الفخ: رواية تذكرت
الفخ
.........
لم تكن ندى من النوع الذي يجيد الكتمان؛ فمشاعرها دائمًا ما كانت تفيض من عينيها قبل لسانها. لكن هذه المرة، كان الجرح غائرًا لدرجة جعلتها تلتزم صمتًا مريبًا. كانت تجلس في غرفتها، تعيد قراءة رسائل يارا القديمة، وتبحث عن تلك اللحظة التي تحولت فيها "الصديقة المنقذة" إلى "الطرف الثالث" الغامض.
أما يارا، فكانت تراقب هذا الصمت ببرود، تراقب تصدعًا في بناء يعرف متى سينهار. قررت يارا أن أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم، ولكن بأسلوبها الخاص: الهجوم بالصدق المزيف.
في مساء يوم خريف كئيب، دعت يارا ندى للقائها في حديقة هادئة، بعيدًا عن صخب الجامعة والعيون المتطفلة. عندما وصلت ندى، وجدتها تجلس على مقعد خشبي، تبدو واجمة، وكأن هموم العالم كله فوق كتفيها.
"ندى.. شكرًا لأنكِ جئتِ." قالت يارا بصوت خافت، دون أن تنظر إليها.
لم تجب ندى، بل جلست ببطء، وعيناها مثبتتان على وجه يارا بحدة. "لماذا نحن هنا يا يارا؟"
تنهدت يارا تنهيدة طويلة ومؤثرة، ثم استدارت نحو ندى، وكانت عيناها تلمعان بدموع حقيقية هذه المرة، دموع ناتجة عن إجهادها في التفكير في هذه اللحظة. "أنا أعلم أنكِ رأيتِ الرسالة على هاتفي ذاك اليوم. وأعلم أن الشك ينهش قلبكِ. لذا قررتُ أن أقول لكِ الحقيقة كاملة، لأنني لا أحتمل رؤيتكِ تنظرين إليّ بهذه الطريقة."
خفق قلب ندى بعنف: "أي حقيقة؟"
"الحقيقة هي أنني أحب أحمد." قالتها يارا بسرعة، ثم غطت وجهها بيديها وكأنها انفجرت بالبكاء.
تصلب جسد ندى. شعرت وكأن صاعقة ضربت المكان. "ماذا قلتِ؟"
رفعت يارا رأسها، ووجهها غارق في الدموع: "أرجوكِ اسمعيني للنهاية! أنا أحبه، نعم.. ولكن ليس كحبيب، بل كإنسان رأيتُ فيه كل ما تفتقدينه أنتِ. أحببته لأنني كنتُ أراه يعاني بسبب طريقتكِ في التعامل معه، وكنتُ أتألم لأجله ولأجلكِ. حبي له هو ما دفعني لأتدخل دائمًا لأصلح بينكما. كنتُ أضحي بسلامي النفسي، وأقضي الساعات معه لأقنعه بأنكِ تحبينه، بينما كان قلبي يتمزق لأنني أرى رجلاً عظيمًا يذبل."
نظرت ندى إليها بذهول ممزوج بالاحتقار: "تضحين بسلامكِ النفسي؟ أنتِ كنتِ تخونينني بعواطفكِ وتسمين ذلك تضحية؟"
"لا!" صرخت يارا بحدة مصطنعة. "الخيانة هي أن أتركه يرحل عنكِ وأنا صامتة. أنا كنتُ أحاول أن أجعله يرى فيكِ ما أراه أنا فيه. الرسالة التي رأيتها.. أحمد قال إن القهوة معي كانت أجمل لحظة، ليس لأنه يحبني، بل لأنه لأول مرة منذ شهور وجد من يستمع إليه دون صراخ، دون اتهامات، دون شكوك. هو وجد فيّ الأذن الصاغية التي فقدها عندكِ."
وقفت ندى، وكان جسدها يرتجف بالكامل: "أنتِ إنسانة مرعبة يا يارا. أنتِ تسرقين خطيبي وتدعين أنكِ تفعلين ذلك من أجل مصلحتي!"
هنا، تغيرت نبرة يارا فجأة. مسحت دموعها ببرود، وقالت بصوت هادئ ومخيف: "أنا لا أسرقه يا ندى.. هو من يهرب إليّ. الفرق كبير. هو يهرب من السجن الذي وضعتِه فيه، ليرتاح في الهدوء الذي أقدمه له. وإذا أردتِ الحقيقة المرة.. هو الآن يقارن. وفي كل مرة يقارن، أربح أنا."
"سأخبره بكل شيء." صرخت ندى وهي تهم بالرحيل.
"أخبريه." قالت يارا وهي تبتسم ابتسامة باهتة. "أخبريه أن صديقتكِ الوحيدة اعترفت لكِ بأنها تحبه تقديرًا له، وأنها كانت تحاول حماية علاقتكما بينما أنتِ تهاجمينها الآن. أنظري لنفسكِ يا ندى.. تبدين الآن كالمجنونة، كالعادة. وهو سيعود ليرى دموعي وهدوئي، وسيرى صراخكِ واتهاماتكِ. من تظنينه سيصدق؟"
غادرت ندى وهي تترنح من الصدمة، بينما بقيت يارا في مكانها، ترتب خصلات شعرها التي عبث بها الهواء. كانت تعلم أن ندى ستذهب لأحمد الآن وهي في قمة انفعالها، وهذا هو الفخ بعينه. انفعال ندى سيكون المسمار الأخير في نعش هذه العلاقة.