ملكٌ على حافّة العدم نهاية حياة و بداية أخرى
نهاية حياة و بداية أخرى
.........
…
…
همساتٌ ترتفع...
إيلينور...
إيلينور...
إيلينور، هيا استيقظ...
فتحتُ عينيّ بصدمة.
أول ما رأيته كان ضوء السماء، وأشعة الشمس تخترق أوراق
الشجر و تسقطُ على وجهي. نهضتُ بحذر. لا أتذكّر ما حدث، ولا كيف وصلتُ إلى هذا المكان.
لكنني، لسببٍ غامض، وضعتُ يدي على صدري.
حرارةٌ غريبة...
لا أثر للجرح.
اختفى وكأنّه لم يوجد يومًا.
جسدي نظيف... ولا
وجود لأيّ إصابة.
عيني... " "
وضعتُ يدي بسرعة على عيني، ولكن... كنتُ أرى بكلتا عينيّ.
ما الذي يحدث؟ " "
" لقد كنتُ ميتًا منذ قليل... "
كيف ما زلتُ على قيد الحياة؟ ""
ولِمَ اختفت جميع جراحي؟ " "
ثم سمعتُ صوت مياهٍ تجري. تتبّعتُ الصوت حتى وصلتُ إلى بحيرةٍ صغيرة.
اقتربتُ منها، وجلستُ قرب الماء لأروي جسدي.
حينها… رأيتها.
عيني اليمنى كانت زرقاء صافية، بينما الأخرى بنيّة هادئة.
ماذا حصل؟ ""
لماذا عيني زرقاء؟ ""
ما الذي يحدث هنا…؟ " "
حينها سمعتُ صوتًا قادمًا من خلفي. نظرتُ نحو مصدره، لكن لم أجد شيئًا.
ثم مجددًا...
سمعتُ الصوت نفسه من جانبي. التفتُّ بسرعة، ولم أجد
شيئًا.
ثم مرةً أخرى...
صدر الصوت من جانبي الآخر.
لا شيء.
ما الذي يحدث…؟ "
"
ثم سمعتُ الصوت مجددًا، لكن هذه المرة… شعرتُ به ينبعث من
داخلي. نظرتُ إلى الماء أتأمّل ملامحي، وحينها
رأيتُ عيني الزرقاء تومض. اقتربتُ أكثر من
سطح الماء، ثم رأيتها تومض بقوة أكبر.
عندها... تحدّث للمرة
الأولى.
هل أعجبتك عينك الجديدة؟ "
"
قالها ذلك الصوت.
من أنت؟ " "
ما الذي حصل لي؟ " "
لماذا عيني زرقاء؟ " "
"
وأين اختفت الجروح في جسدي؟ "
نطق ذلك الصوت:
بالفعل… لقد كنتَ ميتًا، وخسرتَ عينك. وجدتُك تلفظ أنفاسك الأخيرة، وجسدك مضرجًا
بالدماء. لكن… شعرتُ بها، تلك النية
الشريرة في قلبك.
لقد كنتَ تتحدّث مرارًا عن الانتقام والثأر. فعالجتُ جسدك، وأصلحتُ قلبك.
أدعى كايسر. "
"
كنتُ فيما مضى حاكم الشر في الأرض المظلمة. لكنني تعرّضتُ
للخيانة على يد أتباعي، ونُفيتُ إلى هذا المكان حتى تحجّر جسدي... غير أن قلبي ظلّ يحترق طلبًا للانتقام.
انتظرتُ آلاف السنين، حتى سقطتَ أنت هنا.
شعرتُ بضراوة مشاعرك، فوهبتُك قلبي، وأصلحتُ عينك بقوتي.
أنا الآن أنت... ""
وأنت أنا. " "
أصبحنا نتشارك الوعي والذكريات... وكذلك القوة. ""
اتّسعت عيناي وقلتُ مذهولًا:
قوّة…؟ " "
تابع كايسر حديثه:
إيلينور.... ""
اسمك يمثّل الضوء في عالمك، بينما اسمي يمثّل الظلام في
عالمي.
أريدك أن تنتقم ممن سلب منك هذا الضوء. لقد فات أوان انتقامي، لكنني هذه المرة لن أسمح
بتكرار ما حدث معك.
إيلينور...
استعدّ لتغوص في ذاكرتي.
حينها شعرتُ بكهرباءٍ صاعقة تسري في أطرافي، وارتفعت حرارة
جسدي بسرعة. غاص عقلي في ذكريات كايسر، كما
لو أنني خضعتُ لتنـويمٍ مغناطيسي.
رأيته...
كان يتدرّب يوميًا على السيف لألف عام، حتى أصبح جسده قويًا
منيعًا. درس طقوس السحر والفنون القتالية منذ نعومة أظافره، حتى صار الحاكم الأقوى
في أرض الظلام.
والآن...
كل هذه المعرفة انتقلت إليّ.
بدأت جسدي يصبح أكثر خفةً و رشاقةً، بينما أصبح عقلي أكثر صلابة. تزامنت نبضات قلبه مع نبضات قلبي،كأن كلًّا منا مستقل، ومع
ذلك… نتشارك القلب ذاته.
بدأت ذكرياتي السعيدة مع والديّ تصبح ضبابية، وكأنها خُتمت في
عمقٍ سحيق. في المقابل، بدأت مشاعر الشر
والظلام تسيطر على قلبي. لم أتردد....أردتُ
القوة. أردتها أكثر من أي شيءٍ في العالم.
بعد لحظات، هدأ كل شيء. نظرتُ مجددًا إلى الماء. ملامحي أصبحت أهدأ... بل في الحقيقة، أكثر حدّة وبرودة. تغيّر لون شعري قليلًا، وأصبحت أطرافه رمادية. ثم شعرتُ بها... تلك القوة التي لا تُقهر،تتسرّب في كل خليّة من
جسدي. كان صوت كايسر قد هدأ أخيرًا، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
شكرًا لك كايسر... "
"
سأحرص على القضاء على كل من يقف في طريقي. "
"
نهضتُ، وتابعتُ سيري نحو المكان الذي سقطتُ فيه.
حبنما وصلت، نظرتُ إلى الأعلى، ثم انحنيتُ وقفزتُ نحو حافة
الجرف. وفي غمضة عين، وجدتُ نفسي واقفًا
في المكان الذي تعرّضتُ فيه للتعذيب على يد ذلك القبيح. تذكّرتُ الجروح التي سبّبها لي ذاك الغريب ، ثم
تذكّرتُ صديق أبي ....
أسيلاف
عليّ أن أجده بسرعة.
أغمضتُ عينيّ، وشحذتُ حواسي لأشعر بمن حولي. حينها سمعتُ صوت
ضحك هستيري.
رأيتهم...
كانوا أولئك المطاردين يضحكون فيما بينهم. وهناك... كان ذلك القبيح يقف أمام شخصٍ ينزف بغزارة.
أسيلاف... ""
فتحتُ عينيّ، وانطلقتُ بأقصى سرعتي نحوهم. في غمضة عين، نزعتُ رؤوس المطاردين دون أن يدركوا
ما حدث، و بعدها اختفيتُ مجددًا. نظر
القبيح إلى ما حوله مذعورًا، لم يفهم ما جرى. ثم ظهرتُ أمامه. قفزتُ نحوه، وضعتُ يدي على وجهه، وسحقتُ رأسه في
التراب.
ما… ماذا… حدث؟ "
"
قالها بشقّ الأنفاس، وعيناه تحدّقان في عينيّ بذهول.
لم أقتله...
تركته ينهض مجددًا، وكان الخوف والفزع واضحين على ملامحه. ركع أمامي، وبدأ يتوسّل:
أ… أرجوك أيها الصغير… لا تقتلني. ""
اعفُ عني. " "
لم أكن أنا من قرّر قتل عائلتك... " "
كنتُ فقط أنفّذ الأوامر. " "
هم... " "
نعم، هم! " "
أعضاء مجلس العشيرة هم السبب. لقد أرادوا قتلك ووالديك حتى لا تجلبوا العار
للعشيرة. مملكة البشر أيضًا متواطئة في
هذا...
اقترب مني ذاك القبيح وبدأ يلمس حذائي، ثم تابع قائلًا:
أرجوك، أعفُ عني... " "
لقد كنتُ أحمقًا في أفعالي. " "
أرجو…ك.... ""
أحنيتُ رأسي حتى أصبحت
عيني مقابل عينيه، وجعلته يحدّق في عيني الزرقاء، قبل أن يبتلع الخوف قلبه. رفعتُ يدي نحو قلبه، وأخرجته من مكانه، ثم
حطّمته حتى تناثر في الهواء مثل الرماد.
سقط ذاك القبيح بكل سهولة...
اقتربتُ من أسيلاف بعدما هدأت الأوضاع
و احنيتُ رأشي لأأصبح أقرب إليه. لم يكن أسيلاف يمتلك وقتاً كثيراً. لقد خسر كمّأ
كلبراً من الدماء. تحدّث
أسيلاف بينما الدماء تتدفّق من فمه بلا توقّف:
لا بد أن ثورين كان ليكون فخورًا بك الآن... "
إيلينور… كن قويًا دائمًا، ولا تدع القوة تعمي قلبك
فيصبح مظلمًا.
والدتك لن تكون سعيدة حينما تراك بهذا الظلام الذي يبتلع
قلبك. "
رفع أسيلاف يده نحوي ثم قال:
أرجوك، إيلينور… اجعل هذا العالم مكانًا أفضل. "
"
ثم سقطت يده، واختفى البريق من عينيه.
العالم...!! ""
قلتها في نفسي...
سأقضي على كل من يقف في طريقي. أدرتُ جسدي، ثم تابعتُ مسيري نحو وطن أبي، لأقضي
على عشيرة النار.
بعد شهرين...
وجدتها...
كانت مدينة
النار و المكان الذي تربّى به والدي في صغره محميّاً بين الجبال، بعيدة عن كل
أشكال الحياة. استطعتُ إيجادها بفضل قدرات كايسر الخارقة.
كنتُ أسافر مع مجموعة من التجار، أخفي هويتي بينهم حتى لا
يعرفني أحد. دخلتُ المدينة بكل سهولة،
فالحراس لم يجدوا شيئًا يثير ريبتهم على متن القافلة. كانت رائحة الخمور تفوح في الهواء، والضحك
الهستيري يرتفع بلا توقّف.
النساء يرقصن في الأرجاء، والرجال يهتفون لهن، بينما كان
الضعفاء يتقاتلون من أجل النجاة داخل حلبات قتال صُنعت لتسلية من يملكون القوة
والمال، إلى أن وقعت عيني على شيءٍ أعاد ذكرياتي مجددًا...
كانت عائلة صغيرة تستنجد بأحد الحراس حتى لا يأخذ ولدهم الصغير.
كان يصيح عليهم ويركلهم كي يتركوه، وحين تمسّك الوالدان
به بقوة، طعنهم برمحه وزهق روحيهما.
بدأ الصغير بالبكاء وهو يمسك يد والدته. تابعتُ سيري بلا ردة فعل، كأن الأمر لا يعنيني. ثم وقف رجلٌ ضخم أمامي، وأحنى رأسه لينظر في
وجهي.
أنت أيها الصغير...
" "
ما رأيك أن تصبح إحدى جواريّ؟ "
"
أنت جميلٌ للغاية على أن تصبح رجلًا... "
"
ما رأي…ك... "
"
أخرجتُ سيفي القصير، وأدخلته في رأسه بهدوء وسرعة حتى تحرج
بعيداً عن جسده. صُعق الجميع، وبدأوا في الصراخ والهرب. اندفع الحراس نحوي،
يصرخون ويشهرون سيوفهم ورماحهم في وجهي:
ألقِ سلاحك أيها الغريب، واستسلم فورًا!! " "
ابتسمتُ بلا تردد، فازدادت حيرتهم، ثم قلت:
احترقوا جميعًا. " "
خرج ضوءٌ شديد من جسدي، وأحدث انفجارًا هائلًا محا كل شيء.
أصبحت المدينة ذكرى منسيّة.
كل شيءٍ مات...
شعب المدينة...
الأبرياء...
الصغار...
العجائز...
الحيوانات والطيور...
أحرقتهم جميعًا.
لم أشعر بشيء. أردتُ
فقط القضاء على كل ما أمامي. عشيرة النار
كانت عبئًا على هذا العالم بقوّتها، ووجدتُ أن إبادتها أفضل هدية لها.
والآن… ماذا عليّ أن أفعل؟ "
"
يبدو أن عملي هنا انتهى... " "
أمي… أبي... "
"
كان صوت طفلٍ ينادي.
نظرتُ نحوه... كان ذلك الصغير يزحف على الأرض المشتعلة تجاهي، حتى
وصل إليّ، وأمسك حذائي وهو يبكي وينادي والديه.
كيف لا يزال حيًا…؟ ""
لقد جعلتُ النار قوية حتى لا يشعر أحدٌ بشيء. "
"
كان يتألم بشدة، والدماء تخرج من جسده. كان ليغدو شخصًا قويًا… لو لم أفعل هذا. لقد أردتُ
أن تكون النار قوية للغاية حتى تمحي كل شيء و لا تسمح لمعاناة أحد أن تستمر و لكن
يبدو أن بعض الأشخاص في المدينة لديهم مقاومة للنار أعلى من أقرانهم لذلك صمدوا
بالكاد.
للحظات فقط... لحظاتٍ كانت كفيلة بأن
تهزَّ كلَّ أفكاري.
انحنيتُ نحوه، فنظر في عيني وقال:
لِمَ…؟ " "
ثم توقف عن الأنين.
شعرتُ بالخوف والصدمة في تلك اللحظة و بدأ الذعر يتسل إلى
قلبي.
نظرتُ إلى يديّ، وتخيّلتُ الدماء عليهما.
لمَ قتلتهم…؟ "
"
لمَ كنتُ قاسيًا إلى هذا الحد…؟ "
"
أمي... " "
أبي... " "
لمَ فعلتُ ذلك…؟ "
"
وضعتُ يدي على وجهي، وصرختُ بلا توقّف من شدة الندم،ثم سقطتُ
أرضًا وفقدتُ وعيي...
أردتُ الإنتقام من كل قلبي، ولكن سمحتُ لجشعي بأن يؤذي غيري.
لم أعلم من كنت حقاً حينها.
إيلينور إبن أديان أم كايسر ملك الظلام...
لم يتحمّل قلبي ما حدث إلى أن فقدتُ وعيي و سقطتُ في نومٍ مظلم
بعد سنة...
هيا أيها الأحمق، تقدّم بسرعة! "
"
كان أحد تجّار العبيد يضربني بالسوط على ظهري، ويدفعني نحو
السوق ليبيعني. كنتُ أمشي بثقلٍ شديد،
والإرهاق قد نال من جسدي.
كيف وصلتُ إلى هنا…؟ "
"
آخر ما أذكره هو إبادة عشيرة النار... "
"
أوه… تذكّرت...
ندمي بسبب ذلك الصغير، وتخلّيي عن نفسي بعدها. وها أنا الآن أُباع في سوق العبيد، بعدما وجدوني
نائمًا بين أنقاض المدينة المحترقة.
ربما هذا هو ثمن ما فعلت... وربما من الأفضل أن أبقى عبدًا إلى الأبد.
هيا أيها الضعيف! "
"
رفع تاجر العبيد سوطه ليضربني مجددًا، لكنني نظرتُ إليه نظرة
قاتلة... فتجمّد في مكانه، وشعر بالخوف، وأبعد سوطه ببطء ثم قال...
لا تنظر إليّ بهذه النظرات القبيحة أيها الطفل الغريب... تقدّم."
"
وصلنا إلى السوق و وضع تاجر العبيد الصغار أمام خشبة مسرحٍ
صغيرة، ثم بدأ ينادي بأعلى صوته.
اقتربوا أيها المشترون... لن تجدوا عبيدًا أفضل من الذين أملكهم الآن!
" "
توافد المشترون، وبدأوا يشترون الصغار واحدًا تلو الآخر. أمّا أنا… فلم يعرضني للبيع معهم، بل وضعني داخل
قفصٍ بعيد، خارج دائرة الأنظار. ومع اقتراب غروب الشمس، كان العبيد قد بيعوا
جميعًا، وبقيتُ وحدي داخل ذلك القفص.
اقترب التاجر مني، وركل القفص بكل قوّته.
تبًّا لك أيها الضعيف. "
"
أنت بلا نفع. " "
لن يشتريك أحد وأنت تملك هذه العيون الغريبة. "
"
تنظر للجميع وكأنك قاتل...! " "
أنت لست سوى حثالةٍ قبيحة. " "
ثم ركل القفص مجددًا.
بقيتُ صامتًا طوال الوقت، كأن الكلمات فقدت معناها بعد ما
فعلتُ بتلك المدينة.
كان بريق عيني قد اختفى، وشرارة رغبتي في الحياة بدأت تندثر. عندها،
سمعتُ صوتًا غريبًا يأتي من أمام المتجر:
عذرًا… هل يوجد أحد هنا؟ "
"
تقدّم التاجر بحماسٍ واضح ليستقبل الزبون.
رأيتها...
امرأة كبيرة في السن، ترتدي ملابس أنيقة تشبه ملابس
النبلاء، وبجانبها كانت تقف فتاة صغيرة، تقفز بحيوية محاولة النظر داخل المتجر.
مرحبًا بكم... "
"
كيف يمكنني مساعدتكِ أيتها الآنسة الجميلة؟ " "
قالها التاجر وهو يفرك يديه طمعًا.
أريد عبدًا صغيرًا يخدمُ سيدتي. " "
قالت المرأة المسنّة ببرود.
سأل التاجر بحماس
وأين هي سيدتكِ الجميلة؟ "
"
أجابت المرأة ببساطة:
هي أمامك. " "
أين…؟ " "
هاااه؟! " "
هل هذه هي السيّدة جويريّة؟! " "
قالها التاجر بدهشة عندما انتبه إلى الفتاة الصغيرة ثم احنى
جسده احتراماً لها.
"
أعتذر، سيّدتي جويريّة، لكن لم يبقَ لديّ أي عبد لأبيعه لكِ. لقد بيعوا جميعهم هذا الصباح، لكن أعدك أن أجد
عبيدًا مناسبين لخدمتكِ. "
قاطعتْه جويريّة وهي تحاول التسلّل بنظرها:
لكنّي أرى أنك ما زلت تحتفظ بأحدهم داخل ذلك القفص...
" "
أووه، نعم… نعم، لكنّه ليس عبدًا سينال إعجابكم. " '
قال التاجر وهو يمسح رأسه بإحراج.
هل يمكننا الدخول لإلقاء نظرة؟ "
"
بالطبع تفضلوا... "
"
دخلتا حتى توقّفتا أمام القفص، وكان التاجر يقف بجانبهما،
يرمقني بنظراته السخيفة. اقتربت جويريّة أكثر، تأمّلت ملامحي بدهشة، ثم
قالت بحماس:
"
انظري يا نورسن... "
لديه عينان مختلفتان، ولون شعره غريب. " "
ثم التفتت نحو المرأة المسنّة وأضافت دون تردّد:
سوف نشتريه. " "
تقدّم التاجر سريعًا، وفرك يديه بقوّة:
سيكون عشر عملاتٍ ذهبية. كما ترون، هو عبدٌ غريب… لكنه نادر. ""
قالت المرأة المسنّة بهدوء:
بالطبع. " "
هاك عملاتك الذهبية، وأطلق سراح العبد. "
"
بالطبع، سيّدتي. "
"
قالها التاجر بحماسٍ فج.
"
"
تبًّا لك أيها البغيض... "
"
كنتَ تعذّبني قبل قليل، والآن تبيعني بسعرٍ يفوق أضعاف
العبد العادي. " "
قلتها في نفسي ساخطاً...
اقتربت مني جويريّة وسألت بسعادة:
ما اسمك؟ " "
إيلي… نور... "
"
ابتسمت وقالت:
اسمك جميل، إيلينور. "
"
اسمي جويريّة، يمكنك أن تناديني «جوري» إن أحببت. "
"
آمل أن نصبح أصدقاء. " "
نظرتُ في عينيها، ثم خفضتُ بصري وقلت:
" حسنًا. "
غادرتُ معهما إلى العربة، وانطلقنا نحو منزلهم. كنتُ أجلس قرب النافذة، وجسدي يرتجف قليلًا. شعرتُ
بنظرات جويريّة عليّ، بينما كانت نورسن تجلس بهدوء، وعيناها مغمضتان.
قالت جويريّة بلطف:
هل تشعر بالبرد؟ " "
" نعم… قليلًا. "
نزعت معطفها الثقيل وأعطتني إيّاه. لم يكن ما فعلته كبيرًا، لكن لسببٍ ما... اشتعل قلبي من جديد، كأنني عدتُ حيًّا.
أخبرني يا إيلينور... "
"
كيف أصبحتَ عبدًا؟ " "
سألتني بحماسٍ صادق.
شعرتُ بالضيق؛ كيف لفتاةٍ ذات منزلة عالية أن تخاطب عبدًا مثلي
بهذه العفوية؟
لكنني أجبت:
والداي باعاني في سوق العبيد ليكسبا القليل من المال.
" "
أخفضت جويريّة رأسها في حزنٍ و قالت:
فهمت... "
"
لكن هذا لا يعني أن تكره والديك. ربما كانت الحياة قاسية
عليهما. " "
رغم صغر سنّها، كانت كلماتها حكيمة بشكلٍ غريب. كان الطريق إلى قصرها طويلًا، ويرافق العربة
عددٌ من فرسان القصر للحماية، ومع ذلك.... شعرتُ بأن عيونًا خفيّة تراقب السيّدة جويريّة.
وفجأة... اندفع سهمٌ
سريع، واخترق زجاج العربة، مستهدفًا رأسها. أمسكتُ السهم قبل أن يصل إلى وجهها.
تراجعت جويريّة بخوف، واندفعت نورسن لتحمي سيّدتها، فيما انتشر
الفرسان استعدادًا لهجومٍ مباغت. وفي
اللحظة التالية، انطلقت مجموعةٌ ملثّمة من بين الأشجار، قاصدين قتل الجميع واختطاف
السيّدة جويريّة.
أردتُ النزول من العربة لمواجهتهم، لكن جويريّة أمسكت بي وقالت:
ابقَ مكانك... ولا
تذهب بعيدًا. " "
كنتُ في حيرةٍ من أمري.
لماذا تقلق عليّ السيّدة جويريّة إلى هذه الدرجة؟
أنا مجرّد عبدٍ مثيرٍ للشفقة، تستطيع استبدالي بألف عبدٍ
غيري لو أرادت.
فلماذا هذا التقارب؟ ولماذا هذا الاهتمام؟
في الخارج، كان القتال يحتدم. الفرسان يعانون بشدّة وهم يواجهون الأعداء. فجأة، فُتح باب العربة بعنف، ودخل أحد الملثّمين،
وقبل أن يصل إلى السيّدة جويريّة، وقفت
المرأة المسنّة في وجهه، لكن الملثّم طعنها في كتفها بسيفه، فسقطت أرضًا.
أردتُ قتله في الحال، لكن جويريّة طلبت مني أن أبقى ساكنًا.
ثم قالت له بصوتٍ ثابت، رغم الخوف الذي يحيط بها:
تريدني أنا، أليس كذلك؟ " "
إذًا، دع الجميع وشأنهم… وخذني أنا فقط. "
"
لم ينطق الملثّم بكلمة. رفع جويريّة بين ذراعيه، وفرّ مسرعًا، وتبعته
بقيّة المجموعة. اقتربتُ من المرأة
المسنّة لأطمئن عليها، فقالت وهي تتألّم:
دعني… وانطلق خلفها. " "
لا تدع أي مكروهٍ يصيبها. " "
لا تدعها تعاني مجددًا في حياتها... فقد عانت ما يكفي. " "
كانت كلماتها تسقط على قلبي كالصاعقة.
جويريّة… ومعاناتها... " "
لم أنطق بكلمة. نهضتُ،
وخرجتُ من العربة.
كان الفرسان يجمعون شتات أنفسهم، ويتفقّدون الجرحى. وفي تلك اللحظة، شعرتُ وكأن نفسي القديمة قد
عادت من جديد. في لحظةٍ واحدة، اختفيتُ من
أمام العربة من دون أن يلاحظ أحد. حلّقتُ
في الهواء عبر السحر، متتبعًا أثر جويريّة والأعداء.
كانوا يركضون في الغابة بأقصى سرعتهم، ويضحكون بوقاحة. لحقتُ
بهم كظلٍّ خفي، كنتُ حاضرًا في الظلام، وخفيًّا عن أعينهم. بعد وقتٍ قصير، توقّف الملثّمون لأخذ قسطٍ من
الراحة، مطمئنين إلى أن لا أحد يلاحقهم.
تلك كانت فرصتي. "
"
واحد...
اثنان...
ثلاثة...
أربعة...
خمسة...
ثم عشرة...
انتزعتُ قلوبهم من أجسادهم بوحشية، جزاءً لما اقترفوه.
لم يبقَ سوى شخصٍ واحدٍ مع جويريّة. كان الخوف والفزع يملآن ملامحه، بعدما
رأى رفاقه يسقطون واحدًا تلو الآخر. رفع
جويريّة في الهواء و وضع سكينًا صغيرة على رقبتها، ثم صرخ:
" أظهر نفسك أيها الجبان، وإلا قتلتُ
هذه الفتاة! "
أردتُ إخفاء هويتي عنها، لكن غضبي من نبرة ذاك الملثّم كان
أقوى.
تقدّمتُ نحوه حتى بدت
الدهشة على ملامحه، كما على ملامح جويريّة. كانت دماء رفاقه تلطّخ ثيابي، وقليلٌ منها على
وجهي.
هل أنت من قتل أصدقائي أيها الصغير؟ " "
هل هذه خدعة ما؟ " "
هاه؟!! أجبني بسرعة... " "
قلتُ له ببرودٍ قاتل، بينما تتوهّج كلتا عيناي بالأزرق:
اصمت… يا لك من مزعج. " "
أتتحرّق شوقًا لتموت كما مات أصدقاؤك؟ "
"
أنزل الخاطف جويريّة
أرضًا، وأمسك سكينه بكلتا يديه واندفع نحوي.
تفاديته بسهولة، أدرتُ جسدي، ورفعتُ يدي وضربتُ ذراعيه
حتى انفصلتا عن جسده.
كان يتلوّى من الألم ويصرخ. قفزتُ على ظهره، وفصلتُ جذعه، وتناثرت الدماء في
الهواء، لتسقط كمطرٍ غزير.
انتهى الأمر. "
"
تقدّمتُ نحو السيّدة جويريّة، ووقفتُ أمامها. أغمضتُ عيناي، مترقّبًا صراخها… أو فزعها.
لكنها قالت بصوتٍ دافئ:
إيلينور... " "
شكرًا لك كثيرًا لأنك أنقذتني. "
"
فتحتُ عيناي على اتساعهما. كانت تبتسم، وعيناها تضيقان من شدّة الابتسام،
بينما الدموع تنهمر بخفّة. لم تكن تشعر
جويريّة بالخوف من قوتي. أظنها قد علمت من
البدابة أنني قوي و ربما علمت أنني قاتل و كاذب لأنني كذبتُ عليها بخصوص والدي.
رغم أنها تأملّت عيناي المتوهّجة لفترو طويلة إلى أنها لم
تسألني عن أي شيء. اكتفت فقط بالإبتسام و التأمل إلى أن انطفئ التوهّج في عيني بعد
أن هدأت قوتي.
عدنا إلى العربة و اندفعت
جويريّة نحو المرأة المسنّة وعانقتها بقوّة، فبادلتها العناق، ثم التفتت إليّ
وقالت:
شكرًا لك لإنقاذ السيّدة جويريّة. "
"
وصلنا إلى القصر، وقد
تحفّظت جويريّة عن شرح ما حدث مع الملثّمين.