لعنة الحلم العاشر (الغابة التي إختارتها 2)
الغابة التي إختارتها 2
.........
هذا… غير منطقي." قالتها هذه المرة بصوتٍ أكثر صرامة، وكأنها تحاول إعادة الأمور إلى منطقها الطبيعي، لكن ذلك لم يغيّر شيئًا، بل على العكس، بدا وكأن المكان… لا يهتم بمنطقها، وهي في أعماقها، لم تعد تبحث عن المنطق، بل بدأت تخشى… ما قد يعنيه غيابه.
"هل من أحد هنا؟"
خرج صوتها هذه المرة أعلى قليلًا.
وفي تلك اللحظة، حدث التغير الأول.
حركة خفيفة، بالكاد تُسمع، خلفها، استدارت بسرعة، وقد ارتفعت وتيرة أنفاسها دون أن تقصد، ورأته، "غزال."
لكن ليس كأي غزال، هذا الوصف لم يكن كافيًا،
جسده لم يكن من لحمٍ ودم، بل من ضوءٍ أزرق، متوهج، نابض، كأنه قطعة من السماء سقطت على الأرض ولم تمت، عيناه…لم تكونا عيون حيوان، بل…وعي عميق صامت، مخيف في هدوئه.
تأملته في صمت، ولم تشعر بالخوف، وهذا ما أقلقها، إذ كان من الطبيعي، بل من المتوقع، أن تشعر بالخوف في موقف كهذا، لكن ما شعرت به كان شيئًا آخر…
شيئًا أقرب إلى الفضول، ممزوجًا بألفةٍ غير مبررة.
"ما هذا…؟" همست.
اقترب الغزال منها ببطء، خطواته واثقة، هادئة، وكأنه لا يرى في وجودها أمرًا يستدعي الحذر، أو ربما…ليس جديدًا عليه هذا الموقف.
وهنا، وجدت نفسها أمام صراعٍ لم تعتده، جزءٌ منها أراد التراجع فهذا، بلا شك، موقف غير طبيعي.
لكن جزءًا آخر…
جزءًا أكثر هدوءًا، وأكثر إصرارًا دفعها إلى البقاء.
بل… إلى الاقتراب، رفعت يدها وترددت.
لم يكن التردد نابعًا من خوفٍ واضح، بل من إحساسٍ غامض بأن هذه اللحظة مهما بدت بسيطةقد تكون ذات أهمية لا يمكن التراجع عنها.
ومع ذلك…لم تسحب يدها، لمسته، كان دافئًا، لكن ليس دفئًا جسديًا فحسب، بل ذلك النوع من الدفء الذي يوقظ شعورًا قديمًا، يصعب تحديده، كأنها لامست شيئًا تعرفه… دون أن تتذكره، ابتسمت قليلًا لأول مرة منذ وقت طويل و أغمضت عينيها للحظة.
"هل قرأتِ ذلك الكتاب؟"
تجمدت، فتحت عينيها ببطء، لم يتحرك فم الغزال.
لكن الصوت… كان واضحًا، واضحًا أكثر مما ينبغي.
"أنت…"صوتها انكسر "تتحدث؟"
يكن السؤال كاملًا، فما حدث بعد ذلك لم يمنحها فرصة لإكماله، إذ إن الضوء الذي شكّل جسد الغزال بدأ يتغير، يزداد كثافة، ثم يتلاشى تدريجيًا…حتى لم يبقَ منه شيء.
وبدلًا منه… حلّ مكان الغزال شاب طويل القامة، بملامحٍ تميزت بوسامةٍ هادئة وعينين زرقاوين تحملان قدراً من الغموض يكفي لإثارة حيرة حيٍّ بأكمله.
حدقت فيه، غير قادرة على استيعاب التحول.
وهو
لم يكترث الشاب لذهولها،و لم يبدُ عليه أي اندهاش، ولا أي استعجال، بل ظل يرمقها بنظرةٍ باردة كالموت، واقف، هادئ، كأنه لم يأتِ للتو… بل كان موجودًا منذ البداية.
تراجعت هانا أكثر.
ما هذا؟! يا إلهي… كيف ؟! أنت لست غزال!"
نظر إليها الشاب بهدو، هدوءٍ لم يكن مريحًا، وكانت نظرته… أسوأ من كل شيء، لم تكن حادة، ولا عدائية، بل هادئة، هادئة أكثر مما ينبغي.
كأنها تعرف كل ما ستقوله… قبل أن تقوله.
'هل قرأتِ الكتاب؟'كرر السؤال، بنبرةٍ لم تحمل فضولًا… ولا شكًا، بل شيئًا أقرب إلى التوقع.
ترددت، لم يكن السبب جهلها بالإجابة،
بل شعورها بأن الإجابة أيًا كانت قد لا تكون في صالحها.
"أنا… لا أعلم."
قالتها أخيرًا، لأنها لم تكن متأكدة، هل قرأت؟ أم… استجابت؟
وكان في صوتها صدقٌ لم تحاول إخفاءه.
لم يعلّق فورًا، بل ظل ينظر إليها، وكأنه يزن كلماتها… أو ربما ما وراءها.
ارتبكت ثم اكملت"أنا… لا أعلم أي كتاب تقصد…"
"إن لم تقرئيه… فكيف دخلتِ إلى هنا؟"
هل تقصد الكتاب الذي كان أمام منزلي؟
"نعم. هو ذاته."