العودة ليست خياراً (الفصل الأول)
العودة ليست خياراً
دخلتَ المنزل… ظنًّا أنه فرصة. لكن الأصوات في الأسفل تعرف اسمك… والظلال لا تعكسك كما يجب. هناك شيءٌ ينتظر. لا يريد قتلك… بل أن يصبح أنت. الهروب وهم… والخروج خدعة… لأن الحقيقة الوحيدة: العودة ليست خيارًا. 👁️🩸
لم يكن كريم يدرك، وهو يعبر ذلك الشارع الضيق في ساعة متأخرة من الليل، أن خطوته التالية ستفصله إلى الأبد عن حياته السابقة. كان التعب يثقل جسده، والهزيمة تسكن عينيه، حتى غدا لا يميز بين الرغبة في النجاة، والرغبة في الاختفاء. لم يعد يبحث عن فرصة جديدة، بل عن مكان يختبئ فيه من نفسه.هناك، على عمود إنارةٍ باهت، لمح ورقة صغيرة تتمايل مع الهواء. اقترب منها دون اهتمام، لكن الكلمات القليلة المكتوبة عليها شدّت انتباهه رغمًا عنه:
"منزل للإقامة… دون مقابل."
لم يكن في العبارة ما يُغري، بل ما يُريب. ومع ذلك، لم يستطع أن يصرف نظره. أحس بشيءٍ خفيّ يجذبه، كأن الإعلان لم يكن موجّهًا للعامة، بل إليه وحده.
تبع العنوان.
كان الحيّ غارقًا في سكونٍ ثقيل، كأن الزمن توقف فيه منذ سنوات. البيوت متداعية، النوافذ معتمة، والهواء بارد على نحو غير طبيعي. وعندما وصل، أدرك فورًا أي منزلٍ هو المقصود.
لم يكن الأجمل… بل الوحيد الذي بدا حيًّا.
وقف أمام الباب للحظات، يتأمله. لم يكن قد طرق بعد، لكن الباب انفتح ببطء، كأنه يرحّب به.
تراجع خطوة.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال في نفسه:
"وما الذي قد أخسره أكثر مما خسرت؟"
ودخل.
ما إن اجتاز العتبة، حتى شعر بأن العالم خلفه قد انقطع. لم يعد يسمع شيئًا من الخارج. الصمت داخل المنزل لم يكن غيابًا للصوت، بل حضورًا طاغيًا له، حتى صار وكأنه كيانٌ مستقل.
كان الأثاث بسيطًا، مرتبًا بعناية، كأن أحدهم يغادر المكان لتوّه. لا غبار، لا فوضى، لا أثر للحياة… ولا للموت.
في منتصف الغرفة، وُضعت ورقة.
اقترب منها ببطء، وقرأ:
"لا تنزل إلى الأسفل بعد منتصف الليل.
إذا سمعت صوتًا يناديك، فلا تُجب.
إذا رأيت انعكاسك يتحرك دونك، فأغلق عينيك.
إذا فُتح الباب من تلقاء نفسه… فلا تقترب.
الخروج ممكن… لكن العودة ليست خيارًا."
توقّف عند الجملة الأخيرة.
قرأها مرة أخرى.
شعر بشيءٍ بارد ينساب في صدره، لكنه سرعان ما طرده بابتسامة ساخرة. ألقى الورقة جانبًا، وجلس، محاولًا إقناع نفسه أن الأمر لا يعدو كونه مزحة ثقيلة.
مرّ الوقت ببطء.
ومع اقتراب منتصف الليل، بدأ القلق يتسلل إليه دون سبب واضح. لم يحدث شيء، ومع ذلك كان يشعر أن شيئًا ما يقترب.
عند الساعة الثانية فجرًا…
سمع الصوت.
طرقٌ خافت.
توقف.
ثم تكرر… ببطءٍ أشد.
كان يأتي من الأسفل.
من خلف بابٍ لم يكن قد انتبه إليه من قبل.
نهض.
تردّد.
تذكر ما قرأه… ثم تجاهله.
قال لنفسه:
"مجرد صوت… لا أكثر."
لكن قدميه تحركتا رغمًا عنه.
اقترب من الباب، ووضع يده على المقبض. كان باردًا كأن لا روح فيه. فتحه، فظهر سلمٌ ضيق ينحدر إلى ظلامٍ كثيف.
بدأ النزول.
درجة… ثم أخرى…
حتى اختفى الضوء خلفه.
وفي منتصف السلم… توقف الصوت.
ساد صمتٌ مطبق.
ثم…
من خلفه مباشرة…
سمع صوته.
صوته هو.
"لا تكمل."
استدار بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
عاد ينظر إلى الأسفل.
كان عليه أن يعود.
كان عليه أن يغلق الباب ويصعد.
لكنه لم يفعل.
واصل النزول.
وعندما وصل، وجد بابًا قديمًا في نهاية السلم، كأن الزمن قد نسيه. لم يكن يحمل رقمًا… بل أثر يدٍ مطبوعة عليه، كأن أحدهم حاول الخروج… وفشل.
مدّ يده.
فتح الباب.
لم يكن ما خلفه قبوًا.
بل ممرًا طويلًا، يمتد في عمقٍ لا يُرى. جدرانه مغطاة بكتاباتٍ متداخلة، بعضها واضح، وبعضها ممحوّ، لكنها جميعًا تحمل المعنى ذاته:
"لا تثق بما ترى."
"لقد خرج… لكنه لم يعد هو."
"إنه يعرف صوتك."
شعر بأنفاسه تضيق.
ثم رآه.
في نهاية الممر…
شخصٌ يقف.
ساكن.
رأسه مائل بزاوية غير بشرية.
وببطء…
رفع وجهه.
وابتسم.
وقال بصوتٍ هادئ:
"تأخرت."
تراجع كريم خطوة.
ثم أخرى.
ثم استدار وركض.
صعد السلم، وأغلق الباب خلفه بعنف، وقلبه يكاد ينفجر من صدره. ظل واقفًا، يحاول أن يلتقط أنفاسه، أن يقنع نفسه أن ما رآه لم يكن حقيقيًا.
لكن عندما رفع رأسه…
تجمّد.
كان هناك شخص يقف أمامه.
في منتصف الغرفة.
ينظر إليه.
نفس ملامحه.
نفس وجهه.
لكن بعينين فارغتين… وابتسامة لا تنتمي إلى البشر.
تحدثت النسخة الأخرى منه بصوتٍ هادئ:
"الآن… يمكنك أن ترتاح."
وقبل أن يتحرك، شعر بشيءٍ يمسكه من الخلف، يسحبه إلى الأسفل. الأرض تحته لم تعد صلبة. الظلام ابتلعه، كما لو أن المنزل نفسه قرر مصيره.
وفي اللحظة التي اختفى فيها…
حلّ الصمت.
عاد كل شيء كما كان.
ساكنًا.
هادئًا.
كأن شيئًا لم يحدث.
وفي الأعلى…
كان هناك من يقف.
ينظر حوله بهدوء.
يتنفس بعمق.
ثم يبتسم.
لم يكن كريم.
لكنه… يشبهه تمامًا
وفي الخارج، على نفس عمود الإنارة…
كانت ورقة جديدة تتمايل مع الهواء.
بانتظار…
الساكن التالي