صفقة حب {مفاجأة}
مفاجأة
.........
الفصل الرابع
مرت أيام قليلة، قرابة أسبوع، بدت خلالها الأجواء في منزل زاهر معقدة على غير العادة.
لم يعد الحديث يملأ البيت كما كان من قبل،خاصة بين زاهر و نور، إذ كان زاهر يعتقد إنها مخطئة ويجب أن تعتذر له، بينما كانت نور تقضي كل وقتها في غرفتها، أمام الكاميرا؛ تلتقط الصور، أو تُصور مقاطع فيديو لتنشرها على الإنترنت،و رغم حبها العميق لوالدها،لا ترى إنها قد أخطأت،ولا شيء يستحق الاعتذار، ولا تشعر ابداً أن ما فعلته يمكن أن يسبب الاحراج لأي شخص، بل كانت مقتنعة أن من حق الإنسان أن يسعى وراء طموحاته، وأن يحقق أحلامه بأي طريقة يراها مناسبة.
مرّ الأسبوع، وكان زاهر يعمل بجد واجتهاد في شركة أمير العمري.
كان فؤاد قد سافر بالفعل إلى ألمانيا بعد أن سلّم زاهر كل تفاصيل العمل، ومن طبيعة زاهر أنه سريع التعلم، فلم تمضِ سوى أيام قليلة حتى أصبح ملمّاً بكل شيء، وكأنه يعمل هناك منذ سنوات.
لم يخفَ ذلك عن أمير،الذي بدا منبهراً بإخلاص زاهر وإتقانه اللافت.
في المقابل،كانت نور تنتظر اتصالاً من أمير بعدما عقد معها اتفاق انه سيساعدها بعرض المشروع على بعض الأطباء العاملين في شركته الدوائية.
لكن الهاتف ظل صامتاً طوال الأسبوع. زاد قلقها، خاصة بعد أن تفاخرت بالأمر أمام يوسف وأصدقائه. و كان لديها استعداد ان تذهب إلى مكتب أمير مرة أخرى،غير عابئة بإمكانية إحراج والدها مجدداً. لكن شاء القدر أن يأتيها الرد دون أن تخطو تلك الخطوة.
______________________________
في شركة أمير العمري كان يعمل زاهر في المكتب،حيث يقوم بتجهيز الأوراق والملفات ، حين ناداه أمير.
نهض زاهر فورًا، ودخل مكتبه.
- تعالى يا زاهر، اقعد.
جلس زاهر وقال باحترام:
- اؤمرني يا فندم؟
سأله أمير بنبرة هادئة:
- بنتك أخبارها إيه؟
تعجب زاهر من السؤال، لكنه أجاب:
- كويسة... الحمد لله.
أومأ أمير قليلًا، ثم قال:
- بلغها إني مستنيها بكرة الصبح، الساعة تسعة، في مكتبي.
ازدادت دهشة زاهر، فسأله بتردد:
- ممكن أعرف السبب؟... هي كلمت حضرتك تاني؟
أجاب أمير بهدوء:
- لا، بالعكس... أنا اللي كان المفروض أكلمها.
علشان كده بعتلك. بلغها بس باللي قولتلك عليه.
أومأ زاهر برأسه، ثم استأذن وانصرف.
في المساء، عاد زاهر إلى المنزل، وسأل علياء:
- نور فين؟
أجابت:
- في أوضتها.
ثم اقتربت منه بنبرة متوسلة: - عشان خاطري بقى... كفاية نكد. إحنا بقينا زي الاغراب في البيت... اللي حصل حصل وخلاص بقا.
تنهد زاهر، وقال:
- خلاص... هدخلها.
اتجه إلى غرفة نور، بينما توقفت علياء عند الباب، تسترق السمع بقلق واضح.
فتح زاهر الباب ودخل،
ثم تنحنح بخفة:
- نور...
لم تنتبه، كانت مندمجة في التصوير.
رفع صوته قليلًا:
- نور!
التفتت بسرعة، وأغلقت هاتفها على الفور:
- أيوة يا بابا؟
قال زاهر بنبرة رسمية:
- أنا عايز أفهم بالظبط... لما جيتي مكتب أمير العمري، كنتوا بتتكلموا في إيه؟
ترددت لحظة، ثم قالت:
- اممم... بصراحة، كان عندي فكرة مشروع، وعرضتها عليه.
لم يُعلّق، اكتفى بالقول:
- تمام، ثم تابع:
- هو بلغني... وطلب إنك تكوني عنده بكرة الساعة تسعة.
اتسعت عيناها بدهشة، وقبل أن ينهي جملته، قفزت في حضنه بقوة، حتى كادت تخنقه:
- بجد؟! أنا مش مصدقة!
ضحك وهو يدفعها برفق:
- خلاص هتموتيني مخنوق.
قالت بفرحة صادقة:
- آسفة والله... بس مبسوطة قوي.
وبجد آسفة لو زعلتك قبل كده، ماكنش قصدي.
قال وهو يزفر:
- والله! دلوقتي بقيتي آسفة؟
ثم أضاف: - على العموم، بكرة هتيجي معايا الشركة. مش ناقص فضايح مع ليندا تاني.
ابتسمت وهي تقبّل وجنتيه:
- ماشي يا أحلى وأجمل أب في الدنيا.
خرج زاهر من الغرفة، فوجد علياء تنظر إليه، فضرب كفيه ببعضهما ومضى، بينما لحقت به علياء.
أما نور، فبقيت وحدها، تقفز فوق سريرها كالمجنونة، مقتنعة أن حلمها بات قريبًا...
دون أن تعلم أن ما ينتظرها ليس كما تتخيل.
______________________________________
في وقت الفجر، تسلل عمر إلى المنزل خيفة بعد أن غاب عن المنزل قرابة
الأسبوع،كان الصمت يخيم على أرجاء المنزل، وجميع أهل البيت كانوا نياماً. بخطوات حذرة، اتجه إلى غرفة الخادمين، وطرق باب غرفة فاطمة طرقاً خفيفاً. كانت نصف نائمة، فأفاقت سريعاً على هذا الصوت، ثم فتحت الباب وهي تلف وشاحها حول رأسها، وما إن وقعت عيناها عليه حتى اتسعتا دهشة ولهفة، ثم وضعت كفّيها على وجهه بحنانٍ صادق، وقالت بصوت مرتجف:
- عمر... حبيبي! كنت فين كل ده؟!
نظر إليها بعينين تحملان تودّدًا طفوليًا وقال :
- أنا جعان.
لم تتردد لحظة، ابتسمت وقالت بسرعة:
- حاضر... عينيا، هعملك اللي إنت عايزه.
صعدت معه إلى المطبخ، وبدأت تُخرج المكونات لتحضير وجبته المفضلة: "المعكرونة بصوص البيستو".
لم تكن فاطمة بارعة في الطهي، لكنها كانت تجيد المخبوزات بإتقان؛ فقد كانت تدير مع زوجها الراحل، "عبد القوي" ، مخبزاً صغيراً في وسط البلد. لم يُكتب لهما أن يرزقا بأطفال، وحين توفي زوجها، أغلقت المخبز، وجاءت للعمل في بيت آل العمري... إذ، صارت جزءًا لا يتجزأ من العائلة، خاصة بعد ولادة عمر.
وبينما كانت تُحضّر الطعام، قال عمر مازحاً:
- يا ترى الأكل هيطلع ني ولا هيبقى زي المخلل؟
نظرت إليه من طرف عينها، وردّت ضاحكة:
- طب تصدق؟ أنا غلطانة إني وقفت أعملك الأكل اللي بتحبه.
ضحك وقال:
- إيه ده؟ هو الواحد مايعرفش يهزر معاكي ولا إيه؟
لكن ملامح فاطمة تغيّرت فجأة، وانتقل صوتها من المزاح إلى الجدية:
- عمر... إنت كنت فين كل ده؟
حاول أن يراوغ، لكنها قاطعته بنبرة لا تحتمل الهروب:
- قول يا عمر... كنت فين؟
تنهد وقال:
- هكون فين يعني؟ كنت عند زياد، صاحبي.
ارتسم القلق على وجهها، وقالت بخوف صادق:
- كده يا عمر؟ كل ده تغيب عن البيت ومحدش يعرف مكانك؟ دي مامتك كانت هتموت عليك!
انفجر فجأة، وقال بانفعال:
- بالله عليكي يا دادة، قولي كلام غير كدة. أنا خلاص اتأكدت محدش مهتم بوجودي هنا أصلًا، ده حتى محدش هان عليه يتصل بيا، .... لا بابا ولا ماما فارق معاهم. فأرجوكِ أنا مش عيل صغير تضحكي عليا بكلمتين.
امتعض وجه فاطمة وقالت بوجع:
- أخص عليك يا عمر... طب وأنا؟ ده أنا كنت هتجنن عليك.
اقترب منها وربت على كتفها بلطف:
- خلاص، متزعليش، ده إنتِ الحتة الشمال يا قلبي.
أدارت وجهها عنه وقالت بغيظ ممزوج بالحب:
- تصدق إنت واد بكاش أوي.
وضعت الطبق أمامه، وبدأ يأكل بشهية واضحة، بينما جلست تراقبه بصمتٍ مليء بالحنان.
وفي داخلها، تردّد صوتٌ خافت: ليته كان ابني... ليتني كنت أمه حقاً. فهذا الصبي يستحق كل الحب في الدنيا.
_______________________________________
في الصباح الباكر،نزل أمير كعادته إلى السفرة برفقة هدى،وبعد قليل انضم إليهم عمر، فارتسمت على وجه هدى الدهشة وقالت:
- عمر... انت جيت امتى؟
ابتسم أمير بنبرة مملوءة بالسخرية، خالية من أي ود:
- أهلا... أهلا بالبيه اللي كان طفشان من البيت.
جلس عمر على كرسيه، والتقط قطعة من الكرواسون، وأجاب بنبرة تهكمية:
- أنا مكنتش طفشان.
عقد أمير يديه على الطاولة واستمر في سخريته:
- امممم..والله؟! يعني كنت برة البيت بتعمل ايه كل ده؟!
تدخلت هدى محاولة تهدئة الأجواء:
- خلاص يا أمير كويس انه رجع بخير وسلام.
انفعل أمير قائلا:
- والشغل يا هانم اللي يضرب يقلب، كل حاجة على دماغي انا....لكن البيه في الطراوة ولا على باله.
ثم أكمل موجها حديثه إلى عمر بنبرة تحمل تهديدًا واضحاً:
- يكون في علمك انا لسة عند كلامي يا أنا يا إنت يا عمر.
ثم سحب معطفه وغادر بكل عصبية أما عمر بقي هادئاً، جالساً على سفرة الطعام وكأنه أصبح لا يبالي بشيء.
_______________________________________
في بيت زاهر
كانت نور تستعد منذ بزوغ الفجر لهذا اللقاء المنتظر مع أمير العمري. كان الحماس يحتل قلبها،وكل دقيقة تمر كانت تشعله أكثر مما قبلها، حيث كانت تقلب خزانتها رأساً على عقب؛ لتختار بعناية افضل قطع الملابس.
كانت متأنقة كعادتها، وثقتها التي لا تقهر جعلت إشراقتها وجاذبيتها تتضاعف.
تناولت الإفطار مع عائلتها، ثم استعدت لتغادر برفقة أبيها إلى شركة العمري، حيث الموعد المنتظر.
_________________________________
في شركة أمير العمري
دقت التاسعة وحان موعد اللقاء، وقبل أن تدخل المكتب تبادلت نور نظرة حادة مليئة بالكيد مع ليندا نظرة،ثم ادارت رأسها بثقة نحو الداخل.
حين رأها أمير، ابتسم بهدوء وقال:
- أهلا... نور، اتفضلي.
اومأت نور برأسها شاكرة،ثم جلست وبادلته التحية.
بدأ أمير حديثه، بنبرة هادئة متفحصة:
- ممكن أسألك سؤال؟
أجابت نور بثقة:
- اكيد..اتفضل.
- ممكن اعرف ليه عندك حماس تعملي المشروع ده بالذات؟
ابتسمت نور وقالت:
- أنا دايما بعمل فيديوهات للبنات عن العناية بالبشرة،وده شجعني إنّي اعمل حاجة للفئة اللي بتابعني... وزي ما حضرتك عارف المنتجات دي مبيعاتها عالية جداً،وعليها إقبال كبير.
ابتسم أمير ثم قال:
- حلو...بس انا لما بحثت عنك في الإنترنت، لقيت عدد متابعينك 100 الف بس يعني أظن إنك مش مؤثرة كبيرة اوي، لدرجة إنك تعملي منتج، والناس تثق فيه.
شعرت نور بالغيظ قليلا لكنها ردت:
- بس اكيد حضرتك لما يعرفوا أن شركة زي شركة العمري هتستثمر في المشروع ده اكيد هيكون في مصداقية.
ابتسم أمير بهدوء وقال:
- أنا قولتلك إنّي هتواصل مع بعض الدكاترة عندي في شركة الأدوية عشان يساعدوك... وده حصل بالفعل. لكن للأسف، الدكاترة عندي معندهمش الخبرة الكافية لمشروع زي ده.
أجابت نور بعزم:
عادي... حضرتك، انا عملت خطة بنفسي المدة اللي فاتت، انا هسافر كوريا اصنّع المنتجات هناك مع الخبراء، هناك الموضوع ده مهم جداً، وكوريا رقم واحد في ال skin care (عناية بالبشرة). حضرتك قولت ايه؟
لاحظ أمير نظرتها الجادة، وابتسم قائلاً:
- ده انتِ طموحك عالي أوي.
ابتسمت نور، ومجاملته لم تخفِ فرحتها. ثم تابع أمير:
- بصي يا نور، أنا منكرش إن فكرة المشروع حلوة جداً ، وكمان أنا معجب بإصرارك وطموحك... لكن مقدرش أغامر في مشروع زي ده دلوقتي. السوق مليان بالمنتجات، وأي اسم جديد لازم يكون مستعد أكتر من كده... مش كده؟
اغرورقت عينا نور بالدموع، وشعرت بغصة تضيق صدرها، وقالت بخفوت:
- شكراً لحضرتك، وآسفة إني أخدت من وقتك.
أومأ أمير برأسه، ومضت نور خارج المكتب. لكنه لاحظ ذلك في عينيها، وتبين له أن هذه الفتاة وأحلامها مرتبطتان كالجسد بالروح، لا يفترقان. ومن هنا خطرت له الفكرة... الفكرة التي ستغير حياة الجميع.
__________________________________
بعد رحيل نور، دخل زاهر إلى مكتب أمير وتوقف أمامه لحظة، كأنه يزن كلماته، ثم قال بتردد:
- مستر أمير... هو أنا ممكن أطلب من حضرتك طلب؟
رفع أمير رأسه ونظر إليه بهدوء:
- اتفضل يا زاهر.
قال زاهر بنبرة يغلفها التوسل:
- ممكن بعد إذن حضرتك تبعد نور بنتي عن الشغل هنا تماماً.
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي أمير، وقال:
- ومين قال إن نور ليها علاقة بشغلنا؟
تنفّس زاهر بعمق، ثم قال بصراحة:
- وجودها هنا دايماً بيحسسني إني شخص مستغل... بستغل مكاني عشان مصلحتي، وأنا عمري ما حبيت الواسطة، ولا عمري مشيت بالطريقة دي.
نظر إليه أمير باهتمام وقال:
- غريب... مع إن كل الناس دلوقتي ماشيين بالواسطة.
رد زاهر بثقة:
- إلا أنا يا فندم.
أومأ أمير برأسه وقال:
- على العموم، نور مش هتشتغل معانا، ومفيش أي حاجة تخليك تحس بحاجة زي كدة.
ارتاحت ملامح زاهر وقال بامتنان:
- شكرًا يا مستر أمير... كده حضرتك ريّحتني.
غادر زاهر المكتب، وبقي أمير وحده، يفكر في الفكرة نفسها... لكن هذه المرة، بعمق أكبر، خاصة بعدما تأكدت أمامه نزاهة زاهر.
في المساء، بات أمير يفكر في هذه الفكرة،وكان من عادته أن يحسب للأمور الف حساب، بل مليوناً إن لزم الأمر، وبالفعل رسم خطته و قرر البدء في تنفيذها.
في اليوم التالي، غادر أمير عمله مبكراً، وقبل أن يرحل طلب من زاهر أن يأتي لمنزله لمناقشة بعض أمور العمل. وافق زاهر وبعد انتهاء عمله في الشركة توجه إلى منزل امير العمري،مستعيناً بنظام تحديد المواقع(GPS ).
فتح له أحد العاملين بالمنزل، و لم يُخفِ انبهاره بتصميم المنزل، و مساحته.
تقدمت نحوه إحدى العاملات وقالت:
- اتفضل حضرتك، أمير بيه مستنيك في الصالون.
دخل زاهر الصالون، فوجد امير يجلس بكل هدوء وثبات على مقعده ممسكاً بسيجاره العتيق.
قال أمير في هدوء:
- اتفضل يا زاهر.
ثم أشار بيده إلى إحدى العاملات:
- شوفي زاهر بيه يشرب ايه.
رفض زاهر بلطف، فأمر أمير بإحضار فنجانين من القهوة. وقبل أن تغادر العاملة، قال:
- اندهيلي عمر.
اومأت العاملة برأسها،وانصرفت. ساد الصمت أركان الغرفة، إلى أن انضم عمر بعد دقائق. ألقى التحية، فقال أمير:
- ده عمر ابني.
نهض زاهر احتراماً، ومد يده، فبادله عمر السلام.
قال أمير بهدوء:
- أنا مسافر رحلة عمل للنمسا، واحتمال أتأخر شوية. حبيت أعرّفك على عمر، لأنه هيبقى مكاني الفترة دي.
رفع عمر حاجبيه،وارتسمت ملامح الاستياء على وجهه ،فأكثر ما يكرهه هو أن يتحمل مسؤولية العمل مكان والده، لانه يعرف أن بعد عودته سيوبخه، ولن تمر الأمور بسلام أبداً.
دار الحديث حول شؤون العمل، وأبدى زاهر آراءه في كيفية سير الأمور أثناء غياب أمير. راقب أمير حديثه بعناية، وتأكد أن فؤاد لم يخطئ حين وصفه بالرجل الموثوق.
غادر عمر الاجتماع وبقي أمير و زاهر، وبينما كان زاهر يجمع أوراقه ليغادر، اوقفه أمير فجأة:
- ايه اخبار نور بنتك.
-كويسة الحمد لله.
- اتمنى ما تكونش متضايقة من اللي حصل امبارح.
قال زاهر بهدوء:
- بصراحة يا مستر أمير، أنا مش حابب أعرف تفاصيل... لكن أعتقد كده أحسن.
أومأ أمير برأسه مع ابتسامة تحمل هدوء:
- انت عندك نور بس ولا ليها اخوات؟
- عندي ياسين بس لسة صغير شوية في ثانوية عامة السنة دي
ابتسم أمير ثم قال:
- ربنا يخليهم لك.
انتهى اللقاء، وغادر زاهر، وبقي أمير وحده. كانت الفكرة قد ترسخت تماماً في ذهنه، ولم يعد يشك فيها.
قرر في داخله أن ينفذها فور عودته من النمسا.
_______________________________________
بعد مغادرة أمير إلى النمسا، أصبحت شؤون العمل في يد عمر. كان يحاول بأقصى جهده، أن يتقن العمل، لا حباً فيه بقدر ما هو هروب من توبيخٍ يعرف جيداً أنه قادم لا محالة إن قصّر. ومع الوقت، بدأ في التقرب من زاهر تدريجياً بعدما تأكد أنه رجل بسيط الروح، مرح دون تكلف، غير صارم، لكنه في الوقت ذاته يعمل بجد وإخلاص. شعر عمر بالارتياح قربه، وربما لأول مرة لم يشعر بثقل وجوده في الشركة.
في أحد الأيام، كان العمل متراكماً على غير العادة، والمكتب مزدحم بالملفات، بينما كان عمر يقتل الملل داخله بصعوبة، إلى أن رن هاتفه. كان زياد، يخبره عن سهرة جماعية في بيت سليم.
أغلق الهاتف، وتنهد، ثم بدأ في تمثيل دور المتعب بإتقان، وهو يتحرك أمام زاهر:
- أنا حاسس إن الوقت اتأخر النهارده... ومش عارف ليه حاسس إني تعبان قوي.
رفع زاهر عينيه من الأوراق، ونظر إليه بنظرة جانبية لا تخلو من سخرية:
- آه طبعًا... بأمارة إنك رايح تسهر مع صحابك دلوقتي.
اتسعت عينا عمر بدهشة:
- إيه ده! إنت عرفت منين؟!
ابتسم زاهر وقال:
- ما أنا سامعك وإنت بتتكلم في التليفون، صوتك كان مسمّع الشركة كلها.
ضحك عمر وهو يقول مازحاً:
- ده شغل تجسس بقى... أوعى الحاجات دي توصل لأمير.
ضحك زاهر:
- عيب عليك... على العموم، شوف إنت رايح فين، وأنا هتصرف في باقي الشغل.
تنفّس عمر براحة وقال بامتنان:
- والله العظيم إنت راجل كفاءة.
ابتسم زاهر وقال:
- يلا روح... بس أوعى تتأخر بكرة.
- ماشي يا عم زاهر... يا قمر.
ظل زاهر مبتسمًا بعد خروجه، فهو كان يدرك جيدًا أن طاقة الشباب لا يُمكن كبحها، وأن لهذا العمر حقه في الفوضى والضحك قبل أن تلتهمه المسؤوليات.
_______________________________________
بعد اسبوعين عاد أمير من النمسا، لم يكد يضع امتعه حتى التقط هاتفه ليتصل بزاهر و أخبره برغبته في لقائه مساء ذلك اليوم في منزله.
لبّى زاهر الدعوة، وهناك فاجأه أمير بدعوته إلى تناول العشاء على سفرة الطعام. أثار ذلك الأمر دهشة الجميع، خصوصا ان أمير لا يحب أن يشاركه الغرباء مائدة الطعام.
شعر زاهر بحرجٍ شديد لذلك اضطر أن يوافق على طلبه، فجلس معهم وهو متحفظ.
أومأ أمير برأسه، ثم أشار بيده إيذاناً ببدء الطعام. لم يتناول زاهر الكثير، فقد كان الشعور بالغربة يلازمه رغم حسن الاستقبال.
بعد الانتهاء، توجّه أمير إلى الصالون، وتبعه زاهر. جلسا، و تناقشا في أمور العمل، قال أمير بنبرة هادئة:
- أتمنى عمر ما يكونش غلبك الفترة اللي فاتت.
ابتسم زاهر ابتسامة خفيفة وقال:
- لا، عمر ما شاء الله عليه.
وحين انتهيا من الحديث، استأذن زاهر بالرحيل.
لكن أمير أوقفه قائلًا:
- استنى يا زاهر... أنا عايزك في موضوع مهم.
توقف زاهر، وقال باحترام:
- خير يا مستر أمير، اؤمر.
رفع أمير نظره إليه، وتحدث بثبات لا يحتمل التأويل:
- أنا طالب منك إيد بنتك نور... لابني عمر.
_______________________________________
#يتبع....