نقش الخلود - اول ظل
اول ظل
.........
مرت السنوات ببطء فوق القرية الصغيرة،كما تمر الرمال فوق حجر منسي في قلب الصحراء.
كانت الأيام متشابهة عند الجميع؛
شروق شمس حارق،
عمل في الحقول،
أصوات مواشٍ،
وأحاديث بسيطة تنتهي مع الغروب.
إلا عند مراد…
فلم يكن هناك يوم يشبه الآخر.
منذ أن فتح عينيه على الدنيا، وهو يشعر أن شيئًا يسير بجانبه،
شيئًا لا يراه الناس،
ولا يسمعونه،
لكنه موجود.
أحيانًا كان يشعر بأنفاس باردة خلف عنقه.
أحيانًا يسمع همسًا عند أذنه، ثم يلتفت فلا يجد أحدًا.
وأحيانًا، حين ينظر إلى الأرض وقت الغروب…
يرى ظلين بدلًا من واحد.
كان في الثانية عشرة من عمره حين بدأ يفهم أن الأمر ليس خيالًا.
تربى مراد في بيت بسيط من الطين، عند طرف القرية،
مع امرأة تدعى "سلمى".
كانت هي من ربّته،
وهي الوحيدة التي لم تنظر إليه بخوف.
لم تخبره يومًا من أين جاء،
ولا لماذا وجدته رضيعًا ملفوفًا في قماش فاخر قرب الصحراء،
لكنها كانت كلما سألها، تتهرب.
"لما تكبر، هتعرف."
هكذا كانت تقول دائمًا.
وكان يكره تلك الجملة.
في صباح قائظ، خرج مراد إلى السوق يحمل سلة من التمر.
الناس هناك كانوا يعرفونه،
لكنهم لا يقتربون منه إلا عند الحاجة.
بعضهم يهمس إذا مر:
"ده الولد الغريب."
"عينه مش مريحة."
"أمه ماتت بعد ما ربّته بسنة."
"والراجل اللي ضربه زمان، اتشلّت إيده بعدها."
لم يكن يرد.
تعلم منذ صغره أن الصمت أقوى من الدفاع.
مرّ بين الدكاكين بخطوات هادئة،
حتى سمع صرخة.
طفلة صغيرة كانت تقف قرب عربة خشبية محملة بالأواني الفخارية،
والعجلة الخلفية بدأت تميل فوق حجر كبير.
لحظة واحدة…
وسوف تنقلب العربة فوقها.
كل من في السوق كان بعيدًا عنها.
ولا أحد انتبه.
لكن مراد رأى المشهد قبل أن يحدث بثوانٍ.
رآه كما يرى الناس انعكاسهم في الماء.
ركض دون تفكير،
أمسك الطفلة من ذراعها وسحبها بقوة.
في اللحظة نفسها، انقلبت العربة وتهشمت الأواني على الأرض.
عمّ الصمت.
الطفلة بدأت تبكي.
أمها ركضت تحتضنها.
ثم رفعت عينيها إلى مراد.
نظرة امتنان…
سرعان ما تحولت إلى خوف.
"إنت عرفت إزاي؟"
لم يجب.
ترك السلة ومشى.
وخلفه، بدأ الهمس من جديد.
عاد إلى البيت قبل الغروب.
كانت سلمى تعجن الخبز أمام الباب.
رفعت رأسها ما إن رأته.
"إيه اللي حصل في السوق؟"
تجمد في مكانه.
"مين قالك؟"
"القرية كلها بتتكلم."
دخل وجلس بصمت.
تبعته وهي تحمل رغيفًا ساخنًا.
وضعت الخبز أمامه، ثم جلست قبالته.
"مراد… لازم تبطل تلفت النظر."
رفع عينيه إليها.
"وأبطل أشوف؟"
سكتت.
"أنا بشوف حاجات قبل ما تحصل، يا سلمى.
بشوف ناس بتقع قبل ما تقع.
بشوف نار قبل ما تولع.
بشوف وجوه ما عرفهاش… بتناديني."
ارتجفت أصابعها.
"اسكت."
"ليه؟"
"عشان في حاجات لو اتقالت… تصحى."
حدق فيها طويلًا.
ثم قال بصوت منخفض:
"أنا مين؟"
سقط الصمت بينهما كحجر في بئر.
تجنبت النظر إليه.
لكنه كرر السؤال، هذه المرة بحدة:
"أنا مين؟"
رفعت عينيها أخيرًا… وكان فيهما خوف لم يره من قبل.
"إنت ولد ربنا كتبه يعيش."
"دي مش إجابة."
"ودي كل اللي هتاخده دلوقتي."
قام من مكانه بعنف وخرج.
كانت الشمس تموت خلف الجبال حين وصل إلى أطراف القرية.
هناك، حيث تبدأ الرمال،
كان المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالهدوء.
جلس فوق صخرة عالية،
يراقب الأفق.
ثم لمح شيئًا غريبًا.
رجل يقف بعيدًا وسط الصحراء.
ثابت.
لا يتحرك.
ملابسه سوداء،
ووجهه غير واضح.
نهض مراد.
حدق فيه.
الرجل رفع يده ببطء…
وأشار إليه.
ثم اختفى.
كأن الأرض ابتلعته.
تسارعت أنفاس مراد.
نزل من فوق الصخرة وركض نحو المكان.
لكن لم يجد شيئًا.
لا أثر قدم.
لا ظل.
لا أي علامة.
فقط… قطعة حجر نصف مدفونة في الرمل.
انحنى وأخرجها.
كانت لوحة صغيرة منقوش عليها رمز قديم:
👁️ عين داخل دائرة، وتحتها تاج مكسور.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
لا يعرف الرمز…
لكنه يعرفه.
كما يعرف الإنسان اسمه.
عاد ليلًا واللوحة معه.
كانت سلمى تنتظره عند الباب.
ما إن رأت الحجر في يده، حتى شحب وجهها.
"منين جبت ده؟"
"لقيته في الصحراء."
انتزعته من يده بسرعة.
"ارمه."
"ليه؟"
"عشان ده شر."
"إنتي تعرفيه؟"
لم تجب.
أخذت اللوحة ودخلت البيت،
ثم رماها في النار.
لكن ما حدث بعدها جعلهما يتجمدان.
النار… انطفأت.
تمامًا.
وبقيت اللوحة كما هي،
باردة… دون خدش واحد.
تراجعت سلمى وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
أما مراد…
فأدرك أن حياته بدأت تتغير بالفعل.
في تلك الليلة، لم ينم.
ظل مستلقيًا ينظر إلى سقف البيت الطيني.
حتى سمع الصوت.
همس قريب جدًا…
"مراد…"
انتفض وجلس.
الغرفة مظلمة.
"مين؟"
لا رد.
ثم جاء الصوت مرة أخرى، أوضح هذه المرة:
"ارجع."
"ارجع لفين؟"
لحظة صمت…
ثم:
"لبيتك."
وفجأة، ظهر ظل طويل على الجدار المقابل.
لم يكن ظل شجرة…
ولا إنسان واقف بالخارج.
كان داخل الغرفة.
يتحرك ببطء.
ثم امتد على الجدار حتى صار كهيئة رجل يلبس تاجًا.
تجمد مراد في مكانه.
الظل رفع رأسه…
وقال بصوت كأنه خارج من قبر قديم:
"القصر ينتظرك."
ثم اختفى.
وبقي مراد وحده…
وقلبه يدق بعنف.
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أن القرية الصغيرة لم تعد تكفي أسراره،
وأن الطريق إلى ماضيه… قد فُتح أخيرًا.
نهاية الفصل الثاني 🔥