يا بت عشان أطلع أغير خلقاني.. والّا أطلع لوحدي لما حضرتك تفضي؟"
ردت أمينة بخوف: "له.. طالعة أهه. "
مرت من جواره مسرعة وصعدت للشقة،
وخرج جبل خلفها كالإعصار.
ضربت الحاجة صفاء كفاً بكف: "ماله ولدي؟ يعمل الحاجة الزينة ويخربها ليه بحمقته ديتي؟"
أنهى ملاح ما بيده في الهاتف،
وأعطاه لوالدته وخرج دون كلام.
ــــــــــ
في شقة جبل..
دخل جبل ووجد أمينة ترتجف،
فبدأ صراخه الذي سمعه جميع من في الدار:
جبل: "قاعدة في الأوضة ليه تحت؟"
أمينة: "عادي.."
قاطعها بصراخ هز الجدران: "برضه كلمة عادي؟ أنا بكره الكلمة ديتي!
أمينة:طيب هاقول ايه.
جبل: تنطقي وتتكلمي زي ما بكلمك،
ولما أكون بره تقعدي زي الجزمة تستنيني لما أرجع وتشوفيني ناقصني إيه وتعمليه.. مش أرجع أدور عليكي عشان تطلعي تجهزي لجوزك غيار! بعدين ليه مش بتجهزي حاجتي أصلاً قبل ما آجي؟ لازم آجي وأقول؟ خير إيه واخد عقلك وشاغل الست هانم عن جوزها؟"
في الأسفل بالدار..
وقف الجميع يراقبون في صمت.
الحاجة صفاء: "يا ساتر! في إيه؟"
سمية: "مش عارفة يا ماي،
ربنا يستر لأعصابه تفلت عليها.. هو حصل حاجة جوه؟"
الحاجة صفاء: "لا يا بتي، هو كان داخل غضبان معرفش ماله."
أما هند، فكانت في الخلف وعيناها تشع شماتة، وحدثت نفسها: "يخرب بيتك! ده أنت مصيبة.. كل ده من كلمتين؟ أمال لو ضفت شوية بهارات من عندي كنت قتلتها؟"
دخل ملاح وسأل بقلق: "إيه يا ماي في إيه؟"
الحاجة صفاء: "والله يا بني ما أعرف، أنا هطلع لأخوك أهديه."
في تلك اللحظة، سمعوا صوت باب شقة جبل يرتطم بقوة، ونزل جبل الدرج بخطوات غاضبة.
استقبله ملاح بعفوية: "خير يا خوي في إيه؟"
وقف جبل أمامه بجمود: "وأنت مالك؟ بتتحشر ليه؟"
ملاح: "مش قصدي ياخوي.."
جبل: "ولا قصدك! تخرص خالص واوعاك أسمع حِسك واصل!"
الحاجة صفاء: "مالك يا جبل في إيه لكل ده؟"
لم يرد على والدته،
وخرج من الدار وهو يشتعل غضباً.
ــــــــــــــــــــــ
بينما كانت أمينة تبكي بحرارة في الأعلى،
كانت روحها محطمة ولا تعلم ماذا فعلت ولماذا ثار جبل غاضباً لهذه الدرجة.
جلست قليلاً ثم قامت بغسل وجهها وعينيها من آثار البكاء، ثم نزلت للأسفل لعلها تفهم ما حدث.
استقبلتها سمية بلهفة وقلق: "إيه يا أمينة؟ حصل إيه لكل ده؟"
ردت أمينة بصوت مبحوح: "معرفاش يا سمية.. والله ما عارفة عملت إيه."
سمية: "غريبة! يمكن حاجة مضيقاه في الشغل والا واصلة معاه لآخرها.. معلهش طولي بالك عليه، جبل طبعه واعر وأنتي عارفة."
أمينة بتلقائية: "عادي.."
وفجأة انتبهت أمينة وشهقت بصوت عالٍ وهي تضع يدها على فمها: "يا مري! لازم أبطل الكلمة ديتي خالص.. أعمل إيه دلوك؟"
سمية باستغراب: "إيه هي اللي تبطليها؟"
أمينة: "عادي."
سمية بقلة صبر: "ماشي.. إيه هي بقى الكلمة؟"
أمينة: "عادي.. كلمة (عادي) يعني هيا اللي ابطلها!"
نظرت لها سمية بدهشة: "ليه؟
مالها كلمة عادي؟"
أمينة بخوف: "معرفاش.. بس لما قولتها فوق حصل كل ده، ."
هنا لم تستطع سمية تمالك نفسها وانفجرت في الضحك،
ضحكة غصب عنها رغم الموقف الصعب:
"معلهش يا أمينة ضحكتيني.. يعني كل الفضيحة والصريخ اللي عمله ديتي عشان قولتيله (عادي)؟"
أمينة بضيق وحيرة: "ما أظنش إنها السبب بعينه. بس هي اللي طيحت روحه.
سمية وهي لسه بتضحك بخفة عشان تهوّن على أمينة: "يا مري.. الراجل كان عاقل قبل الجواز يا منّة!"
ردت أمينة بحسرة : "والله أنا اللي كنت بعقلي يا سمية! سلفك ده هايقطع خبري، أنا خلاص بقيت أترعش من خياله."
سمية بتهدئة: "له متقلقيش.. جبل مرجوعه قريب وهيهدى."
أمينة بتنهيدة وخوف: "يا رب ربنا يهديه.
جاءت الحاجة صفاء ووجهها يحمل علامات القلق، وقالت: "خير يا بتي. ماله جبل؟"
ردت أمينة بكسرة: "معرفاش يا ماي.. والله ما خابرة ماله."
تنهدت الحاجة صفاء بضيق وقالت: "ربنا يهديه ويصلح حاله يا بتي."
اجتمع الجميع على مائدة العشاء،
وساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت الملاعق. جلس الحاج بكري وتلفت حوله ثم سأل: "فين جبل؟"
صمت الجميع ولم يرد أحد، فكرر الحاج بكري سؤاله بحدة: "فين جبل يا أم فاروق؟"
ردت الحاجة صفاء: "معرفاش يا حاج."
التفت الحاج بكري لأمينة وسألها: "فين جوزك يا أمينة؟"
ردت أمينة بخوف وارتجاف: "معرفاش يا عمي.."
تدخل فاروق وقال: "صح.. أنا كنت سامع حِسه عالي قوي فوق، كان فيه إيه يا أمينة؟"
نظر لها الحاج بكري بنظرة فاحصة: "متأكدة متعرفيش يا أمينة؟"
صمتت أمينة تماماً ولم تقوَّ على النطق، فتدخل ملاح ليفض السيرة: "محدش يعرف يا بوي،
زعل بينهم وبعدين طلع"
هز الحاج بكري رأسه وقال: "طيب.. كملوا أكلكم."
بعد العشاء،
ظل الجميع ينتظر عودة جبل لكنه لم يأتِ.
اتصل به فاروق، فأجابه جبل باختصار أنه في "مشوار" وسيتاخر قليلاً،
فاطمأنوا وذهب كل واحد لغرفته.
أما أمينة، فصعدت لشقتها وقلبها يرتجف مع كل دقة ساعة. وقفت خلف النافذة تراقب الطريق المظلم والليل الذي أصبح متأخراً جداً،
والدموع تحجرت في عينيها وهي تسأل نفسها: "يا ترى يا جبل رحت فين في وقت زي ده؟ وهترجع بانهي وش؟"