اللغة: العربية
الرئيسية اكتب ربح

البطيخ المتلألأ: الفصل الثانى

جاري التحميل...

الفصل الثانى

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بين جدران المستشفى الباردة، كان الصمت يطبق على صدر "يي تشان" لأول مرة في حياته. لم يعد هناك صدى لآلات الجيتار، ولا ضجيج الشوارع، ولا حتى صوت أنفاسه. كان يجلس على سريره، ينظر إلى النافذة بذهول، وكأن العالم أصبح فيلماً صامتاً فقد ألوانه فجأة.


​انفتح الباب بلهفة، ودخلت "تشونغ آه". كانت أنفاسها متسارعة، وعيناها اللتان لطالما كانتا هادئتين  تفيضان الآن بذعر مكتوم. لقد قطعت رحلتها مع والدها وعادت فور سماعها الخبر، لترى "يي تشان" –كتلة الطاقة والصخب– ساكناً كتمثال من رخام.


​توقفت عند حافة السرير. شعر "يي تشان" باهتزاز الأرض تحت قدميها، فالتفت إليها. لم يبتسم ابتسامته المعتادة التي كانت تملأ المكان ضجيجاً ومرحاً، بل ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، منكسرة، وحزينة جداً.


​رفع يديه ببطء، وبدأ يشير بلغة إشارة كانت لا تزال ثقيلة على أصابعه التي اعتادت الأوتار:
"لقد أصبحتُ مثلكِ الآن يا تشونغ آه.. رحل الصخب، ورحلت الموسيقى. لم يعد لديّ صوت مشرق أهديكِ إياه."


​نزلت دموع "تشونغ آه" كشلال صامت. كان قلبها يعتصر وهي تراه يحاول الاعتياد على هذا الفراغ الموحش. اقتربت منه، وأمسكت يديه المرتجفتين بقوة، ثم بدأت تشير بعينين تلمعان بتصميم يفوق الألم:"يي تشان، انظر إليّ. أنت لم تفقد صوتك، لقد انتقل صوتك من حنجرتك إلى قلبك. لطالما كنتَ أنت من يسحبني إلى عالمه المليء بالألحان، والآن.. جاء دوري لآخذك إلى عالمي."


​توقفت للحظة، ثم أكملت ببطء وحنان:- عالمي ليس مظلماً كما تظن... الصمت الذي تخاف منه سأعلمك كيف تسمع فيه دقات قلبي...  سأعلمك كيف تقرأ الكلمات في عينيّ، وكيف تشعر بالموسيقى في لمساتنا. لن يفرق بيننا شيء مجدداً، لأننا الآن نتحدث اللغة ذاتها.. لغة الروح التي لا تحتاج حنجرة لتصل."


​شعر "يي تشان" بغصة في حلقه؛ كلمات "تشونغ آه" لم تكن مجرد إشارات، بل كانت طوق نجاة في بحر الصمت الذي كاد يغرقه. ارتجفت يديه واهتزت نظراته بين الألم الذي يعيشه والأمل الذي تقدمه له هذه الفتاة الرقيقة.


​بذلت "تشونغ آه" كل قوتها لتبدو متماسكة. وضعت يدها على صدره، حيث ينبض قلبه بقوة، وأشارت له:
"هنا.. هنا تعيش الموسيقى الحقيقية، وسأظل بجانبك حتى تعزف أجمل ألحانك من جديد، لكن هذه المرة.. سنعزفها معاً."


​لم يحتمل "يي تشان" أكثر، فجذبها إليه في عناق طويل، دافئ، ومبلل بالدموع.. احاطته تشونغ اه بقوة وسالت دموعها وهى تشعر بخفقان قلبه المضطرب 


 في تلك اللحظة، وسط سكون غرفه المستشفى، لم تكن هناك حاجة للكلام. كان جسداهما يرتجفان معاً، في إيقاع واحد، يعلن بداية حياة جديدة، حيث الصمت عالمهما الصغير.. بعيدا عن صخب العالم الواسع.. 
............................... 


في صباح اليوم التالي، لم يستطع "هان جيول" التخلص من ملامح شقيقه المنكسرة على مائدة العشاء... تبادل نظرة سريعة مع "أون يو" التي كانت تفهمه دون كلام، وقررا التوجه إلى الجامعة سراً.. 


​كانا يسيران بين ممرات الجامعة الواسعة، يختبئان خلف الأشجار تارة وخلف أعمدة المباني تارة أخرى، يرقبان "إيون هو" من بعيد وهو يسير وحيداً، يحمل كتبه ويحاول أن يبدو طبيعياً، لكن جسده كان مشدوداً كوتر كمان على وشك الانقطاع.. 


​أون يو (توشوش في أذن جيول): "انظر، إنه يتجه نحو الكافتيريا الخلفية، لماذا يختار مكاناً معزولاً هكذا؟"
​جيول (بقلق): "إنه يهرب من الأنظار.. كأنه يحاول أن يختفي."


​فجأة، تعالت ضحكات مستفزة من زاوية الكافتيريا. كانت نفس "الشلة" التي سخرت منه في يومه الأول، تحيط به الآن في مكان شبه خالٍ. وقف "كيم"، الشاب الذي كان يرتدي أغلى الملابس، أمام "إيون هو" وبدأ يلوح بيديه بحركات عشوائية وغبية، مقلداً لغة الإشارة بشكل ساخر.. 


​كيم (بصوت عالٍ وسط ضحكات رفاقه): "يا صاح، هل تفهمني الآن؟ أم أحتاج لأن أرقص لكي تستوعب؟ أخبرنا.. كيف تطلب قهوتك؟ هل تنبح أم تومئ برأسك؟"


​توقف "إيون هو" تماماً. كان يحاول الحفاظ على كبريائه، لكن قبضتيه المشتدتين على كتبه كشفتا عن بركان من الغضب المكبوت. حاول العبور من بينهم، لكن "كيم" اعترض طريقه ودفعه بخفة في صدره، مما أسقط كتبه على الأرض.. 


​فتاة من المجموعة (بضحكة باردة): "يا إلهي، يبدو أنه لا يسمع ولا يملك رد فعل أيضاً.. هل هو مصنوع من الخشب؟"


​من خلف شجرة قريبة، كان "هان جيول" يرتجف غضباً.. ملامحه تغيرت تماماً، وعيناه التي كانت دائماً حالمة، أصبحت الآن كالجمر المتوقد. أراد الاندفاع فوراً، لكن "أون يو" أمسكت بيده بقوة وهي تهمس: "انتظر يا جيول، ليس هكذا.. علينا أن نلقنهم درساً لن ينسوه دون أن نسبب مشاكل لإيون هو".


​لكن عندما رأى "جيول" شقيقه ينحني بمرارة ليجمع كتبه بينما يضع "كيم" قدمه فوق أحد الدفاتر بسخرية، لم يعد قادراً على الاحتمال. أفلت يده من "أون يو" وخطا خطوات واسعة نحوهم، وصوته الجهوري شق سكون المكان كصاعقة:​"ارفع قدمك القذرة عن هذا الدفتر.. الآن!"




​التفت الجميع بصدمة نحو "جيول" الذي كان يقف بذكاء وهيبة، وخلفه "أون يو" التي أخرجت هاتفها وبدأت بتصوير المشهد ببرود وثقة. تلاشت الضحكات فجأة عندما رأوا ملامح الغضب الحقيقي على وجه هذا الغريب الوسيم.. نظر لهم جيول بغضب وتمتم من بين اسنانه:-أيها الأوغاد لما تضايقون ايون هو؟؟ 


​نظر "إيون هو" إلى شقيقه بعينين ملأتهما الدهشة والخجل، بينما كان "جيول" يتقدم بخطوات ثابتة، واضعاً يده على كتف شقيقه، وهو ينظر لـ "كيم" بتحدٍ لم يره الأخير في حياته.


​جيول (بنبرة منخفضة ومرعبة): "أخي لا يسمع تفاهاتكم، لكنني أسمعها جيداً.. وأعدكم أن الجامعة كلها ستسمع عنها اليوم.. 


................................ 


"بعد انصراف المتنمرين، يسود صمت ثقيل. يسير "إيون هو" بخطوات سريعة محاولاً الهروب من نظرات الشفقة، لكن "هان جيول" يلحق به ويمسك بكتفه ليوقفه. يلتفت "إيون هو" بملامح حادة، لكن سرعان ما تنهار قسوته عندما يرى القلق الحقيقي في عيني شقيقه.. 
​
يجلسان على مقعد خشبي قديم. يضع "إيون هو" رأسه بين يديه لفترة، ثم يبدأ في تحريك يديه بلغة إشارة بطيئة ومرتجفة، وعيناه ممتلئتان بدموع يحبسها بكبرياء.. 
​إيون هو (بلغة الإشارة): "لماذا أتيت يا جيول؟ لماذا كان عليك أن تشاهد ذلك؟"


​جيول (يشير بسرعة وعاطفة): "كيف لا آتي؟ أنت أخي! هؤلاء الحثالة يحتاجون لمن يوقفهم عند حدهم، ولا يهمني من يشاهد."


​يهز "إيون هو" رأسه بأسى، ثم ينظر لشقيقه بنظرة مليئة بالانكسار لم يظهرها من قبل.


​إيون هو (يشير ببطء): "لقد سئمت يا جيول.. سئمت من كوني 'الأخ الأكبر الذي يحتاج دائماً من يحميه'. منذ صغرنا وأنت تترك ألعابك، تترك جيتارك، تترك حياتك لتكون أذنيّ التي أسمع بها.. واليوم، تترك جامعتك لتركض خلفي وتدافع عني."


​(يتوقف "إيون هو" ليمسح دمعة خانته وسقطت، ثم يكمل بقلب مكسور):"لا أريد أن أستمر في الدفاع عني، ولا أريد أن تعيش حياتك من أجلي. عليك أن تعيش لنفسك، لموسيقاك، لـ 'أون يو'.. أنا لا أريد أن أكون حملاً ثقيلاً يمنعك من الطيران. كلما رأيتك تدافع عني، شعرت بصغري، شعرت أن إعاقتي تسجنك أنت أيضاً."


​يتجمد "هان جيول" مكانه. لم يتوقع أبداً أن شقيقه يحمل كل هذا الذنب في قلبه. يقترب منه ويغلق يدي شقيقه بين يديه بقوة


​جيول (يشير بعينين دامعتين ولكن بنبرة قوية): "أنت لست حملاً يا إيون هو.. أنت أخي. أنا لا أحميك لأنك لا تسمع، أنا أحميك لأنك الشخص الذي علمني كيف أحب العالم دون كلمات. إذا كان العالم غبياً بما يكفي ليرى صمتك ضعفاً، فهذا ذنب العالم، ليس ذنبك.


​إيون هو (يبتسم ابتسامة حزينة ويشير بصوت داخلي يفيض بالتعب): "فقط.. اتركني أحاول السقوط والنهوض وحدي هذه المرة يا جيول. أريد أن أعرف من أنا بعيداً عن حمايتك.


​ينظر الأخوان لبعضهما البعض، في لحظة صدق نادرة. تغرب الشمس وتترك ظلالهما متعانقة على الأرض، في مشهد يمزج بين ألم الأخ الكبير الذي يريد الاستقلال، وحب الأخ الصغير الذي لا يعرف كيف يتوقف عن الاهتمام.. 


فى تلك الليلة اصبح القمر قمران وكانه يستعد لفتح بوابة الزمن للشقيقين مجددا... 


يتبع.......
               
×
يتم التحقق من حالة حسابك..

مرحباً في شركاء Novlay

يتم احتساب أرباحك هنا بشفافية تامة بناءً على الزيارات الفعلية لرواياتك.

الزيارات الكلية 0
الـ CPM الحالي $0.00
الأرباح المتاحة للسحب $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • هام: لا يتم احتساب الزيارات التي يقوم بها التطبيق للترويج لرواياتك بشكل ذاتي في المنصات التابعة لنا.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها وقت التسجيل.

إحصائيات الشهر الحالي ()

الرواية / المنشورالزيارات
جاري جلب الإحصائيات...
اليومعدد الزيارات

Sent successfully!

"تم استلام طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح بنجاح. الطلب قيد المراجعة حالياً."

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

You must Login

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابك الموثق للمتابعة وتقديم طلبك للانضمام إلى برنامج الأرباح."

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.