حقيقة ما حدث: زينمر
حقيقة ما حدث
.........
ابتسمت وهي تمسك يدي:
هيا… لا تكن جباناً، إلحق بي.
قرعت ثلاث مرات
على الباب، قبل أن تدخل المكان. استغربت من فعلتها.
جدّتي، لم قرعتِ...
لم أنهِ جملتي حتى رأيت شيئاً لا يستطيع العقل تصوره. كانت المكتبة أشبه بشيء… لا أعلم ما الأقرب
للوصف. لم تكن مجرد مكتبة، بل فضاءً
عارماً، تطفو الكتب فيه بحرية غريبة، تتلألأ أضواء خفية من كل زاوية، وتلمع بين
الظلال وكأنها تنبض بالحياة.
و هناك… رأيت ما يشبه البشر...
جدتي…!!! هل هؤلاء سحرة؟
هزّت جدّتي رأسها بخفة، بابتسامة غامضة:
لا تشر بإصبعك نحوهم… هذا سوءاحترام يا ولدي.
أنزلت أصبعي بسرعة وقلت:
رائع يا جدّتي… لم لم تحضريني إلى هنا من قبل؟
قالت جدّتي بصوت خافت حتى لا تزعج الحاضرين:
كنتُ أنتظر الفرصة المناسبة. الآن اصمت، وإلا سيُطردك
أحدهم من هنا بسبب صوتك المرتفع.
وضعت كلتا يدي على فمي، أطبق على كلماتي الصاخبة، بينما
ضحكت أمينة المكتبة بخفة.
كانت ساحرة أيضاً، ترتدي قلنسوة سوداء دائرية كبيرة
تعلوها هرم طويل مخروطي، وابتسامتها تحمل هدوء الغموض.
أهلاً بكِ يا جدّة، وأنت أيضاً يا صغير.
لا تُلق بالاً لجدتك، فهي تحب الالتزام بالقوانين.
يمكنك أن تتجوّل بحرية وتقرأ ما تشاء من الكتب...
ولكن قبل ذلك، هل تعلّمت لغة السحر؟
نعم، نعم… علّمتني جدّتي السنة الماضية وأصبحت بارعاً
بها.
وبلمح البصر، نطقتُ بعبارة ظننت أنها لن تنجح كسابقاتها،
حتى رأيت شعلة صغيرة تنطلق من أصبعي نحو الهواء.
ابتسمت جدّتي، وصرخت أمامها:
لقد نجحتُ يا جدّتي… نجحت تعويذتي!
ضحكت جدّتي وضحكت أمينة المكتبة، ثم أردفت.
بالطبع يا صغيري، ستنجح تعاويذك… فهذه مكتبة السحر.
قلتُ:
ولكن… لماذا السحر موجود؟
أخبرتني جدّتي أن السحر اختفى منذ مئات السنين وأنه من
المحرّمات الآن.
ضحكت أمينة المكتبة وقالت:
جدّتك محقة يا صغير… ولكنها لم تخبرك بقيّة القصة...
قاطعت جدّتي الحديث بقولها:
هيّا يا أرين… لا تبقَ واقفاً مكانك.
لحقتُ بجدّتي حتى وصلت إلى منتصف المكتبة. كان هناك ما يشبه بلّورة كبيرة، بينما الساحرات
مجتمعات حولها في هدوء غامض.
هيّا… تقدّم وضع يدك على الكرة، ولا تنزعها حتى تطلب منك
الساحرة نزعها.
اقتربت من البلّورة، وعيناي تراقبان الساحرات، حتى توقفت
أمام أمامها. طلبت مني الساحرة أن أضع يدي
على البلّورة وأبقى ساكناً.
لم أتردّد للحظة. كان الحماس يملأ فكري، ربما بعدما عرفت
هذه الأسرار واكتشفت أن قصص جدّتي التي كانت ترويها لي قبل النوم حقيقية أكثر
فأكثر.
صمت الجميع، وأخذوا يراقبون ما أفعل. شعرت بتوتر يبتلع روحي، فأغمضت عيني.
طلبت مني الساحرة أن أفكّر بشيء أريده بشدّة. لم أستطع الإتيان بشيءٍ جيد. كانت أفكاري مبعثرة، وتشتّت تفكيري بسبب همسات
الساحرات حول وجودي بينهن.
زينابا… ذات العيون القرمزيّة.
كنت أفكّر بها وبغموضها، سحرها الذي طغى على كل المفاهيم
التي اكتسبتها من القصص الخيالية، وجمالها الذي نافس القمر البازغ.
كنت أفكّر في صوتها الناعم، شعرها الأسود اللامع، وأكثر
ما يشغل تفكيري هو عيونها القرمزيّة.
كانت أفكاري تنحدر سريعاً نحو قاعٍ لا أعلمه، قاعٍ مظلم
لم أصله من قبل، ولكن شعرت كما لو أن هناك
من ينتظرني.
انعكاسٌ بارد… شيء لطيف… ناعم ورقيق… ساحر وجميل...
كانت شفاهٌ ناعمة ظهرت بفعل انعكاس القمر في مخيّلتي… ثم
اختفت.
وظهرت عيونٌ قرمزيّة بعدها، تراقبني عن كثب. كنتُ أشعر بها تكبر أمامي بينما جسدي يتقلص. شعرت
كما لو أن هذه العيون القرمزيّة تحمل أهميّة عظيمة في حياتي. لونها المائل لغروب الشمس، أو لون الدماء… كان
دافئاً وقوياً.
انجرفت في مخيّلتي ولم أنتبه حتى شعرت بأحدهم يهزّني
ويصرخ في وجهي طالباً مني إزالة يدي.
فتحت عيناي لأرى طاقة هائلة تنطلق، تملأ المكتبة بوهج
غامض، وتعكّر أجواءها.
أحدثت دماراً في أرجاء الغرفة، بينما تراجعت الساحرات في
صدمة وخوف، جعلتهم ينصرفون بسرعة من المكتبة، كأن قوةً عظيمة قد فرضت سطوتها فجأة.
بسرعة… هيّا بسرعة يا أرين!
علينا أن نرحل من هنا!
قالتها جدّتي، والقلق يلوح في ملامح وجهها، عينها تلمع
كأنها ترى شيئاً مخفيّاً لا أستطيع أنا رؤيته بعد.
لم أتردّد و أمسك يدها بإحكام، وخرجنا مسرعين بين أرفف
الكتب المعلقة في الهواء، كأن المكتبة نفسها تحاول أن تحمينا من شيءٍ غامض يلوح في
الزوايا المظلمة.
الهواء من حولنا يئن بصوت خافت، والأضواء تتراقص كأنها
تنبّهنا إلى قوةٍ سحرية تهز المكان من أعماقه.
لم أجرؤ على النظر خلفي، فكل خطوة كانت تزيد قلبي
توتراً، وكل خفقة قلب تُخبرني أن ما حصل كان أعظم مما توقعت...
هيا إلى البيت.
لم تحادثني جدّتي في الطريق، بل طلبت مني أن ألتزم الصمت
وألا أخبر أحداً عمّا حصل.
حلَّ الليل حين وصلنا إلى البيت.
تناولنا العشاء بينما الصمت يخيّم على أرجاء البيت،
ثقيلًا كظلٍ يلاحقنا.
كانت جدّتي تراقبني بصمت، وكلّما حاولت التحدث شعرت كما
لو أن عينيها تنهراني بصمتها القوي.
حتى كسر الصمت تلك الكلمات التي لم أتوقع سماعها.
ما حدث اليوم لم يكن من المفترض أن يحدث. لقد أظهرت
قوة منسيّة. و قد شعر الجميع بالذعر مما
رأو. أتمنى فقط أن لا تسوء الأمور أكثر.
لا تتفوه بما حدث اليوم مع أحد. و لا تسألني أيضاً. علي
أن أعيد ترتيب أفكاري، فما حدث اليوم كان كثيراً على ذهني.
و الآن هيا
انطلق إلى غرفتك.
لم تروي لي أي قصة ما قبل النوم.
كان الأمر مزعجاً، شعرت كما لو أنني ارتكبت خطأً فادحاً.
في الصباح التالي، لم يختلف الأمر. نفس التعابير، ونفس
الصمت.
وهكذا استمر الحال خلال الليالي التالية.
تكرّرت الأيام المتشابهة، حتى بدا الأمر كلغزٍ بلا
فوارق، كل يومٍ يشبه الآخر في هدوئه الغامض وصمته المخيف.
بعد أسبوع من الزمن، لم أستطع السيطرة على نفسي أكثر من
هذا.
غادرتُ غرفتي وأطبقتُ بابها بقوّة، لعلي أجعل جدّتي تعلم
أنني غاضبٌ منها.
توجّهت إلى الأسفل بعد وقتٍ طويل لأجد جدّتي ساكنة أمام المدفأة، بيدها كتاب. و
توقفت عن الحركة من رهبتها؛ تلاشى غضبي وارتخت أعصابي.
سكينة غامضة ومفاجئة ملأت جسدي، كأن الهواء نفسه يحمل
هدوءًا غير مألوف.
قالت لي بصوتها الناعم:
هيا يا ولدي… لا تنتظر كثيرًا.
فلتجلس بجانبي حتى أكمل لك القصّة.
لمعت عيناي بقوة...
قصّة...
نسيت غضبي من جدّتي.
نسيت حتى سبب هذه المشاعر السلبية التي أثقلت قلبي.
بسرعة خاطفة جلست أمامها، أراقبها بعينيّ الواسعتين،
وكأن كل لحظة معها تحمل سرًّا جديدًا، وغموضًا لا أستطيع تفسيره.
رفعت جدّتي الكتاب بيدها وجعلته يطفو في الهواء، بينما
أخذ يقلّب صفحاته بنفسه، سامحًا لذرّات الغبار العالقة أن تنطلق بحرية.
ثم توقّف.
توقّفت الصفحات عن الحركة عند منتصف الكتاب، بينما غطّى
اللون الأسود الحالك كامل الورق.
جدّتي… لماذا لون الورق هنا مختلف؟
سألتها مستغربًا من ملامح الأوراق، بينما عمّ الصمت
الأرجاء.
جدّ...
فجأة... ارتفع دخانٌ كثيف من بين الصفحات، وبدأ دخان
المدفأة يتصاعد شيئًا فشيئًا، بينما تتطاير الشرارات نحو الكتاب.
حتى ظهرت الصور أمامي، وكأنها تنبض بالحياة.
صراخٌ عالٍ اجتاح أذني، لم يكن صراخ شخص واحد، بل أشبه
بآلاف الأرواح تصرخ في آن واحد. أمعنت النظر نحو الكتاب وأنا أطبق أذنيّ من شدة
الصوت.
كانت معارك وحشية تجري في ميلانور،القتل في كل مكان،
والدماء تتدفّق كالبحار بلا توقف.
بعد أن اختفت الساحرة زينابا أمام الجميع قبيل تنفيذ حكم
الإعدام بحقّها، ثار غضب حاكم الهجناء وبدأ بالصراخ، متحدثًا عن فشل خطته للإطاحة
بالساحرة.
حينها علمت الساحرة إيناما، حاكمة أتلانتس، أن رؤياها لم
تكن نذير شؤم، بل رسالة سلام، تفيد بأن زينابا كانت دائمًا مسالمة.
قاطع أفكارها حاكم الهجناء بصراخه الصاخب:
لقد أفسدت زينابا خطّتي… ولكن لا بأس… سأدمّر كل شيء
وحدي.
نادى مرتزقته المختبئين بين ظلال الحشد، وأمرهم بسفك
الدماء حتى لا يبقى أحد على قيد الحياة.
وبالفعل، بدأ محاربو الهجناء بقتل الجميع.
ثار حكّام ميلانور ضد فعل حاكم الهجناء، يبدو أنهم لم
يكونوا على علمٍ بحقيقته الماكرة. لكن
خطته كانت محكمة… فقد بدأت ألعابه الماكرة تنشر السمّ في أجساد الحكّام، حتى ماتوا
جميعًا.
بقيت أيناما وحيدة، وقبل أن يصل مقاتلو الهجناء إليها،
اختفت كما فعلت زينابا،
ثم عادت إلى موطنها، وأقفلت أبواب مملكتها لتحمي شعبها
من الشر المحيط.
في الصباح التالي، حلَّ الدمار مكان السلام، وبدأت أجساد
شهداء ميلانور تتحلّل ببطء. جبالٌ تليها
جبالٌ من الجثث، كانت ذات يوم رموزًا للسلام والوئام بين الشعوب.
أمر حاكم الهجناء بحرق كل شيء، واستولى على ممتلكات
المملكة، وسلب كل ما فيها لنفسه. كان شعب
الهجناء يكنّ الولاء لزعيمهم، والحقد لكل الشعوب الأخرى. أرادوا أن يكونوا الأقوى،
الأكثر حكمة، والأكثر سيطرة.
كانت قلوبهم ممتلئة بالكراهية، يظنون أن الشعوب الأخرى
لا تثق بهم.
عند انتهاء كل شيء، خسر الملايين من شعب ميلانور
أرواحهم، بينما الشر نما في قصر الساحرة زينابا. من شدّة كره حاكم الهجناء لشعب العيون القرمزية، بالغ في
تعذيبهم وقتلهم حتى قبل أن تُذكر الأساطير، فجمع عيونهم جميعًا في سرداب مظلم تحت
قصر زينابا، كأنها جواهر سوداء من الغضب والكراهية.
في المقابل، شعرت أيناما بالحزن والأسى العميقين لما حدث.
كيف استطاعت أن تخون صديقتها، وتكون سببًا في مقتل شعوب
بأكملها؟!
بعد شهر من مذبحة ميلانور، بعث حاكم الهجناء برسالة إلى
أيناما طالبًا منها الولاء لمُلكه، وأن تكون زوجةً ذليلةً له. عارض مجلس الوزراء في أتلانتس رسالة الهجناء،
وطلبوا من أيناما أن تعلن الحرب عليهم.
لم تكن أيناما في أفضل حالاتها، فقد استنزفها الإرهاق
وما حدث من كوارث. كانت جالسة في غرفتها الملكية، تحدق في القمر اللامع،
وعيونها تفيض حزناً وألماً لما جرى، حينها سمعت صوتًا مألوفًا يخترق صمت الليل. ما إن أدارت وجهها حتى اخترق سيفٌ قلبها. سمعت زئيره الخافت يختلط بأنين قلبها.
ك....ي....ف؟؟
وقبل أن تنهي كلامها، سحب ماكرُ الهجناء سيفه، تاركًا
فجوةً لا يغلقها أي سحر، ولا يداويها أي علاج.
أخبرها بصوتٍ باردٍ وجامد:
أخبرتك أن تكوني مطيعة، وتكوني زوجتي، لكنك ضعيفة للغاية...
سأحتلُّ عرشكِ، وأمزّق سلامكِ، وأدنّس سحركِ حتى آخر ذرة
أمل.
اختفى وجود حاكم الهجناء كما لو أنّه استعان بسحرٍ محظور
لقتل أيناما.
في آخر لحظاتها… قبل أن تنطفئ روحها، لمحت بريقًا لامعًا
قادمًا من القمر. هطلت دموعها، بينما علت
على وجهها ابتسامة لطيفة، مليئة بالسكينة رغم الألم.
في الصباح التالي، أُعلن موت أيناما… الساحرة الحكيمة
التي أفنت عمرها للحفاظ على شعبها.
احترم مجلس الوزراء قرار حاكمتهم، ولم يحاربوا الهجناء
حفاظًا على مملكتهم. وبعد مدّة من الزمن،
ارتفعت أمواج شاهقة مشبّعة بسحرٍ شرّير، غطّت أتلانتس ودفنتها تحتها. وهكذا…
اندثرت أعظم حضارتين عُرفتا في التاريخ، تاركة وراءها أسرارًا لم يجرؤ أحد على
كشفها.
انتهت قصة أعظم حضارتين، ومات ملايين الأشخاص نتيجة
الجشع والحقد.
ولكن يا جدّتي، ماذا حدث مع حاكم الهجناء؟
وأين اختفت ذات العيون القرمزيّة؟
تحلّ بالصبر يا ولدي...
تأمّل الكتاب… فهو لم ينتهِ بعد من سرد ما يحتويه.
كما قالت جدّتي، بقي الكتاب معلّقًا لحظاتٍ في الهواء،
حتى بدأت أخيرًا صفحاته تتقلّب.
حاكم الهجناء، أو كما أسمى نفسه بالساحر الأقوى... حوّل مملكة ميلانور إلى مصدرٍ للشر في العالم،
واستقبل كل من كان يحمل في قلبه الحقد والكراهية. أراد أن يبسط يديه على العالم بأسره، وجمع جيشًا
هجينًا من التنانين والأفاعي ووحوشٍ تُعدّ أساطير في عالم البشر.
جيوشٌ قوامها أربعون مليون مخلوق شرير، بدأت جيوشهم تزحف
نحو الممالك الباقية، مملكة تلو الأخرى، حتى سقطت جميعها.
وفي أحلك لحظات العالم ظلمة، رفع كأسًا يدّعي به النصر
أمام جيشه.
كانت خمس ممالك فقط الباقية:
إيلينور – أرفانديس – سُهامرا – تالغور – ميروفان.
اجتمعت هذه الممالك تحت راية واحدة بعدما علمت أنها
ستخسر الحرب ما لم تتحدّ. رغم ذلك، بلغ
تعداد جيشهم المليونين فقط، لكن عزيمتهم كانت أقوى من أعتى الجيوش.
ارتفع صوت صهيل الأحصنة، وسمعت ضربات السيوف بينما ذُرفت
الدماء وقُطعت الأعناق. في ليلة واحدة،
قُضي على نصف جيش الممالك المتحدّة. كانت
لحظة هزيمتهم قادمة في صباح اليوم التالي، وكانت آخر ذرّة أمل لهم حين انضمّ
الحكّام إلى الجنود لرفع معنوياتهم رغم عجزهم عن القتال.
كانت المعركة أشد ضراوة، والنيران تشتعل في كل مكان. أجساد الجنود تركض من دون اتجاه، بينما تلتهم
النيران أجسادهم، والأفاعي العملاقة تقضي على المئات في هجمة واحدة.
اختفت عزيمة جيش الممالك المتحدّة، وأحنّوا رؤوسهم بعد
أن تقبّلوا حقيقة موتهم الوشيك.
أما حاكم الهجناء، فكان يقف على ظهر تنين، يضحك بلا
استحياء.
حلّ الليل، وكانت المعارك ما تزال جارية، وما بقي من
الجنود الشجعان إلا القليل، والحكّام الخمسة فقط.
ألف…
ألفين…
ثلاثة…
عشرة...
حتى بقيت قلّة قليلة أرادت كسب الوقت ليتمكّن الحكّام من
الهرب، لكنهم رفضوا ترك جنودهم وحدهم.
حينها كُسر ضجيج المعركة، بعد أن بدأت الأرض تهتز تحت
أقدام الجميع. تحوّل القمر حينها إلى قمر
دموي قاتم، يلوّح في السماء بوميضه المرعب.
كنتُ أرى هذه المشاهد، وأشعر بأرض البيت تهتز من تحتي.
تمنّيت لو أملك سيفًا لأحارب به حاكم الهجناء… لكن جسدي
ما زال صغيرًا مقارنة بحجم الجميع.
ارتعش جيش حاكم
الهجناء، بينما الأرض تبتلع ما يسقط في شقوقها من جنوده.
سُمع صوتٌ
ملائكيٌّ قادمٌ من السماء، حاملاً قوى لا يُدركها إلا من شهدها.
كانت عيونٌ قرمزيّة، جعلت جنود الهجناء يلقون أسلحتهم
ويركضون مذعورين، بينما تحوّلت حيواناتهم إلى حجارة تتحطّم على الفور، وكأنّ تلك
العيون تمتلك القدرة على تحويل الجميع إلى أصنام حجرية.
صرخ حاكم
الهجناء على جنوده، يأمرهم بالقتال، لكن لا جدوى… حتى اخترق سهمٌ ساطع جبينه، وسقط
ميّتًا نحو قاع الأرض قبل أن تطبق الشقوق وتسكن الأرض عن الاهتزاز.
حين عمَّ
السكون، كانت أرض المعركة خالية من جيش الهجناء، وقد دفنوا جميعهم داخل الأرض،
بينما بقي حمام الممالك الخمسة وجنودهم القلائل سالمين.
عاد القمر إلى
حالته الساكنة، واختفى البطل الغامض كما لو لم يكن موجودًا أبدًا. عاد الحكّام وجنودهم إلى ممالكهم، يعالجون آثار
المعركة في أجسادهم وعقولهم، حامِلين معهم ذكرى قوةٍ عيونٍ قرمزيّة، لن تُنسى
أبدًا. خلال أيّام
قليلة، قُضي على خلايا الشرِّ المتبقّية في قصر زينابا، ومُسحت آثارهم تمامًا. انتهى حكم الطاغية، وبقيت فقط الممالك الخمسة.
تجمّد الكتاب للحظات، ثم عاود تقليب صفحاته ببطء، كأنه
يستعد ليكشف فصلًا جديدًا.
بعد سنة من الحادثة، اجتمع حكام الممالك الخمسة، واتفقوا
على حكم العالم بسلام وعدل متساويين. وسُميت
حادثة المعركة بالحرب العظمى، بينما كُتمت أحداثها عن الجميع، حفاظًا على توازن
السلام في العالم.
كُتب في التاريخ أن المعركة كانت مصيرية بين الخير
والشر، لكن لم يُذكر شيء عن الأجناس الأخرى، ولا عن السحر الذي سيطر على الأحداث. اتفق الحكّام الخمسة على كتم الأسرار حول حقيقة
وجود أجناسٍ غير البشر، كما أخفوا كل أثر للسحر من ذاكرة الناس.
كُتب أن أتلانتس مجرد أسطورة وحكاية لا أصل لها، و أن ميلانور
كانت محض خيال أشخاص فاقدين لعقولهم.
وهكذا، بعد مئات السنين، نسي الجميع ما حدث... لكن من يعرف أينما خُبئ السحر، ربما تظلّ همساته
تتسلل بين صفحات التاريخ، تنتظر من يكتشفها مجددًا.
لهذا السبب، يا
ولدي العزيز، لا أحد يعلم أنّ السحر موجود... بينما بقي فقط القليل من الساحرات مختبئات في
العالم، كما حدث في المكتبة القديمة.
كانت تلك ساحرات إيلينور... ويجب علينا نحن أيضًا أن نحافظ على سرّهنّ.
ألا تتفق معي،
يا أرين؟
لم أنتبه
كثيرًا لكلمات جدّتي، فكانت عيناي تتلألأ بقوّة، متوهّجة من جمال ما سمعت.
كانت أجمل قصةٍ سمعتها في حياتي.
رائعة...
همستُ بصوت
منخفض، محاولًا استيعاب كل كلمة.
لم أسمعك يا
ولدي… ارفع صوتك قليلاً.
رااااااااائعة...!
صرختُ بها
بأعلى صوتٍ سمحت به حنجرتي، حتى أطبقت جدّتي يدها على فمي، وهي تضحك من اندهاشي
الشديد، مندهشةً من الحماسة التي اجتاحتني.
أزحتُ يدها برفق.
ولكن يا جدّتي، من
هذا البطل الغامض؟
هل هي زينابا؟
لم لم يكتب التاريخ
عن زينابا؟
أين اختفت ذات العيون
القرمزيّة؟
من الفتاة التي
تتجوّل في الغابة؟
لم لم تخبريني عنها
حتى الآن؟
ذلك لأن...
حينها قاطع طرق الباب حديث جدّتي، وطلبت مني أن أحمل الكتاب وأذهب إلى
غرفتي، و أن ألتزم الصمت ريثما تصعد هي
إلى غرفتي.