خلف الباب الأبيض (صوت العارفين)
صوت العارفين
.........
ما إن سمع مايكل الصوت، حتى تجمّدت أطرافه.
رفع رأسه ببطء، وعيناه تمشطان الفراغ بين الأعمدة. للحظةٍ ظنّ أنه توهّم ثم تحرّك الظل.
كان خفيفًا في البداية، مجرد ارتعاشة على حافة البصر، ثم أخذ يتكاثف، كأن العتمة تُسحب خيوطها نحو نقطة واحدة. ومع كل نفسٍ يلتقطه بصعوبة، ازداد الشكل وضوحًا حتى وقف أمامه رجل.
لم يتقدم خطوة، ولم يرفع يده. كان ساكنًا على نحوٍ غير مريح، كأن السكون نفسه يطيعه. عيناه ثابتتان، حادتان، وفيهما شيء يجعل النظر إليهما مخاطرة.
ثقل الصمت بينهما.
ابتلع مايكل ريقه، وقال بصوتٍ خرج أضعف مما أراد: "إنت.... إنت مين؟ والمكان ده إيه؟"
لم يجب الرجل فورًا. مرّت لحظة بدت أطول من اللازم، ثم قال بصوتٍ هادئٍ عميق: "ليس السؤال: أين…. بل متى."
تجمّد المعنى على حافة الفهم في رأس مايكل. "يعني إيه متى؟ أنا بسأل أنا فين!"
أمال الرجل رأسه قليلًا، وكأن السؤال لا يستحق العجلة: "ومن قال إن المكان ثابتٌ كي تُسأل عنه بـ«أين»؟ أنت تقف عند عقدةٍ تتقاطع فيها الأزمنة."
ضاقت عينا مايكل، وازدادت أنفاسه اضطرابًا. "أنا مش فاهم حاجة"
تأخر الرد مرة أخرى. ثم قال الرجل: "وما من أحدٍ يصل إلى هنا صدفةً.
كل من وقف حيث تقف ... كان مدعوًّا.
وأنت..... " وتوقّف لحظة، كأنه يختبر وقع الكلمة "عدت."
ارتعش شيء في صدر مايكل. "عدت لإيه؟ أنا عمري ما شفت المكان ده!"
وقبل أن يأتيه ردّ، اشتعل الألم في كفّه.
شهق، ونظر إلى يده. العلامة الزرقاء أضاءت فجأة، كأنها قلب صغير ينبض تحت الجلد. وفي اللحظة نفسها، استجابت القاعة.
أخذت النقوش على الجدران تلمع، خطًا بعد خط، حتى امتد الضوء الأزرق في المكان كله. ارتجفت الأرض تحت قدميه، لا ارتجافًا عنيفًا بل نبضًا عميقًا، منتظمًا، كأن القاعة تستيقظ بعد سباتٍ طويل.
تسارعت ضربات قلبه. "إيه اللي بيحصل؟!"
لم يلتفت الرجل إلى اضطرابه. ظل يراقب، وفي صوته شيء من يقينٍ قديم: "لقد عرفك المكان."
اتسعت عينا مايكل. "أنا؟!"
أشار الرجل ببطء إلى رمزٍ على الجدار القريب: "اقترب."
تردّد مايكل. قدماه كأنهما عالقتان بالأرض، لكن شيئًا خفيًا داخله تحرّك. خطوة… ثم أخرى. حتى وقف أمام الرمز.
كان دائرةً غير مألوفة، تتفرع منها خطوط دقيقة تتحرك ببطء، كأنها ترسم نفسها من جديد كل لحظة.
مدّ يده. كلما اقترب، شعر بطاقةٍ تشدّه أكثر، لا بعنفٍ بل بإلحاحٍ صامت. وحين لامس السطح
اندفعت صعقة خفيفة عبر ذراعه.
انقطع نَفَسه.
ومضات انفتحت في رأسه:
جاك…..
وجوه أصدقائه…..
بوابة تتكوّن من ضوءٍ كثيف….
وظلٌّ هائل ينساب خلفهم كمدٍّ أسود….
ثم انطفأ كل شيء.
تراجع مترنحًا، وسقط على ركبتيه. راح يلهث، وكأن الهواء أثقل من أن يُستنشق.
"جاك….. أصدقائي... "
الكلمة خرجت من بين أنفاسه.
وعاد الصوت.
أقرب هذه المرة، كأنه يقف خلف كتفه: "إن أردت إنقاذهم… فعليك أن تفتح البوابة."
رفع مايكل رأسه بسرعة. "بوابة؟ بوابة إيه؟"
التقت عيناه بعيني الرجل. لم يتغير هدوؤه: "الثانية."
هزّ مايكل رأسه، يحاول أن يطرد الدوار. "أنا مش فاهم…. إيه مكان ده أصلاً؟"
تقدم الرجل نصف خطوة، ثم قال: "هذا ليس عالمًا بالمعنى الذي تعرفه.
إنه باب….. لكل العوالم.
بقايا نظامٍ شُيّد ليصل ما لا يُوصَل."
صمت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخفض: "والمفتاح…... لا يكون إلا حيًّا."
شعر مايكل أن الكلمات أكبر من أن تُمسك. حاول أن يقول شيئًا، لكن الهواء تغيّر.
ارتجف الضوء في القاعة.
وبينهما، في الفراغ، بدأت خيوط من نور تتجمع. دوامة صغيرة تكبر ببطء. امتدّت خطوطها، وانفتحت كحدقةٍ هائلة، حتى صارت بوابةً كاملة.
اندفع الضوء منها، أبيض مائل إلى زرقة، قويًّا إلى حدٍ يجعل التفاصيل تتلاشى حوله. تراجع مايكل خطوة. قلبه يخبط في صدره بعنف، والهواء صار كثيفًا، له طعمٌ معدنيّ خافت.
مدّ الضوء خيوطًا رقيقة لامست جلده، كأنها تتحسّس وجوده.
تجمّد مكانه. لا يسمع إلا دقاته.
وفي ذلك الصمت، تسلل صوتٌ خافت، لا يعرف من أين جاء: "هذه المرّة لن تجد من يُمسك بيدك."
التفت بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
اختفى الرجل كما ظهر.
بقيت البوابة وحدها، مفتوحة، نابضة بضوءٍ بارد.
تنتظره.