منّة و اللقاء الأول (ألفا إبن الظل)
منّة و اللقاء الأول
.........
بعد ثماني
سنوات...
سيد
إليان… حان موعد درس اللغة خاصتك. ""
أجبتُ
بسرعة:
حسناً،
حسناً… أنا قادم. " "
كنتُ قد
أنهيت درسًا للمبارزة مع السيد ألفريد. اقتربتُ بعدها نحو وعاء ماء كانت تحمله
إحدى الخادمات، وغسلت وجهي لأزيل الغبار والعرق المتراكم.
كان وجهي
ينعكس على الماء الساكن في الوعاء... شعري الأبيض الطويل يتطاير في الهواء، وعيوني
الرمادية تشبه رماد الحطام.
هل أصبحت
في الخامسة عشرة من عمري؟ "
"
كنتُ أتأمل ملامحي… التي بدت مختلفة عن ذاتي الضعيفة عند
قدومي إلى هذا البيت.
كان جميع
من في القرية، حيث يقبع قصري، مفتونين بجاذبيتي.
كان الأمر يزعجني كثيراً، لذا كنتُ أتسلل دائمًا مع يوتا.
يوتا...
أحد الخدم الذي انضم بعد قدومي إلى القصر. كان في مثل عمري تقريبًا.
كنا نقضي وقتنا معًا، ونتبارز دائمًا. كان إبن نبيل من دولة مجاورة. طرده والداه لأنه كان الابن التاسع في عائلتهم،
ولم يكن ذو أهمية في بيته،
لذلك جاء إلى قصري ليصبح أقوى… ومنذ ذلك الحين أصبح
صديقي المقرّب.
فجأة، سمعت
صوت السيد ألفريد يناديني:
مولاي…
المعلّمة في انتظارك. " "
حسناً،
ألفريد… أنا قادم.
دخلتُ
الفصل، وابتسمت المعلّمة لي:
" أحسنت
سيد إليان… ذكاؤك يدهشني في كل . "
أتقنت تسع لغات في وقت قياسي! "
"
قلتُ لها
بثقة مفرطة :
أعلم
أنني ذكي يا معلّمة... " "
لكن أصابني الملل بسبب بقائي في القصر طوال الوقت.
" "
ابتسمت
المعلّمة وقالت:
عذرًا
مولاي… ولكن لماذا لا تذهب إلى العاصمة؟ ""
سيحل موعد مهرجان القمر الأزرق لأول مرة منذ مئة سنة. " "
اتسعت
عيناي من الدهشة:
" حقًا تقولين؟!! "
ابتسمت
المعلّمة، ثم انصرفت نحو بيتها.
عندها
اقتربتُ من ألفريد:
ألفريد...
"
"
ردّ
بهدوء:
نعم،
مولاي... ""
جهّز
حقائبي، سأذهب إلى العاصمة. ""
ابتسم
ألفريد قائلاً:
أمرك،
مولاي. ""
استغرقت
الرحلة نحو العاصمة أسبوعين كاملين. كنتُ
أجلس في العربة، مكتوف اليدين، وأتأمل السيد ألفريد أمامي.
آااااالفرييييييددددد...
" "
قلتُ متنهّدًا.
هل كان هناك داعٍ لإحضارك آلاف الجنود معنا؟! "
"
سيظننا الحرس الملكي أعداء! " "
ابتسم
ألفريد و قال بهدوء:
لا تقلق،
مولاي… هذا كله جزء من الخطة. " "
خطة
ماذا…؟ " "
رد بصوت
ثابت"
مولاي،
المدينة تعج بالمجرمين، وعلينا نحن أن نجعلها ساكنة لأجلك."
لا نريد أن يزعجك أيّ من هؤلاء المجرمين. "
تنفست
ببطء بعد سماعه كلامه الطويل، ثم قلت:
حسناً…
حسناً، ألفريد. افعل ما تشاء... ""
ابتسم
ألفريد بإحترام، وقال:
أمرك،
مولاي... " "
قبل أن
نصل البوابة، افترق الجنود إلى مجموعات منظّمة وانطلقت في اتجاهات مختلفة، كأن كل
واحد يعرف بالضبط ما سيجده في المدينة.
يبدو أن
جواسيس ألفريد اجتهدت في عملها... ""
قلت ذلك في نفسي، مندهشًا.
في الليل
وصلنا إلى بوابة العاصمة... بوابة عظيمة
مطليّة بالذهب، بينما كانت قممها مزينة بتماثيل الأسود الذهبية. توقفت العربة بعد أن أمر أحد جنود البوابة
السائق بذلك. اقترب من باب العربة، حينها
فتح ألفريد الباب، وحينما رأى الجندي شعري الأبيض الطويل، انتفض مذعورًا:
" سي… سي… سي… سيّد إليان! "
" أه… أه… أهلاً بك، "
" عذرًا
على إزعاجك، سيد إليان… يمكنك المرور "
تقدمت العربة
حتى دخلنا العاصمة، وكانت العاصمة باهرة للغاية.
الأجواء مليئة بالبهجة والسعادة في كل مكان. الطرقات مزينة استعدادًا للمهرجان القادم،
بينما ترتفع أصوات الغناء والموسيقى في الهواء.
الأطفال يلعبون بحرية، والمتاجر تفيض بالحركة والأنوار....
كل شيء
كان ينبض بالحياة، وكان واضحًا أن هذه المدينة تحتفل بشيء كبير، شيء لم أرَ مثل
روعته في حياتي من قبل.
وفي وسط
ذلك الإزدحام من الفرح والابتهاج، كانت الأزقة تعج بالمجرمين الذين تتطاير رؤوسهم
من جهة، ومن جهة أخرى كان الجنود يحنون رؤوسهم، وأيديهم تمسك بالسيوف القصيرة
الملطخة بالدماء.
تنفست
مطولاً، ثم أردفت:
آمل أن أحظى بوقت ممتع على الأقل... "
"
المارّة
لم يكونوا يعلمون عن هويتي داخل العربة، كانوا فقط يبتعدون عن طريقها. وصلنا أخيراً إلى قصر كبير مظلم، محاط بغابات
كثيفة. كان القصر معداً سابقاً لاستقبالي،
والخدم يقفون بثبات على جانبي الممر. حين
فتحت الباب وخرجت، علا صوتهم جميعاً.
مرحباً بقدومك، مولاي...
كان يوتا
موجودًا لاستقبالي، فقد افترق عني قبل بداية الرحلة ليحرص على تجهيز المكان.
أهلاً بقدومك، مولاي... " "
أهلاً يا صديقي... " "
تابعنا
حديثنا بينما ندخل القصر.
في
الصباح التالي، نهضت باكرًا، لكن لم أرغب بتناول الطعام في القصر.
أردت أن أجول في المدينة وأستكشف متاجرها.
اقترب
ألفريد وسأل:
مولاي، هل تريد أن أرافقك؟ " "
" كلا... "
إذاً هل
تريد أن يوتا يرافقك؟ ""
كلا...
""
إذاً... " "
كلا...
""
إ... " "
كلا ... " "
ابتسم
ألفريد بخضوع، وقال:
أمرك، مولاي. " "
انصرف
آلفريد و تركني وحدي. لم أمتطِ الخيل ولم أصعد إلى العربة. كنت أسير على قدمي طوال
الوقت.
لكن...
أتركوني
لوحدي اليوم فقط! ""
صرخت عالياً بعدما لاحظت عشرات الجنود الملثّمين
يراقبونني.
تباً لك ألفريد... " "
تنهّدتُ
مطوّلاً بعدما فقدت الأمل في أن يتركني شأني، ثم تابعت طريقي. كانت المتاجر مكتظة
وصاخبة للغاية، ومعدتي تصدر صوتاً عالياً من شدة الجوع. كنت أسير على جانب الطريق قبل أن أصادف لصاً
يستدرج رجلاً ثرياً وزوجته نحو أحد الأزقة ليسرق ممتلكاتهم. أسرعت نحوهم، لكن الجل و زوجته ركضوا خارجاً بكل هدوء. كانت دماء المجرم متناثرة على الجدران.
ابتسمت
داخلي، مدركاً حكمة ألفريد في قدوم الجنود:
أحسنتم
عملاً... ""
شكرت
الجنود المختبئين في الظلال على جهودهم الحثيثة، وتابعت طريقي حتى وصلت أخيراً إلى
وجهتي. متجر صغير أنيق ولطيف، فارغ
تماماً، يقدم كعكات بدت شهية للغاية.
دخلتُ المتجر و بدأت أوزّع نظراتي بين الأصناف. تردّدت
أي نوع أختار، حتى دخل رجلان ضخمان المتجر.
لم أنظر
لهما، كنت أستمتع بالنظر إلى الكعكات، لكن
صراخ أحدهما سدَّ شهيتي.
أيتها الحمقاء، أظهري نفسك! " "
خرجت
فتاة من داخل المطبخ:
مرحباً بكم… كيف يمكنني مساعدتكم؟ "
"
أجاب
أحدهما بغرور:
ما رأيك
لو تعطينا كل ما تملكين؟ ""
أخرج أحدهما سكيناً كبيراً، بينما الآخر أخرج عصا حديدية.
تباً
لهم… لقد تعكّر مزاجي بسبب غبائهم.
كنت أنوي الخروج من المتجر، مطمئناً أن جنود الظل سيقضون
عليهم قبل أن يؤذوا الفتاة، لكن شيئاً ما منعني.
عذراً،
سيدي… هل يمكنك الانتظار قليلاً حتى أعطيهم المال؟ ""
تجمّدتُ
قبل أن أفتح الباب وأخرج بينما أسأل نفسي
هل تريد هذه الفتاة الاستمرار رغم كل ما يحدث لها؟
" "
أدرت
جسدي نحوها لأرى ما يحدث.
كان أحد المجرمين يمسك رداء الموظفة عند رقبتها، يحجب
الرؤية عنها..
أحنيت رأسي لأرى الفتاة.
لكن
أظنني دخلتُ في صدمةٍ كبيرة بسبب ما رأيت.
كانت
عيونها الزرقاء كبلورٍ صافي من بحيرة متجمدة في أبرد أيام الشتاء، تتلألأ بضوء
يخطف القلب، زرقتها الساحرة تجعل الروح ترتجف من شدة الإعجاب.
شعرها الذهبي اللامع يطير مع الهواء بانسيابية خيالية،
كما لو أن أشعة الشمس قد تجمّعت في خيوط من ذهب حول وجهها، وكل حركة منها تسرق
الأنفاس.
كانت
ملاكًا في هيئة بشرية، وسحر ملامحها الفاتنة يفوق أي وصف؛ وجنتاها الوردية
الملطّختان بالطحين تضيفان لمسة من البراءة والحنان، وشفاهها الوردية الناعمة
ترتجف من الخوف، كزهرة تهتز مع نسيم الصباح.
صوتها،
حين نطقت، كان عذبًا كهمس موسيقي، رقيقًا وملؤه حنان، يصل مباشرة إلى القلب ويترك
فيه أثرًا لا يُمحى.
كل هذه التفاصيل جعلت قلبي يخفق بغرابة، شعرت بأن الزمن
توقف، وأن هذا العالم كله قد تجمّد وتفرغ لمشاهدة جمالها الخارق.
كانت
تبدو كأميرة ضائعة في عالمها، تتوق إلى الحماية والعطف، فازدادت رغبتي في احتضانها
وطمأنتها، وفي أن أرى ابتسامتها تنير المكان...
لكن صفعة قوية من المجرم أسقطتها أرضًا، أعادتني فجأة
إلى الواقع المروع، وأجبرتني على التنفس ببطء والعودة لرشدي. عدت لرشدي حينها
بعدما شعرتُ أن روحي قد بقيت تسرح لسنواتٍ طويلة. هدد أحدهم الفتاة، والآخر اقترب
نحوي حتى لكمني على وجهي.
سقطت قبعتي التي كنت أخفي بها شعري، وتطايرت خصلاته
البيضاء في الهواء.
رفعت رأسي بعد تلك اللكمة...
حينها
أمسك المجرم قميصي بكلتا يديه، ينظر في عيني مباشرة. كنت أريد قتله بأسوأ الطرق التي أعرفها لأجل ما
فعلوه بوجه الفتاة الساحر. كانت عيوني مملوءة بالغضب، لكنني لم أرغب في أن أسبب
الذعر للفتاة.
ترك
المجرم قميصي ونادى رفيقه، الذي بدا خائفًا بدوره، ثم خرجوا من المتجر سريعًا.
نظرت
خلفي، فرأيت يوتا يلوّح لي قبل أن يختفي من أمامي.
اقتربت
من الفتاة لأساعدها على النهوض. كان
رداؤها مبعثراً وممزقًا قليلاً، والدماء تسيل من أنفها، بينما عيناها تتألّقان وسط
هذا الاضطراب.
أخرجت
منديلًا من جيبي ومسحت الدماء عن أنفها. كانت
تشكرني باستمرار على إنقاذها، لكن متجرها كان محطمًا بسبب ما حصل.
تناثر الزجاج على الكعكات التي كنت أتوق شوقًا لرؤيتها،
فاعتذرت لها على ما حدث.
غادرت
المتجر مسرعًا نحو القصر.
آلفريد… آلفريد… أين أنت؟ " "
أنا هنا يا مولاي. " "
أخبرته
بما حصل، لكنني لم أفصح عن خفقان قلبي الغريب.
" أريدك أن
تساعد تلك الفتاة. أصلح الزجاج وأعد كل شيء إلى سابق عهده. "
أمرك مولاي. " "
انصرف
كعادته، وترك لي شعورًا بالاطمئنان.
في
الصباح التالي، توجهت نحو المتجر من جديد.
كان نظيفًا ومرتبًا، أجمل من قبل. حينها
خرجت الفتاة، ولوّحت لي بحرارة. أخبرتني
عن رجالٍ غريبين جاءوا إلى متجرها وأصلحوا كل ما تم تحطيمه.
ابتسمت
وأنا أتأمل عيونها الزرقاء البرّاقة. كانت السعادة تغمر قلبي، شعور لم أعرف له
سببًا واضحًا، سوى أنني كنت أشعر بالراحة لمعرفتي أن كل شيء أصبح على ما يرام.
" جميلة للغاية... "
همست في نفسي بينما كنت أتأمل عيونها الزرقاء، الزجاجية
كأنها تجمّدت في لحظة من السحر. لم أشعر
بالوقت الذي انقضى، كل شيء من حولي تلاشى، وأصبحت أنا وهي فقط وسط ذلك الصمت
الجميل.
لكن ما
شعرت به كان أعمق من مجرد رؤية جمالها، كان شعورًا بالدفء، باللطف، وبالسعادة
الصافية التي تنبع من روحها. ابتسامتها
الصغيرة، رغم كل ما مرّت به، كانت كأنها تنبض بالأمل وتجعل كل شيء من حولها أخفّ
وأكثر إشراقًا.
لفتَ
انتباهي رداؤها الممزّق عند كتفها. كان هو نفسه الذي مزّقه المجرم أمس، ولم تستطع إصلاحه
كما يجب.
حينها
شعرت الفتاة بالإحراج من ردائها الممزّق، وقالت:
لِمَ لا تجلس؟ سأحضر لك كعكة لأشكرك على مساعدتك لي أمس.
" "
جلستُ
على الطاولة، ثم أزلتُ القبّعة، سامحاً لشعري أن ينعم بالحريّة. كنتُ أتأمّل الزهور التي في الإناء، لكنني
حينها شعرتُ بأنّ أحدهم يراقبني.
كانت هي…
تراقبني.
هل شعري
غريبٌ إلى هذه الدرجة…؟ ""
تحدّثتُ
مع نفسي بينما ألمس خصلات شعري، حتى اقتربت مني ووضعت كعكة أمامي، ثم قالت:
لم
أُكلّمك بالأمس، ولكن شعرك في غاية الجمال. " "
شعرتُ به
مجدداً... ذلك الخفقان الغريب في قلبي.
نظرتُ إليها
بتردّد. كانت جالسة أمامي تتأمّلني، وأنا بدوري كنتُ أتأمّلها.
قالت لي:
أدعى
منّة… وأنت؟ ""
إليان.
""
ابتسمت
وقالت:
" اسمك جميل يا إليان. يبدو أنك في نفس
عمري… هذا رائع. يمكننا أن نصبح أصدقاء. "
كانت
كلماتها تسقط كسهامٍ مشتعلة في قلبي. كنتُ
أكاد أشتمّ رائحة الحريق المنبعثة منه.
كانت كلماتها عذبة للغاية، حتى شعرتُ كما لو أن سحراً غريباً يوقعني في
شباكها.
كانت
جميلة للغاية... بل كانت… فاتنة.
ثم
سألتني باهتمام:
" أين والداك يا إليان؟ "
أجبتها
بهدوء:
لقد رحلا حينما كنتُ في السابعة.
قالت
بأسف:
أعتذر لما حصل لهما. " "
لا تقلقي… لم يموتا بسببك. " "
ثم
سألتها:
وأنتِ…
أين والداك؟ ""
ذهبا
للاطمئنان على جدّتي. تعيش في قرية صغيرة بالقرب من العاصمة
جلسنا
معًا نتحدث طويلاً ، ثم في لحظة غير
متوقّعة ابتسمت منّة وقالت:
"إليان… أخبرني، هل هناك فتاة تحبّها؟ "
شهقتُ
حتى اختنقت بالكعكة التي كنت أتناولها.
"آسفة لسؤالي… هل
أنت بخير؟ "
حين هدأت
قليلًا، ضحكت بصوتٍ مرتفع، الأمر الذي أثار استغرابها.
"كلا منّة… لا أملك فتاة أحبّها. وأنتِ… هل تحبين
فتى؟ "
صمتت
للحظة، وبدأت تلعب بخصلات شعرها الذهبي، محاولة التركيز على تصرفاتها ، حتى قاطع
جرس الباب حديثنا.
" حسناً… حسناً… حسناً… أنظروا من هنا،
عصافير الحب جالسة مع بعضها! "
دخل
مجموعة من المجرمين المتسخين إلى المتجر، استطعت تمييز اثنين منهم كانا هنا بالأمس
يبعثران المكان. تقدّم زعيمهم نحو الطاولة
وألقى نظرة شاملة علينا.
" هل قاطعتُ موعد غرامكما؟ "
تقدّم
أحد المجرمين وقال:
" هذا هو يا زعيم. "
نظر
الزعيم نحوي، وابتسم بسخرية:
" يا هذا… أين تريد أن تموت؟ "
لم أتردد.
"في الخارج لو
سمحت... "
نهضت عن
الطاولة ولحقت بي منّة نحو الخارج، بينما ضحك المجرمون معتقدين أننا فريسة سهلة. وجدنا أنفسنا في زقاق مغلق بعيدًا عن المارّة
وجنود العاصمة.
قالت
منّة:
"
حسناً… حسناً يا صغير "
" أجبته
بغضب، "اتركي الفتاة أولًا "
ضحك
الزعيم بسخرية، واقترب مني، أنزل رأسه ناحيتي.
" من تحسب نفسك، يا هذا؟ "
في لحظة
شرود، مررت سكينًا صغيرة حول عنقه قبل أن يتدحرج رأسه على الأرض، بينما الفزع
والخوف يملأان المكان.
" صوتكم مزعج
للغاية... "
كانت
منّة مصدومة مما يحدث، ظننت أنها ستطرهني و تخافني بسبب ما فعلت . كنت غاضبًا
بشدّة من هؤلاء.
اقترب
مني اثنان من المجرمين يحملان عصيًا مدببة، لكن سيفي الصغير كان أسرع بكثير. لم تمض سوى لحظة قبل أن ترتطم أجسادهم بالأرض.
"تباً لك يا هذا... "
خاطبني
أحدهم، الرجل الذي ضربني بالأمس. أردت الانتقام لما فعل بوجه منّة فقطعت يده
النتنة، حتى تناثرت الدماء على وجهي، ثم قتلته بكل برود.
كانت
منّة في حالة صدمة، خرجت تركض مذعورة، تنادي حرس العاصمة. لم تمض لحظات قليلة حتى وصلوا، لكنهم لم يجدوا
شيئًا، فجنود الظلال كانوا أسرع منهم و أخفوا الجثث و غادرتُ معهم.
عدتُ إلى
القصر، أجرُّ أذيال الخيبة، وغصّة الألم تعتصر قلبي. منّة هربت مذعورة، وقلبي لا يزال يخفق بغضبٍ
وغموضٍ لم أفهمه بعد. شعرتُ بثقل كل خطوة
أخطوها نحو الداخل، وكأن الأرض تتآمر لأثقل همّي أكثر.
آلفريد
كان في انتظاري، مظهره ثابت كالعادة، لكن عينيه كانت تخفي شيئًا من القلق.
استقبلني وقد بدا القلق واضحًا على ملامحه.
كان قد علم مسبقًا بما حدث في المتجر، فجلستُ أمامه وأخبرته بكل شيء.
" مولاي…"
" هل…
كل شيء على ما يرام؟ "
تنهّدت
ببطء، وأنا ألتفت نحوه:
"" لا شيء على ما يرام… لقد هربت، وكل ما
استطعت فعله هو الوقوف عاجزًا. "
سكتنا
للحظة، ثم اقترب مني وهو يهمس:
" لا تقلق مولاي… منّة بخير، وسأحرص على
أن تكون بأمان. أما أنت… فأنت أقوى مما تتصور. "
كلماته
لم تخفف من إحساسي بالخيبة، لكن شيء ما في صوته جعل قلبي يهدأ قليلًا، وكأن الخطر
القادم لم ينتهِ بعد، لكنه أصبح أقل وطأة.
خفق قلبي بسرعة بينما أتذكر جمال عينيها الزرقاوين،
شعرها الذهبي، ووجنتيها الورديتين.
ضحك
آلفريد بخفة، وقال:
" يبدو أن مولاي وقع في الحب. "
ابتسمتُ
بتحدٍ، أجيب:
"أنا إليان… لا شيء يستطيع أن يوقعني. "
هزّ رأسه
مبتسمًا وقال:
" والدتك كانت تقول نفس الشيء قبل أن
يسرق والدك قلبها. رغم قوتها وحكمتها… إلا أن الحب كان أقوى منها. "
صمتت
للحظة، ثم همست:
"ماذا أفعل يا آلفريد؟ لا أريد أن أبتعد عنها. "
نظر إليّ
بثقة وطمأنني قائلاً:
"لا تقلق مولاي… لن تستطيع أي فتاة أن تبتعد عن
السيد إليان. "
ابتسمتُ
متردّدًا:
" أرجو أن تكون محقًا في كلامك. "